اجتهادات قضائية:حكم المحكمة الادارية بالرباط:اذا كان من حق رجال الشرطة في اطار الضبط الاداري رفع سيارة تعرقل حركة السير وايداعها بالمستودع البلدي، الا ان الدولة تبقى مسؤولة عما يمكن أن يسبب من جراء عدم العناية في طريقة الرفع من أضرار





اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

أثر الاجتهاد القضائي على مسودة القانون الجنائي(3/1)

لم يكن الاجتهاد مرحبا به دائما لسيطرة منهج الشرح على المتون في الوسطين الفقهي والقضائي   (3/1)

يعرف الاجتهاد القضائي، بأنه مجموعة من المبادئ المكرسة من قبل الأحكام والمقررات القضائية والتي تتضمن تفسيرا لقاعدة تشريعية موجودة أو وضع قواعد لحكم حالة قانونية تعيش فراغا قانونيا. ويتميز الاجتهاد القضائي بأنه يضمن استمرارية القواعد التشريعية، من خلال ملاءمتها مع الوقائع و النوازل، فالتشريع بما يتميز به من عمومية وتجريد، لا يخصص حلولا فردية لكل النزاعات، وهذا ما يجعل من الاجتهاد  القضائي مصدرا مستقلا ومساويا لباقي مصادر القانون، فهو يخصص القاعدة القانونية، ويقوم بتحيينها، إذ بدونه لا يتمكن التشريع من التوفيق بين خاصيتي الاستقرار والاستمرارية.

إن الاجتهاد القضائي يؤمن للتشريع ملاحقة تطورات المجتمع من خلال تطبيق النصوص القديمة بروح جديدة، وفق ما عبر عنه الفقه الألماني بالاجتهاد القضائي التطوري، كما أنه يساهم في تفسير النصوص الغامضة ويكمل الناقص منها فيصير الاجتهاد القضائي مصدرا مباشرا للقانون. 
 المطلب الأول: مداخل التأثير والتأثر في العلاقة بين القاضي والمشرع
إن ارتباط القانون الجنائي بواقعة الجريمة يجعل مداخل التأثير والتأثر في العلاقة بين القاضي والمشرع كثيرة تعكس علاقة ربط حركية التشريع بالاجتهاد القضائي 
الفقرة الأولى: مداخل تأثير القاضي على المشرع
تتمثل هذه المداخل في العناصر التالية :
- الاجتهاد القضائي مصدر من مصادر التشريع. 
- قاعدة التفسير الضيق للنصوص الجنائية لم تمنع من الدفع. 
- حركية اجتهاد القاضي نحو ملاءمة النصوص للواقع ومسايرة واقع الجريمة وآفاقها، سيما أن تدخل المشرع في هذا المجال يتسم بالبطء النسبي. 
- القاضي ينقل النصوص من واقع الجمود إلى واقع الحركة. 
- كشف سلبيات النصوص الجنائية وعجزها عن مسايرة الواقع المستجد للجريمة وتطورها.  
- النص الجنائي عاجز كلية عن مكافحة صنف معين من الوقائع غير المجرمة. 
- تفسير النص الجنائي سمح بإدخال بعض الوقائع لدائرة التجريم. 
الفقرة الثانية :تأثر المشرع بالاجتهاد القضائي.
يتمثل مضمون التأثير الذي يمارسه التشريع على الاجتهاد القضائي في :
1-التأثير الإيجابي :
- سن نصوص قانونية جنائية تتبنى تفسيرات ومواقف اجتهادات القضاء الجنائي، أي نقل النص من دائرة التفسير القضائي إلى دائرة التنصيص التشريعي.
- سن نصوص قانونية جنائية تتبنى الاجتهاد القضائي الجنائي من زاوية ضبط مدلولات الجريمة وأركانها والتنبيه إلى اختلالات النص العاجزة قانونا واجتهادا عن الانطباق على الواقعة القانونية محل المتابعة.
2- التأثير السلبي : التصحيح التشريعي 
يعكس التصحيح التشريعي نوعا من الارتداد التشريعي على الاجتهاد القضائي بغرض التراجع عنه للتأثير على حماية القاضي للحقوق والحريات، وهذا المسلك التشريعي يعد منتقدا وتجنيا على وظيفة القضاء، وعلى وظيفة المشرع، وكثيرا ما تصدت المحاكم الدستورية المقارنة لمثل هذا الدور السلبي التشريعي.
الفقرة الثالثة: نطاق الاجتهاد القضائي 
إذا كان الاجتهاد القضائي يعد مصدرا من مصدر التشريع، فإنه في المادة الجنائية تحكمه ضوابط قانونية تستهدف حماية الأمن القضائي من خلال :
- عدم تجريم وقائع لا تطولها نصوص التجريم.
- عدم رجعية القانون الجنائي. 
- التفسير الضيق للنصوص الجنائية:عدم جواز استعمال القياس ،محكمة النقض الفرنسية قرار29/6/2005.
- رفع التجريم عن أفعال معينة يوجب التصريح ببراءة المتابعين من أجلها. 
- زوال النصوص الجنائية المؤقتة بمضي أجلها. 
- سقوط الدعاوى العمومية يوجب التصريح بالسقوط. 
- التنازل أو الصلح يضع حدا للمتابعة وتنفيذ العقوبة. 
- إن التشريع متى توقفت حكمته توقف حكمه.
الفقرة الرابعة: الرأي المناهض لاجتهاد القاضي
لم يكن الاجتهاد القضائي مرحبا به دائما لسيطرة منهج الشرح على المتون في الوسطين  الفقهي والقضائي، وندلل على ذلك من المصادر التاريخية، حيث إن مفكري الثورة الفرنسية الذين ألهموا التنظيم الحديث لمؤسسات الدولة، دعوا إلى إلغاء كل دور للاجتهاد القضائي في إنتاج القاعدة القانونية، وبضرورة قصر عمل القاضي على تطبيق مقتضيات التشريع بصورة آلية. وهكذا جاء في كتاب «روح القوانين» لمونتيسكيو قوله: «إن قضاة الوطن ليسوا سوى الفم الذي ينطق بكلمات التشريع، فهم أشخاص لا يمكنهم التخفيف من قوة أو صرامة القانون»، وقد ذهب روبيسبير أبعد من ذلك بتصريحه في البرلمان سنة 1790 «إن كلمة اجتهاد يجب أن تمحى في لغتنا، ففي دولة لها دستور وتشريع فإن اجتهاد المحاكم ما هو إلا قانون».
الفقرة الخامسة: نطاق التفسير المشروع للنصوص الجنائية وفقا للاجتهاد القضائي  
إذا كان الاجتهاد القضائي في المادة الجنائية من الناحية القانونية والنصية يحكمه مبدأ التفسير الضيق، فإنه من الناحية العملية فإن دور القاضي الجنائي كما هو معاين من خلال بحث صيرورة تطوره لا يقل أهمية عن دور القاضي المدني في الاجتهاد والإبداع وتحقيق الحماية المطلوبة .
وهكذا فإن اجتهاد القاضي الجنائي تؤطره الضوابط التالية : 
- ضرورة إعطاء النص الجنائي كل الأبعاد التي أرادها المشرع عند وضع النص إذا كان قد شمله تطور تقني. 
- ضبط النص مع حاجة السياسة الجنائية انطلاقا  من التطور والتقدم التقني”.
- مقبولية التفسير الواسع المطابق لإرادة المشرع، وهي تخرج عن التفسيرات الواسعة والتي تخرج بالنص عن إرادة المشرع. 
- غموض النص :
-الغموض البسيط : من واجب القاضي الجنائي رفعه عندما يكون النص مصاغا بطريقة خاطئة، أو غير صحيحة فتؤثر على المعنى بصورة جذرية. 
- الغموض الكبير: ويكون في حال غياب تحديد واضح للنص، أو في حال استعمال عبارات أو كلمات لها مدلولات واسعة وتحتمل قراءات متعددة، هنا يتوجب على القاضي الاجتهاد في إدراك إرادة المشرع ولا يمكنه التحجج بالتفسير الضيق للنصوص الجنائية، لأنه ملزم بالفصل فيها بالاستعانة بالأعمال التحضيرية، أو بالاعتماد على المبادئ والأصول العامة للقانون، أو المحيط الاجتماعي العام، وغالبا ما يتجه القاضي نحو الحكم بالبراءة تمسكا بالتفسير الضيق. 
الفقرة السادسة- لتغير الدستوري في مفهوم الوظيفة القضائية والقاضي الجنائي والدستور.  
الملاحظ أنه لأول مرة في تاريخ الدساتير المغربية عرف الدستور المغربي لسنة 2011 وظيفة أو رسالة القاضي وذلك بمقتضى الفصل 117 الذي ينص على أن ”يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون“. 
وقد أوجب المشرع الدستوري على القضاة الالتزام بتطبيق القانون بصفة عادلة، وهذا ما يؤكده الفصل 110 من الدستور والذي جاء فيه بأنه «لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون. ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون. 
ويعتبر الدفاع عن الحقوق والحريات وحمايتها من كل الانتهاكات والتجاوزات التي تمس بها، من أهم الأدوار التي أصبحت تضطلع بها المحاكم.
فالقاضي الجنائي ملزم بتفسير النصوص الجنائية على ضوء المقتضيات الدستورية، لأنه لا يجوز تطبيق أي نص يخالف الدستور، مع مراعاة مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية.
المبحث الثاني : مجالات تأثير القضاء على التشريع الجنائي 
إن تفحص مسودة القانون الجنائي يثبت بشكل ملموس مجالات تأثير القضاء على التشريع الجنائي، والتي لم تحظ بالعناية والإشادة على الأقل من خلال إبرازه مصدرا ماديا للمسودة المذكورة، وهو ما أكدته وزارة العدل في تغييبها للاجتهاد القضائي الجنائي عنصرا حاسما وفاعلا في تغيير المنظومة الجنائية والرقي بها إلى آفاق رحبة ومتطورة استجابة لمطلب تكييف العمل القضائي مع الوقائع والتطورات الحديثة والمستجدة.
المطلب الأول : جريمة انتزاع عقار من حيازة الغير
أدخلت المادة 570 من مسودة القانون الجنائي ضمن عناصر الجريمة إلى جانب العنف والخلسة والتدليس القيام بأي عمل يحد من الانتفاع بالحيازة، تماشيا مع اجتهادات محكمة النقض. 
بقلم:  د محمد الهيني   *

* نائب الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

حدود مسؤولية المؤاجر في تعويض الأجير عن المصاريف الطبية (2)

المشرع يلزم المشغل أو مؤمنه بتحمل مصاريف العلاج في حدود التعريفة القانونية  (2/2)

إن مشرع  حوادث الشغل الجديد في قانون 18-12 احتفظ بحق المصاب في اختيار جهة علاجه، وهذا فيه تحقيق لتوازن مصالح الأطراف، فرعاية مصلحة الأجير ووضعيته الصحية تتطلب حرية اختياره الطبيب أو الجهة التي يرى أنها أصلح لعلاجه، وفي مقابل ذلك نجده حافظ على مصلحة المؤاجر ومؤمنه في مجموعة من مواد القانون الجديد في هذا المقتضى، حين عاقب في المادة 191 بغرامة من    2000 درهم إلى 10.000 كل من يرتكب غشا، أو يقدم تصريحا مزورا للاستفادة من المصاريف، أو تعويضات غير مستحقة، أو العمل، أو محاولة العمل على الاستفادة منها. 
إن مشرع قانون 18-12  شدد في العقوبات المفروضة على من يستعمل وسائل احتيالية للاستفادة من صوائر التطبيب والعلاج المنصوص عليها في هذا القانون، بأن فرض عقوبات باهظة تثقل كاهل الأجير بصفة خاصة لمحدودية دخله،بل أكثر من ذلك أنه يعاقب على مجرد محاولة الاستفادة من هذه المصاريف ، ونرى في ذلك أقصى حماية يمكن أن يقدمها المشرع للمؤاجر و مؤمنه. 
هذا بالإضافة إلى أن مشرع القانون الجديد فرض في المادة  15 على المؤمن له التصريح بالحادثة بمجرد وقوعها للمؤاجر أو مؤمنه، ويتضمن هذا التصريح البيانات الجوهرية عن الإصابة وأن ترفق بالتصريح الشهادة الطبية الأولية، وبذلك يمكن للجهاز المكلف التابع لشركة التأمين متابعة شفاء المصاب، بحيث إذا تبين أن مدة العلاج المحددة لا تتناسب والبيانات المدرجة في الأخطار، يمكن لهذا الجهاز أن يستدعي المصاب أو يتنقل إليه عند الضرورة  للتأكد من مطابقة البيانات للواقع.
كذلك إذا خلفت الحادثة عجزا دائما للمصاب، يحدد الطبيب المعالج باتفاق مشترك مع الطبيب الخبير المنتدب من قبل المقاولة المؤمنة للمشغل، نسبة العجز اعتمادا على الجدول المتعلق بالعجز، وفي حال عدم توصل الطرفين إلى اتفاق مشترك بخصوص تحديد نسبة العجز، يمكن للمقاولة المؤمنة للمشغل تعيين طبيب خبير مختص بناء على اقتراح من الطبيب المعالج للمصاب .
وفي رأينا، أن ما قيل بخصوص الأضرار التي تلحق المؤمن ماليا عند إعطاء الأجير المصاب حق اختيار جهة العلاج لا يمكن قبوله في إطار مقتضيات القانون الجديد، فكما رأينا، فإن المؤمن له بمجرد وقوع الحادثة يصرح بها للمؤاجر أو مؤمنه، ويتضمن هذا التصريح البيانات الجوهرية عن الإصابة، وبذلك يمكن للجهاز المكلف التابع لشركة التأمين متابعة شفاء المصاب، لأن المشرع الجديد في المادة 26  منح للمؤاجر أو مؤمنه حق تعيين طبيب أو عدة مختصين من أجل اطلاعه على الحالة الصحية للأجير المصاب خلال فترة العلاج، ويمكن للطبيب إجراء مراقبة طبية على المصاب بحضور الطبيب المعالج وفي حال عدم استجابة المصاب لهذه المراقبة  بعد إنذاره لمرتين يتم توقيف التعويض.  
وفي ما يخص ما تدعيه شركات التأمين من أن إعطاء الأجير المصاب حق اختيار جهة علاجه قد يؤدي إلى مضاعفة الآثار التي تترتب عن الإصابة، نتيجة سوء اختياره لجهة العلاج، فإنه عكس ذلك عندما يعلم المصاب أنه سيحصل على المصاريف التي سينفقها على علاجه وفي أقرب الآجال، فإنه سيتوجه حتما إلى أطباء أكفاء، وفي هذا فائدة للمؤمن، إذ يتم شفاء المصاب في وقت قصير، الأمر الذي يؤدي إلى تخفيض عدد الأيام التي يتقاضى عنها تعويض العجز، فضلا عن أنه سيعالج بأسلوب طبي دقيق، مما يحول دون تخلف العجز عن الإصابة، فلا يلتزم المؤمن بدفع التعويضات والإيرادات.
وفي المقابل فإن المشرع يلزم المشغل أو مؤمنه بتحمل مصاريف العلاج والرعاية الطبية في حدود التعريفة القانونية، وبذلك فإنه في حال توجه الأجير المصاب إلى مصحة خاصة للاستشفاء تتجاوز تعريفة المستشفيات العمومية، فإن المشغل أو مؤمنه يتحمل مصاريف العلاج والاستشفاء في حدود هذه التعريفة.
 إلا أنه في إطار ظهير التعويض عن حوادث الشغل السابق 6 فبراير1963، إذا أثبت الأجير أن دخوله تلك المصحة الخاصة كانت تتطلبه ظروف العلاج المستعجلة، يكون المؤاجر أو المؤمن ملزم بأداء الصوائر التي تفوق التعريفة المحددة قانونا، وهذه كانت من حسنات هذا التشريع، لأنه في بعض الأحيان تفتقد المستشفيات والمصحات التي تكون قريبة إلى مكان الحادث للتجهيزات المطلوبة لعلاج الأجير المصاب، فيضطر هذا الأخير أو عائلته، وفي حال الاستعجال إلى الانتقال إلى مصحة تستجيب لهذه المتطلبات، تكون مصاريفها مرتفعة مقارنة مع التعريفات المحددة قانونا.  لكن وبقراءتنا لقانون التعويض عن حوادث الشغل الجديد 18-12  نجده قد ألغى هذه المقتضيات، وبذلك يبقى المؤاجر أو مؤمنه ملزما بأداء المصاريف الطبية والاستشفائية في حدود التعريفة القانونية، وهذا فيه تراجع عن مكتسبات الأجير المصاب الذي تمنعه وضعيته المادية من تكبد مصاريف الاستشفاء الإضافية، فيكون مضطرا إلى الاستجابة لعلاج لا يستجيب لوضعه الصحي.
وبالإضافة إلى تحمل المؤاجر أو مؤمنه للمصاريف الطبية والصيدلية، فإنه بموجب الفقرة الثالثة من المادة 37 من قانون 18-12،  يتحمل مصاريف انتقال الأجير المصاب إلى محل إقامته الاعتيادي، أو إلى المستشفى القريب من وقوع الحادثة. ومضمون هذا الالتزام لا يقف عند مجرد التنقل من مكان وقوع الحادثة إلى محل الإقامة الاعتيادي للأجير، أو إلى المستشفى، كما يدل على ذلك ظاهر النص، وإنما يشمل كذلك مصاريف النقل التي قد يتطلبها تردد الأجير المصاب على عيادة الطبيب المعالج، أو على المستشفى أو المصحة للعلاج، وذلك إذا كانت إصابته المتولدة عن الحادثة ، وكذلك طبيعة العلاج تقتضيان مثل هذا التردد ،والمشرع قد أشار إلى هذه المصاريف في مقتضيات المادة 193 من القانون نفسه.
كما يتحمل المؤمن مصاريف الجنازة ونقل الجثمان إذا نجم عن حادثة الشغل أو المرض المهني وفاة الأجير، وتتعلق هذه المصاريف بنقل الجثمان من مكان الوفاة إلى مقبرة البلد التي كان يسكن بها الأجير المتوفى بالمغرب، وإن كان ذلك مشروطا بأن تكون الوفاة في هذه الحالة قد وقعت أثناء تنقل الأجير المتوفى من جراء الحادثة للقيام بالعمل خارج محل إقامته.
وقد حدد قرار وزير الشغل والشؤون الاجتماعية بتاريخ 27 يناير 1975 تعريفة صوائر جنازة ضحايا حوادث الشغل، وهي تعتبر جد هزيلة مقارنة مع ما يتطلبه الوضع الاجتماعي في بلادنا من تكبد ذوي حقوق المتوفى مصاريف مرتفعة لتجهيزه .
الفقرة الثانية: حق الأجير في الحصول على الأجهزة الطبية
حسب مقتضيات المادة 37 من قانون 18-12، فإن من حق الأجير المصاب في حادثة شغل، نيل وإصلاح وتجديد أجهزة استبدال أو تقويم الأعضاء التي تفرض الحادثة استعمالها، إلا أنه قيد التعويض عنها بأن تكون الحادثة قد نجم عنها مساس بالسلامة  الجسدية للأجير المصاب في الوقت ذاته الذي تعيب فيه هذه الأجهزة،  فمثلا لو سقط الأجير في مكان الشغل نتيجة زلة قدم ولم يصب بأضرار في جسمه عند سقوطه، وإنما تكسرت نظارته، فإنه لا يمكنه المطالبة بتعويضها أو بإصلاحها لأن الفعل الضار المتمثل في السقوط والخالي من الإصابة الجسمية لا يعتبر حادثة شغل يستوجب التعويض عنها.
لكن رغم التقييد الذي سنه المشرع المغربي، فمقابل ذلك كان له دور إيجابي حين خول للأجير المصاب الحق في إصلاح وتعويض الأجهزة، حتى ولو كان استعمالها فرضته عاهة سابقة غير متولدة عن حادثة من حوادث الشغل، المهم أن تكون الحادثة التي وقعت له هي التي أفسدتها أو سببت ضياعها أو جعلتها غير صالحة للاستعمال. واتجاه المشرع المغربي هذا سواء في ظهير6 فبراير 1963 أوفي القانون 18-12   يعتبر أفضل من موقف الاجتهاد القضائي الفرنسي الذي اشترط أمام سكوت المشرع أن يكون استعمال الأجهزة التي أفسدتها حادثة شغل قد فرضته حادثة شغل سابقة، وهذا يعني أن القضاء الفرنسي لا يعوض إذا كان سبب استعمال الأجهزة عاهة طبيعية ، ولوازمها فقدت بسبب حادثة شغل.  لذلك فإن مقتضيات المادة40 من قانون 18-12   تعتبر نقطة إيجابية في موقف المشرع الاجتماعي المغربي الذي تجاوز مصدر استعمال أجهزة التقويم، قصد حماية الأجير ومنحه الحق في تعويضه عنها في حالة تعيبها بسبب حادثة الشغل.
خاتمة
مع تطور تشريعات حوادث الشغل في الدول المقارنة التي تتجه نحو اجتماعية خطر حوادث الشغل ،فقد كان ينتظر من مشرع التعويض عن حوادث الشغل الجديد سعيه لتحقيق إضافات ومكتسبات جديدة  للطبقة الشغيلة ،غير تلك الواردة سابقا في ظهير 6 فبراير1963 ،إلا اننا نجد هذا التشريع عكس ذلك تراجع عن بعض من مقتضياتها التي كانت تراعي مصلحة الأجير في سلامة بدنه، لذلك فالمشرع الجديد كرس من جديد قصور الحماية التشريعية لأجير ما يهدد حياته وكيانه الجسدي سعيا لخدمةالآخر.
* أستاذة بالكلية متعددة التخصصات بتازة

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

صلاحية المحافظ في التقييد والتشطيب(01)

المحافظ لا يعتبر طرفا في العقود التي يطلب منه تقييدها بالسجلات العقارية(2/1)

لاشك أن عملية إشهار التقييدات المؤقتة بالرسم العقاري تخضع لمجموعة من الإجراءات المسطرية التي يتعين مراعاتها من قبل أصحاب الحقوق المدعى على عقار محفظ تحت طائلة عدم الاستفادة من الحماية المخولة إياه تشريعيا، بل يمكن أن يضيع حقه نهائيا نتيجة خطأ إجرائي في طلب التقييد المؤقت. ومن ثم فإن الجهة المناط بها مهمة تقييد جميع العمليات المتعلقة بالرسوم العقاري، مقيدة بنصوص قانونية تلزمها بمراقبة مدى توفر الشروط اللازمة للقيام بالتقييد تحت طائلة مسؤوليته. كما أن الأمر لا يقف عند هذا الحد،  بل يتجاوزه ليمتد إلى عمليات التشطيب التي يطلب من المحافظ القيام بها بعد إدلاء المعني بالأمر بحكم أو عقد وفقا لمقتضيات الفصل 91 من ظهير التحفيظ العقاري، أو بمآل المقال الافتتاحي موضوع التقييد الاحتياطي.

إن هناك أنواعا من التقييدات المؤقتة يسري مفعولها الزمني في أجل محدد تشريعيا، إذ يجب لزاما على المستفيدين منها إنجاز التقييد النهائي للحق داخل الأجل القانوني، وإلا أصبحت التقييدات المذكورة هي والعدم وسواء، رغم بقائها مضمنة بالرسم العقاري.
ومن جهة أخرى، فإن الأحكام القضائية متى كان موضوعها إنشاء حق عيني أو تعديله أو إسقاطه أو إنهائه، تكون واجبة التقييد من قبل المحافظ العقاري إذا كانت مكتسبة لقوة الشيء المقضي به.
ولعل دراسة موضوع صلاحيات المحافظ بشأن التقييد والتشطيب، وأثر ذلك على المراكز القانونية للأطراف المتعاملة بشأن الرسم العقاري، والوقوف على أهم الإشكالات العملية المطروحة في هذا المجال، ورصد موقف المحافظ المتعلق بتعامله مع الأحكام والأوامر القضائية، يقتضي تقسيم هذا الموضوع إلى مجموعة من النقط على الشكل التالي:
-1 حول الإشكالية المتعلقة بالاقتصار على تبليغ عزل الوكيل إلى المحافظ العقاري دون الوكيل
من المسلم أن الوكيل يفقد هذه الصفة ابتداء من تاريخ تسلمه المكتوب أو البرقية المتضمنة إلغاء الوكالة طبقا للفصل 932 من (ق.ل.ع)، وأن الاقتصار على إيداع الإشهاد بالإلغاء بالرسم العقاري المعني بالنزاع لا يتحقق معه علم الوكيل بالإلغاء، بدليل أن مجرد الإيداع لا يعني التقييد بالرسم العقاري الذي يفترض معه العلم به من طرف الكافة عملا بالقرينة التشريعية المنصوص عليها في القانون العقاري. ومن ثم فإن محكمة النقض قد أكدت بدورها على أن زوال صفة الوكيل يستلزم تحقق واقعة تسليمه مكتوب إلغاء الوكالة من قبل الموكل، معتبرة أن التصرفات التي يجريها الوكيل قبل علمه بعزله تكون صحيحة طالما أن المتعاقد معه يجهل بدوره انتهاء مهمة الوكيل.
ونشير إلى أن العمل الإداري بالمحافظات العقارية يرتب عن إيداع الإشهاد بإلغاء الوكالة لدى المحافظ العقاري، امتناع الأخير عن تسجيل العقود المبرمة من قبل الوكيل والمتعلقة بالرسم العقاري، وذلك حماية لمصالح الطرف الموكل من تعسف الوكيل المعزول وقيامه بإبرام تصرفات قانونية نيابة عنه قصد الإضرار به، الشيء الذي يطرح التساؤل حول الطبيعة القانونية لهذا الإيداع لدى المحافظة العقارية، وماهية المسوغ القانوني لهذا الإجراء، وأساس رفض المحافظ لتسجيل عقد مبرم في تاريخ سابق على تاريخ إلغاء الوكالة ومدى قيام مسؤوليته الشخصية.  
 2 - إشكالية تقييد مقال الطعن في قرار المحافظ العقاري تقييدا احتياطيا
إذا كان تقييد مقال الدعوى احتياطيا يتعلق بالنزاعات الناشئة بين أطراف الحق، فإن الإشكال يطرح بالنسبة إلى الدعاوى التي تقام ضد المحافظ العقاري في إطار الفصل 96 من ظهير التحفيظ العقاري، فهل يجوز قانونا طلب تقييد مقالات الطعن بشأنها تقييدا احتياطيا؟
من البديهي أن المحافظ لا يعتبر طرفا في العقود التي يطلب منه تقييدها بالسجلات العقارية، وإنما يراقب تحت مسؤوليته صحتها شكلا وموضوعا تحت طائلة رفض تقييدها بقرار يبين فيه أسباب عدم التقييد. وأنه يحق للطرف المتضرر أن يلتجئ إلى القضاء للطعن في قرار المحافظ لعدم قانونيته والمطالبة بإلغائه وأمره بتقييد العقد بالرسم العقاري. فهل يحق للمحافظ رفض طلب تقييد مقال الدعوى احتياطيا طالما أنه خصم في الدعوى وحكم في استعمال سلطته التقديرية في تقرير قبوله لإجراء التقييد من عدمه؟
بالرجوع إلى مقتضيات قانون 07/14 نجدها لم تنظم هذه المسألة، لذلك نعتقد أنه إذا كان من صلاحيات المحافظ رفض تقييد العقد بالرسم العقاري لعلة من العلل القانونية حسب وجهة نظره، فإنه لا يمكنه قانونا رفض طلب تقييد مقال الدعوى تقييدا احتياطيا، على أساس أنه طرف في الخصومة المقامة ضده الرامية إلى إلغاء قراره وأمره من طرف القضاء بتقييد العقد بالرسم العقاري محل النزاع، ومن ثم فإنه ليس هناك ما يمنع من تقييد مقال الدعوى المقامة ضد المحافظ تقييدا احتياطيا، طالما أن المعيار المعتمد من قبل المشرع في المادة 13 من مدونة الحقوق العينية لإجراء تقييد احتياطي لمقال الدعوى هو معيار موضوعي يتعلق بمحل النزاع، وليس معيارا ذاتيا يتعلق بأطراف الدعوى.
3 - إشكالية تمسك الدائن المرتهن بشرط المنع من التفويت
من المعلوم أن المشرع خول للغير الحائز للعقار المرهون عن طريق التفويت إمكانية مقاضاة المدين الأصلي (البائع) بتطهير العقار المرهون عن طريق المطالبة برفع الرهن الذي يثقله، كما قرر في الوقت نفسه الحماية للدائن المرتهن في استيفاء الدين المضمون بضمان عيني ولو انتقل العقار ا لمرهون إلى الغير عن طريق التفويت، الشيء الذي يفيد عدم أحقية الدائن المرتهن في التمسك في مواجهة المشتري للمرهون بشرط منع المدين من التصرف في عقاره المرهون، لأن ذلك يتنافى مع خصائص الرهن الرسمي المتمثلة في حق الأولوية والتتبع من جهة، والمقتضيات التشريعية المنصوص عليها في الفصل 1077 من (ق.ل.ع) من جهة أخرى. وهو الأمر الذي أكدته محكمة الاستئناف بمراكش في قرارها الذي جاء فيه ما يلي :
«حيث إن المشرع أعطى الحق للمرتهن في تتبع العقار المرهون في أي يد انتقل إليها ..، ومن ثم فإنه لا يمكن أن يكون لحق التتبع أي معنى إذا لم يكن من حق الراهن بيع الشيء المرهون.
وحيث إن هذا التأويل يزكيه القانون العام وهو قانون الالتزامات والعقود الذي يعتبر نصا عاما يلجأ إلى تطبيقه عند عدم وجود النص الخاص في الظهير المذكور، الذي لم ينظم سوى الرهن الرسمي الذي يعتبر تقييده وسيلة تقوم مقام قبض المرهون في الرهن الحيازي، فالغاية منهما واحدة وهي حفظ المرهون ضمانا للدائن وتأمينا لمصلحته.
وحيث بناء على أن الغاية واحدة من الرهنين معا، فإن المشرع المغربي إذا كان قد سمح للراهن بتفويت العقارات المرهونة رهنا حيازيا طبقا للفصل 1177 من (ق.ل.ع)، فإنه بالمقابل لم يمنع تفويت ما رهن رسميا ضمن القيود الواردة في هذا الفصل، والفصل 1178 من القانون نفسه، اللذين لا تتعارض مقتضياتهما مع ما ورد في الفصل 185 من ظهير 2 يونيو 1915، ولا مذهب الجمهور في الفقه المالكي... إنه بناء على ذلك، فإنه يتعين إلغاء الحكم المستأنف والحكم تصديا بإصدار أمر للسيد المحافظ المختص بتقييد رسم السيد (...) بالرسم العقاري مع الإبقاء على الرسمين المذكورين مثقلين بحقوق المرتهنين جميعا».
وبذلك نخلص إلى القول إن الدائن المرتهن رهنا مؤجلا الذي تحول حقه العيني التبعي إلى تقييد بات قبل انقضاء أجل 90 يوما، لا يمكنه أن يتمسك في مواجهة من انتقل إليه العقار المرهون بشرط منع المدين الأصلي من التفويت، ومن ثم فإنه يجب تقييد هذا الشراء بالرسم العقاري من قبل المحافظ على الأملاك العقارية حسبما أشير إليه في القرار أعلاه، ويكون بالتالي حق الملكية مثقلا بحق الدائن المرتهن الذي يتتبع العقار موضوع الضمان العيني في أي يد انتقل إليها.
بقلم: د. حسن فتوخ  *
*رئيس قسم التوثيق والدراسات والبحث العلمي بمحكمة النقض

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

صلاحية المحافظ في التقييد والتشطيب

تبليغ المحافظ بالمقال الاستئنافي أو بعريضة النقض يمنعه من مواصلة إجراءات التقييد  (2/2)

4 - إشكالية النظام المالي للزوجين وأثره على تقييد التصرفات المبرمة من أحد الزوجين بدون إذن الزوج الآخر.
إن الاتفاق على نظام الأموال المشتركة من قبل الزوجين لا يعني بالضرورة الحصول على الإذن من الزوج الآخر بالتفويت، بل يجب أن يكون العقار المبيع قد اكتسب أثناء العلاقة الزوجية. ومعنى ذلك أن هناك أموالا حرة (Les biens propres) تبقى في ذمة كل واحد منهما حين إبرام عقد الزواج أو قد يكتسبانها بعد ذلك، ولا تدخل في الذمة المالية المشتركة كالأموال العقارية المكتسبة عن طريق الإرث أو الهبة مثلا.لذلك فإن البيع الذي ينصب على هذه الأموال لا يستلزم إطلاقا الحصول على إذن من الزوج الآخر حتى يتأتى تقييده من قبل المحافظ طالما أنه يتصرف في مال مملوك له وحده.
وقد أكدت محكمة النقض هذا الاتجاه من خلال أحد قراراتها الذي جاء فيه ما يلي :»حيث إن الحكم المطعون فيه لم يكن على صواب في ما قضى به وذلك عندما طبق على العلاقة بين الزوجين الفرنسي الجنسية قانون الأحوال الشخصية المغربي واعتبر أن الزوج ذو أهلية تامة لبيع العقار المتنازع فيه، مع أنه من جهة فإن العلاقة الزوجية بين الطالبة وزوجها تحكمها قواعد القانون المدني الفرنسي الواجب التطبيق في هذه الحالة طبقا للفصل الأول من ظهير التحفيظ العقاري المتعلق بوضعية الأجانب في المغرب لأنهما متزوجان في إطار نظام الأموال المشتركة ودون أي عقد ينظم أموالهما ومع أنه، من جهة أخرى، فإن أهلية الزوج المتزوج طبقا لنظام الأموال المشتركة المعمول به في القانون المدني الفرنسي لبيع العقار في حالة اعتباره من الأموال المشتركة لا تكون تامة إلا إذا أذنت الزوجة بالبيع وذلك طبقا للفصل 1424 من القانون المدني الفرنسي وللفصل الثالث من قانون الالتزامات والعقود المغربي الذي يعتبر أن كل شخص أهل للإلزام والالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك... «.
وفي السياق نفسه، فإن مسؤولية الموثق يمكن أن تثار في هذا الشأن إذا قام بتحرير عقد البيع دون إدلاء الزوج البائع بإذن الطرف الآخر، أو دون تأكده من مصدر اكتساب العقار المبيع، وتحديد ما إذا كان التملك قد تم في إطار تنمية الأموال المكتسبة أثناء الزوجية وفق نظام الأموال المشتركة المنصوص عليه في المادة 49 من مدونة الأسرة، أو بناء على سبب آخر كالإرث أو التبرع. بل يمكن تصور مسؤولية المحافظ العقاري بالتبعية في حالة تقييده لعقد البيع بالرسم العقاري دون إدلاء البائع بالإذن المشار إليه أعلاه. وهذا ما يجعل القضاء يبسط رقابته على التفويتات التي تبرم في هذا الصدد، والقول تبعا لذلك بعدم صحتها استنادا للنظام المالي للزوجين.
5 - مدى صلاحية المحافظ في تقييد حكم قضائي مرفق بشهادة عدم الطعن مع تبليغه بمقال للطعن خارج الأجل؟
يدق الإشكال في الحالة التي يدلى فيها للمحافظ بالحكم القضائي المطلوب تقييده وبشهادة بعدم الطعن بالاستئناف أو بشهادة بعدم الطعن بالنقض حسب الأحوال، ثم يبلغ المحافظ بمقال الاستئناف أو بعريضة النقض قبل إجرائه لعملية التقييد. فهل يواصل المحافظ تحت مسؤوليته تقييد الحكم القضائي؟ أم أن من حقه التمسك بالأثر الموقف للتنفيذ من خلال الطعن بالاستئناف أو الطعن بالنقض؟
نعتقد أن تبليغ المحافظ قبل عملية التقييد بالمقال الاستئنافي أو بعريضة النقض يمنعه من مواصلة إجراءات التقييد، بدليل أنه غير مختص في تقدير نتيجة الطعن والقول بأنه بوشر خارج الأجل القانوني، لأن الجهة المؤهلة قانونا لمراقبة نظامية مقال الطعن والبت في المنازعة في صحة تبليغ الحكم المطعون فيه هي المحكمة المعروض عليها المقال الاستئنافي أو عريضة النقض. ومن ثم فإن المحافظ ملزم بانتظار نتيجة الطعن الذي تم تبليغه به حتى يمكن أن يقرر الإجراء المناسب بشأن طلب تقييد الحكم المودع لديه، على اعتبار أن الطعن بالاستئناف والنقض يوقفان معا التنفيذ بمجرد وضعهما بكتابة ضبط المحكمة سواء تلك المصدرة للحكم أو القرار، أو المحكمة غير المصدرة للحكم أو القرار، مع ضرورة تسجيل مقال الطعن أمام كتابة ضبط المحكمة غير المصدرة للحكم المطعون فيه داخل أجل الطعن المنصوص عليه قانونا تحت طائلة عدم القبول حسبما أكده قرار لمحكمة النقض جاء فيه ما يلي:
« بحسب صريح مقتضيات الفصل 141 من قانون المسطرة المدنية، فإن مقال الطعن بالاستئناف يودع بكتابة ضبط المحكمة المصدرة للحكم المطعون فيه، غير أنه إذا اختار الطاعن أداء الرسوم القضائية عن مقاله الاستئنافي أمام محكمة غير المحكمة المصدرة للحكم المطعون فيه فإنه يتعين أن يسجل هذا المقال أمام كتابة ضبط هذه المحكمة الأخيرة داخل أجل الطعن المنصوص عليه قانونا تحت طائلة عدم القبول «.
6 - أثر التنازل عن مقال الدعوى المقيد احتياطيا على الاستفادة من مفعول التقييد الاحتياطي
يطرح التساؤل حول أثر الحكم القاضي بالإشهاد على التنازل عن الدعوى التي وقع تقييد مقالها احتياطيا، ومدى اعتباره نهائيا بمجرد النطق به، أم يجب تبليغه للأطراف المعنية به وعدم الطعن فيه داخل الأجل القانوني؟
بالرجوع إلى الفصل 121من ق م م نجده ينص على أن المحكمة تسجل على الأطراف اتفاقهم على التنازل، ولا يقبل ذلك أي طعن. وأنجميع الأحكام الصادرة بشأن قضايا التحفيظ العقاري حسبما أشير إليه أعلاه لا تقيد من طرف المحافظ إلا بعد صيرورتها مكتسبة لقوة الشيء المقضي به. فكيف يمكن التوفيق بين النصوص الإجرائية العامة الواردة بقانون المسطرة المدنية والنصوص الإجرائية الخاصة الواردة بقانون التحفيظ العقاري؟
وجوابا على ذلك، فإن العمل القضائي اعتبر أن الحكم بالإشهاد على تنازل المدعي عن دعواه لا يقبل أي طعن بمقتضى الفقرة الأولى من الفصل 121 من ق م م من جهة، ولا يمكن سلوك إجراءات التبليغ والتنفيذ بشأنه طالما أن منطوقه غير قابل للتنفيذ في حد ذاته من جهة أخرى، على اعتبار أن الغاية من إجراء التبليغ إما أن تكون من أجل الطعن في الحكم موضوع التبليغ، وإما من أجل التنفيذ وفقا لمقتضيات الفصول 428 وما يليه من ق م م. وأن تنازل المدعين عن الدعوى يضع حدا لمفعول التقييد الاحتياطي المتعلق بالمقال موضوع التنازل دون حاجة إلى تبليغ الحكم القاضي بالإشهاد على التنازل عملا بالوصف النهائي الذي أضفاه المشرع المغربي على هذا النوع من الأحكام.
غير أن موقف المحافظين على الأملاك العقارية والرهون ينقسم إلى اتجاهين، أحدهما يرتب عن التنازل عن الدعوى المقيدة احتياطيا استفادة المدعي المتنازل من رتبة التقييد الاحتياطي، وثانيهما يعتبر أن التنازل عن الدعوى ينهي مفعول التقييد الاحتياطي ولا يترتب عليه الأثر الرجعي المقرر في الفصلين 85 و 86 من ظهير التحفيظ العقاري  في حالة صدور حكم في الموضوع لصالح المدعي.
بقلم: د. حسن فتوخ  *
*رئيس قسم التوثيق والدراسات والبحث العلمي بمحكمة النقض

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

حدود مسؤولية المؤاجر في تعويض الأجير عن المصاريف الطبية

للأجير كامل الحرية في اختيار الطبيب أو المستشفى العمومي أو الخصوصي الذي سيباشر فيه العلاج(2/1) 

يلتزم المؤاجر بأداء التعويضات المستحقة للمصاب في حالة العجز المؤقت والدائم، أو لذوي حقوقه في حالة وفاته. وقد حدد القانون 18-12  المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، هذه التعويضات بشكل دقيق  من أجل الموازنة بين مصالح المصاب وذويه من جهة، والمشغل من جهة أخرى، لاعتبارات تفرضها العدالة، وفي حدود لا يمكن تجاوزها، وضمن هذه التعويضات فإن للأجير المصاب في حادثة شغل  أو في حادثة طريق أو بمرض مهني،  الحق في استرجاع كل ما أنفقه من مصروفات طبية وصيدلية طبقا للقانون المذكور، فسواء توقف عن الشغل، أم لا.

يبقى الأجير مستحقا لعلاج طبي من أجل شفائه واستقرار حالته الصحية، من مساعدات طبية وصوائر صيدلانية ونفقات التحاليل الطبية والمخبرية وصوائر الإقامة في المستشفى إذا كانت حالته تدعو إلى ذلك، وعموما كل النفقات التي يتطلبها علاج الأجير المصاب، بما في ذلك أجهزة تقويم أعضاء جسمه واستبدالها.
فقد لا ينتج عن الحادثة أي عجز، لكن الوصول إلى هذه النتيجة يقتضي علاجات وتحاليل وصوائر طبية وصيدلية، وقد يضطر المصاب من خلالها إلى التوقف عن العمل مدة زمنية قصد مواصلة العلاج، وفي هذا الإطار، فإننا سنبحث في نطاق وحدود التزام المؤاجر بأداء التعويضات المقررة للأجير المصاب أو لذوي حقوقه بموجب القانون 18-12 ، نقف فيها عند النقط الإيجابية التي جاء بها المشرع المغربي في القانون الجديد مقارنة بالتشريعات الأجنبية، ونتناول الاشكاليات التي يطرحها الواقع حول حدود مسؤولية المؤاجر في أداء المصروفات الطبية والجراحية والصيدلية للأجير، وكذلك في الحصول على الأجهزة الطبية، لنقف عند موقف القضاء الحديث منها. 
الفقرة الأولى: مسؤولية المؤاجر عن أداء المصروفات الطبية والجراحية والصيدلية
حسب مقتضيات المادة 37 من قانون 18-12، فإن المؤاجر يتحمل النفقات التالية سواء انقطع الأجير عن العمل، أم لا:
-  مصاريف التشخيص والعلاجات الطبية والجراحية والصيدلية ومصاريف الاستشفاء ومصاريف التحليلات والفحوصات والمصاريف الواجب أداؤها للأطباء وللمساعدين الطبيين، وبوجه عام جميع المصاريف التي يستوجبها علاج المصاب.
- مصاريف المستلزمات الطبية التي تفرضها الحادثة، بما فيها المصاريف التي تفرضها الحادثة والمتعلقة بنيل أجهزة استبدال، أو تقويم الأعضاء، أو بإصلاحها أو بتجديدها. 
-  مصاريف نقل المصاب إلى محل إقامته الاعتيادي، أو إلى مؤسسة عمومية أو خصوصية للاستشفاء والعلاج الأقرب من مكان وقوع الحادثة. 
-  في حالة الوفاة، مصاريف الجنازة ومصاريف نقل الجثمان إلى مكان الدفن.
كما  أضاف المشرع في المادة 193 من القانون المذكور،  بأن المشغل أو مؤمنه يتحمل جميع المصاريف غير المنصوص عليها في هذا القانون، والتي يتطلبها تنقل المصاب من أجل تلقي العلاج أو إجراء الفحوصات والخبرة الطبية .
ويشمل الحق في العلاج مختلف أوجه الرعاية الطبية، وتتعلق بجميع حوادث الشغل، وسواء استمر الأجير في مزاولة عمله، أم اضطر إلى التوقف عنه، كما أن هذا الحق في العلاج والرعاية الطبية موحد بين جميع الأجراء، بدون مراعاة لاختلاف قيمة الأجر المتقاضى، أو الحالة المرضية أو نسبة العجز. فغرض المشرع هو منح الأجير المصاب، في حادثة شغل العلاج الطبي اللازم والكامل عن إصابته ومرضه المهني.
والمشرع خول للأجير المصاب من جراء حادثة شغل، أو مرض مهني كامل الحرية في اختيار الطبيب المعالج، أو المستشفى العمومي، أو الخصوصي الذي سيباشر فيه العلاج ، فقط يجب أن لا  تتجاوز مصاريف التطبيب ونقل المصاب للاستشفاء والعلاج الأقرب إلى مكان وقوع الحادثة  التعريفة  المحددة بقرار مشترك للسلطتين الحكوميتين المكلفتين بالتشغيل وبالصحة المشار إليها في مقتضيات المادة 38 من القانون18-12، ولا يمكن للطبيب المعالج للمصاب أن يطالبه بأداء المصاريف المنصوص عليها في المادة 37 أعلاه إلا في الحالتين  التاليتين: 
-  إذا لم يقدم المصاب الشهادة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة  14من القانون المذكور .
-  إذا قدم المصاب هذه الشهادة ووافق قبل تلقيه العلاج الأولي على تحمل مصاريف إضافية تتجاوز تعريفة المصاريف المحددة في القرار المشترك المشار إليه في الفقرة الأولى من المادة 38  أعلاه. وفي هذه الحالة يجب أن تتضمن الشهادة الطبية الأولية موافقة المصاب على تحمل هذه المصاريف الإضافية.
أما في غير هذه الحالات فلا يمكن لأي جهة كانت أن تطالب الأجير المصاب بأداء مصاريف مسبقة أيا كان نوعها، وذلك تحت طائلة غرامة حددها المشرع بين  2000درهم 10000درهم حسب مقتضيات المادة 191 من قانون 18-12 . 
أما المشرع الفرنسي، فقد منح للمصاب الحق في اختيار جهة العلاج، والطبيب الذي يقع عليه اختيار الضحية، ولا يطالب هذا الأخير بدفع أي أتعاب مقابل الرعاية التي بذلها له، إلا في الحدود التي يتجاوز فيها الأجر المستحق له الأجور التي تتعامل على أساسها صناديق الضمان الاجتماعي، وإذا اقتضت حالة المصاب الإقامة في المستشفى فإن المشرع الفرنسي أورد قيدين على إرادته في اختيارها، وذلك متى كانت غير تابعة لصناديق الضمان الاجتماعي، أو ليست مستشفى عموميا، إذ يتعين أن يكون مرخصا لها في رعاية المصابين بحادثة شغل، ومنح هذا الترخيص يرتبط بإمكانياتها الفنية في مجال العلاج والرعاية الطبية. ولا تلتزم صناديق الضمان الاجتماعي من ناحية أخرى بتحمل نفقات الإقامة والعلاج والرعاية الطبية بالمستشفى الخاص، إلا في الحدود التي تتجاوز فيها مستوى التكلفة بالمستشفى العمومي الأقرب للمصاب .
أما المشرع المصري، فإنه لا يمنح للعامل حرية اختيار جهة العلاج، وإنما يفرض عليه الجهة التي تتولى ذلك، فالأصل أن يقع الالتزام بالعلاج والرعاية الطبية على عاتق جهة التأمين الاجتماعي، حسب مقتضيات المادة 47 من قانون التأمين الاجتماعي، لكن المادة نفسها تجيز لصاحب العمل علاج المصاب ورعايته مقابل تخفيض نسبة الاشتراك عن تأمين حادثة شغل، وذلك شريطة أن تصرح الهيأة العامة للتأمين الصحي له بذلك وفقا للشروط والأوضاع التي يصدر بها قرار من وزير الصحة . لكنه وأمام الحماية الخاصة والمطلقة للأجير في حرية اختياره لجهة العلاج في التشريع المغربي، ورغم توالي أصوات أرباب العمل ومؤمنيهم شركات التأمين حول مقتضيات  ظهير 6 فبراير1963 التي أعطت للأجير حرية اختياره جهة العلاج، فحسب رأيهم أن ذلك يمس بمصالحهم وبالموازنة بين الأطراف التي يحكمها الظهير المنظم لحوادث الشغل، لأن الاختيار المطلق لجهة العلاج فتح مجالا كبيرا لتضخيم نسبة عجز العامل وتضخيم مصاريف العلاج، كما رأوا أن مصلحة الأجير المصاب تكمن في أن يتم العلاج في أقرب الأوقات والأماكن لتفادي المضاعفات التي تنعكس سلبا على المؤاجر أو المؤمن، وترفع من قيمة التعويضات التي يؤدونها، لأن استفحال الجروح التي أصيب بها العامل قد يؤدي غالبا إلى عجز دائم .
لكن بعض الفقه ومنهم الأستاذ آمال جلال، فرأى خلاف ذلك، أن مبدأ اختيار الطبيب المعالج من طرف العامل المصاب بحادثة شغل لا يمكن أن يسيء إلى العامل أو المؤمن، لأن الطبيب الذي يختاره الأجير في حالة وقوع حادثة شغل، هو حتما أحد الأطباء المسموح لهم بمزاولة مهنة الطب الغير مشكوك في قدراتهم المهنية، كما رأى أن المشرع أعطى الحق للمؤاجر ومؤمنه طبقا للفصل 50 من ظهير 6 فبراير 1963، الحق في أن يعين لقاضي الصلح طبيبا واحدا أو عدة أطباء يطلعونه أثناء المعالجة على حالة المصاب بحادثة شغل. لذلك رأى الأستاذ آمال جلال أنه لا مجال للتخوف من حرية اختيار الطبيب، بناء على أن هذا الأخير قد يسيء معالجة العامل المصاب، أو على العكس من ذلك قد يطيل مدة علاجه، أو يزيد في تقدير نسبة عجزه. وفي رأيه فإن مبدأ حرية الاختيار هو أحسن بكثير من فرض الطبيب المعالج على الأجير المصاب من طرف المؤاجر، أو شركة تأمينه، حسب ما يطالبون به، لأنه يخشى ألا يراعي هذا الطبيب إلا المصالح الاقتصادية للمؤسسة، أو المصالح التجارية لشركة التأمين، وذلك على حساب الأجير المصاب الذي يكون أشد الناس حاجة إلى المساعدة المادية والمعنوية.
بقلم:  فتيحة التوزاني *

* أستاذة بالكلية متعددة التخصصات بتازة

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قوة إقتراحية في تدبير السياسات العمومية (1/2)

جريدة المساء عدد 2660 الإثنين 20/04/2015 ص 8
اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

العرض الكامل للسيد وزير العدل والحريات حول مسودة مشروع القانون الجنائي والذي القاه في الندوة التي نظمت يوم الإثنين 20 ابريل 2015 بالرباط

اقرأ المزيد »

المجتمع المدني ومكافحة الفساد


اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

النسيج المدني والدفاع عن استقلال السلطة القضائية(2/3)

اتخاذ القرارات التأديبية بأغلبية الأصوات وقرارات العزل بإجماع الأعضاء الحاضرين(2/3)

2 - بخصوص النظام الأساسي للقضاة:
 - تفادي تكرار المقتضيات القانونية و تنظيم بعض المجالات التي يجب تنظيمها في مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. 
 - إعادة النظر في المقتضيات المتعلقة بضوابط حق تأسيس الجمعيات المهنية، والعمل الجمعوي.
 -عدم تقييد الأنشطة العلمية للقضاة والمشاركة في الندوات والملتقيات العلمية بقيود عامة تحتمل قراءات متعددة، وذلك بتحديد حالات عدم المشاركة بشكل واضح وحصري. 
 - تعيين جميع قضاة المملكة بمن فيهم المسؤولين القضائيين، من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية وموافقة الملك على ذلك بظهير انسجاما مع أحكام الفصل 57 من الدستور، الذي ينص على أنه يوافق الملك بظهير على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية. 
 - إحداث نظام ترقية محفز أحد أهم ضمانات الاستقلال الفعلي و الحقيقي للسلطة القضائية. 
 - حصر نقل القضاة في حال تقديم طلب بذلك بعد الإعلان عن المحاكم المعنية بالشغور. 
 - التنصيص على كيفية تطبيق قواعد التسلسل الرئاسي للنيابة العامة. 
 - تبسيط مسطرة رد الاعتبار بالنسبة إلى القاضي الذي صدرت في حقه مقررات تأديبة. 
 - تنظيم الأخطاء التأديبية الجسيمة للمسؤول القضائي. 
 - عدم إمكانية التمديد لجميع القضاة بدون استثناء. 
 - يجب تنظيم جميع المقتضيات المنظمة لتقاعد القضاة في القانون التنظيمي، وعدم الإحالة بشأنها على الأنظمة الجاري بها العمل، وتخويل ذوي حقوق المرأة القاضية الحق من الاستفادة من معاشها في حال وفاتها.
-  اعتماد نظام لتقييم القضاة يضمن استقلالهم في إطار من الموضوعية والشفافية، مع اعتماد المؤهلات العلمية والكفاءات المكتسبة ضمن تقارير التقييم.
-  اعتماد درجة ثانية للتقييم تعهد للجنة منتخبة من طرف الجمعيات العمومية لمحاكم الاستئناف بالنسبة لتقييم قضاة المحاكم الابتدائية، ولجنة منتخبة من الجمعية العامة لقضاة محكمة النقض لتقييم مستشاري محاكم الاستئناف، على أن تتم مناقشة مؤشرات التقييم المنجزة من طرف الجهة التي تولت إعداده مع القضاة المشمولين به. 
-  ضرورة تنظيم الجمعيات العامة للمحاكم، وسلطة هيأة التفتيش المركزي والرآسي في القانون التنظيمي المعتبر بمثابة النظام الأساسي للقضاة . 
- النص على مراجعة وملاءمة التعويضات والحوافز التي يتم منحها للقضاة بشكل دوري وإقرار تعويض ملائم للقضاة المتمرنين.
- تحديد التخصصات العلمية المطلوبة في المؤهل العلمي للقاضي المتمرن بما يتناسب مع التخصص القضائي. 
- النص على أن الترقية تكون من درجة إلى درجة بصفة مستمرة وأوتوماتيكية، ودون اعتبار للحصيص العددي أو المالي، وتحتسب الترقية من تاريخ التسجيل بلائحة الأهلية 
- تخصيص نسبة من المناصب للمهنيين والموظفين في مباراة الملحقين القضائيين على غرار عدد من التجارب المقارنة، وعدم ترك الأمر مفتوحا، أو تكريس تخصيص مباراة لكل فئة على حدة، ونرى في هذا المقام أن يتم تفعيل مقتضيات التوصية145 من الميثاق التي تقتضي أن یعلن عنهما معا وسنویا، إذ لا معنى للانفتاح على أجود الكفاءات إن كان فتح المباراة في وجه المهنیین والموظفین موسمیا، أو كان مستندا إلى رغبة السلطة المخّول لها الإعلان عن مباراة و لوج سلك القضاء دون أی ضوابط.
-  تحديد عدد المناصب المخصصة للمهنيين والموظفين مع ضرورة التمييز بين الموظفين وبين الفئات المهنية لأن إدماج الموظفين في سلك القضاء لا يتطلب إحداث منصب مالي جديد، لأنهم يمارسون مهامهم في إطار الوظيفة العمومية. 
- إلغاء تعيين مسير إداري تحت إشراف مسؤول قضائي ـ المادة 52 ـ لأنه سيؤدي إلى تنازع الاختصاص لأن المحاكم تتضمن مسؤولين قضائيين، وعليه من النجاعة إحداث آلية للتنسيق كما نصت عليها المادة 51 من المشروع ثم بلورة المادة 52 على الشكل التالي « تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل الإشراف الإداري والمالي على المحاكم بما لا يتنافى ومبدأ استقلالية السلطة القضائية كما تعين مسيرا إداريا يتولى مهام التدبير والتسيير الإداري بالمحكمة، ويحدث على صعيد كل محكمة مجلس إدارة للمحكمة لتدبير سيرها الإداري يتكون من المسؤول القضائي والمسير الإداري، ترفع الآلية الخلافية إلى ألية للتنسيق المنصوص عليها في المادة السابقة «. 
-  إحداث مخاطب وحيد لكتابة الضبط ( الإدارة القضائية)، في شخص المسير الإداري تجنبا لازدواجية المخاطب الذي عليه الحال الآن في جميع المحاكم، حيث ينقسم فيها عمل الإدارة القضائية إلى كتابة الضبط وكتابة النيابة العامة.
- إحداث مجلس إدارة يتكون من المسؤول القضائي والمسير الإداري. 
- على مستوى الضمانات التأديبية الإدارية للقاضي نقترح: 
 -تحديد المخالفات التأديبية القضائية بشكل حصري طبقا لمبدأ شرعية المخالفة. 
 -تحديد المخالفات التأديبية بشكل حصري المستوجبة للإيقاف المؤقت عن العمل. 
 -عدم إيقاف الأجر خلال مدة التوقيف المؤقت عن العمل. 
 -عدم شمول التأديب لمجال الأخطاء القانونية والقضائية لأن مجال إصلاحها طرق الطعن لا التأديب.
 1 الضمانات التأديبية السابقة على الإحالة على المجلس التأديبي
- وجوب تقديم شكاية مكتوبة أو تقرير مكتوب لتحريك أي مسطرة للتأديب، باستثناء حالات التلبس. 
- أحقية القاضي في الرجوع على المشتكي السيئ النية. 
- إشعار القاضي المتابع في الاستدعاء الموجه له بموضوع الشكاية. 
 -منح القاضي الوقت الكافي للاطلاع والجواب، لا يقل عن أسبوع. 
- حق القاضي المتابع تأديبيا في مؤازرة القضاة والمحامين في مرحلة البحث التمهيدي. 
- حق القاضي في الصمت إلى حين الاطلاع على الملف موضوع الشكاية ووسائل الإثبات. 
- تمكين القاضي من الإجابة كتابة على جميع الأسئلة المطروحة. 
- عدم فتح تحقيق أو بحث بشأن ملف قضائي لا زال جاريا أمام المحكمة ولم يصدر فيه حكم في الموضوع. 
- عدم متابعة القاضي تأديبيا في حال وجود متابعة زجرية في انتظار صدور حكم نهائي لا تعقيب فيه بشأنها.
2  الضمانات التأديبية أمام المجلس التأديبي
- حق القاضي المتابع في المؤازرة بواسطة محامين وقضاة. 
- تمكين القاضي المتابع تأديبيا، أو نوابه من حق الاطلاع على جميع الوثائق المتعلقة بالمتابعة التأديبية وأخذ نسخ منها قبل انعقاد الجلسة التأديبية بعشرة أيام. 
- حق القاضي في طلب الاستماع للشهود واتخاذ غيره من إجراءات التحقيق. 
-  حضور المقرر إلى جانب القاضي في المحاكمة التأديبية تفعيلا لمبدأ الوجاهية.
• حق المشتكي في الحضور أمام المجلس، مع ضرورة حضوره في حالة مطالبة القاضي بمواجهته. 
-  تمكين القاضي من حق الحضور لسماع المقرر التأديبي بشكل اختياري . 
-  اتخاذ القرارات التأديبية بأغلبية الأصوات ،على أن تتخذ قرارات العزل بإجماع الأعضاء الحاضرين.
- إلزامية تعليل المقررات التأديبية ووجوب مراعاتها للتناسب بين المخالفة والعقوبة. 
- تخويل إدارة التفتيش القضائي إجراء البحث في الوقائع والقيام بالتحريات اللازمة بشأن الشكايات المقدمة. 
-  تعيين هيأة تفتيش جماعية لإنجاز التقرير من بين القضاة المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، لكل ملف تأديبي لتقديم تقرير أو القيام بتحقيق عند الاقتضاء. 
• تمكين هيأة التفتيش قبل استدعاء القاضي باتخاذ قرار بالإحالة على هيأة التأديب أو بالحفظ. 
 - علنية جلسات المجلس كأصل عام 
- حصر مسألة توقيف القاضي عن العمل بشرط خطورة الأفعال المنسوبة إليه والمستوجبة للعزل. 
- حظر تعدد العقوبات التأديبية بإلغاء النقل التلقائي المصحوب بعقوبة تأديبية. 
- عدم جواز اتخاذ مقرر بنقل القاضي من مقر عمله بعد إعلان براءته إلا بناء على طلبه.
- تحديد أجل محدد لتبليغ قرار المجلس للقاضي. 
 -تنظيم تقادم المخالفات وجعلها لمدة ثلاث سنوات. 
-  سحب جميع الوثائق والبيانات المتعلقة بتحريك مسطرة التفتيش أو المتابعة التأديبية حالة صدور مقرر بالحفظ أو بعدم المؤاخذة.
- نشر جميع القرارات المتعلقة بالمجلس بالموقع الإلكتروني وبنشرة خاصة للمجلس لدى الجريدة الرسمية، مع عدم نشر القرارات التأديبية إلا بعد صيرورتها نهائية.
- عدالة منظومة التأديب رهينة بتكريس عمل أعلى هيأة قضائية إدارية بشكل يضمن لها الحياد.
- تحقيق استقلالية كاملة لمحكمة النقض عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إذ لا يعقل أن تراقب محكمة النقض نفسها في قرارات رئيسها المعتبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة، تحقيقا لضمانة مراقبة مشروعية وملائمة القرارات التأديبية بصفة جدية وناجعة. 
- لا معني لأي استقلالية للقاضي إذا ظل سيف المتابعة التأديبية مسلطا عليه في أي وقت وحين بدون ضمانات قانونية وقضائية لرد التعسف والظلم والجور . 
- يمكن تقبل بعض النصوص المتحفظ عليها لأن القاضي الإداري يملك أن ينفخ فيها روح العدل بإبداعه واجتهاده ،لكن لا يمكن القبول برقابة قضائية شكلية. 
- توحيد مساطر التدريب بين القضاة المتدربين والقضاة. 
-  المسودتين في جميع صيغها لا تحقق أي فعالية لحماية القضاة من الشطط في استعمال السلطة في نظام التأديب، إذ أن الضمانات العادية للموظفين أفضل وأنجع على مستوى النصوص القانونية والتنظيمية ولما كرسه العمل القضائي الإداري.

بقلم: محمد الهيني  * 
* عضو المكتب التنفيدي لجمعية عدالة

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

النسيج المدني والدفاع عن استقلال السلطة القضائية (1/3)

تعزيز دور المجلس الأعلى للسلطة القضائية هيأة دستورية ناظمة لها ولاية كاملة على تسيير الشأن القضائي(1/3)

جاء النسيج المدني للدفاع عن استقلال السلطة القضائية في سياق المبادرة التي أطلقتها «جمعية عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة» والتي استدعت لها عددا من المكونات المهنية المشتغلة بالحقل القضائي،  وهيآت مدنية مواكبة لورش الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة، الهادف إلى النهوض بأوضاع قطاع العدالة بضمير ومسؤولية وطنية من أجل تحصين وحماية العدالة  وتطوير أدائها الحقوقي ، لتلعب الأدوار والوظائف المنوطة بها في حماية الحقوق والحريات وصون الأمن القانوني والقضائي.

إن النسيج المدني للدفاع عن استقلال السلطة القضائية مقتنع بأن إصلاح السلطة القضائية بالمغرب امتحان كبير لكل الفاعلين، ومقتنع كذلك أنه ليس المطلوب فقط إعداد ميثاق وطني لإصلاح منظومة العدالة،بل يجب الإجابة على الإشكالات الكبرى التأصيلية للقضاء كسلطة مستقلة بشكل تام عن جميع السلط، أسئلة تهم وضعه القانوني، كما تهم مقوماته، تعقيداته ومتطلباته من اجل أداء مهامه كجهاز يحقق الحماية لحقوق المواطنين والمواطنات، ولذلك انصب تفكير النسيج في إعداد مذكرته على جوانب مختلفة كما سبق التفصيل ،سنعرض لها من خلال بيان مختلف محاور مذكرة الترافع وتوصيات المناظرة الدولية .
أولا:محاور مذكرة الترافع للنسيج المدني للدفاع عن استقلال السلطة القضائية
• المــــــــداخل الكبرى :
تقوية استقلالية القضاء وتعزيز دور المجلس الأعلى للسلطة القضائية كهيأة دستورية ناظمة لها ولاية كاملة على تسيير الشأن القضائي والإشراف على الإدارة القضائية للمحاكم.
• إحداث و تكريس مجلس الدولة باعتباره أعلى هيأة قضائية إدارية بالمملكة. 
• دعم مبادئ الشفافية والمساواة والإنصاف والعدالة في تدبير الوضعية الفردية للقضاة. 
• تكريس حق القضاة في التعبير الفردي والجماعي والانتماء للجمعيات. 
• عدم تكريس التمييز بين قضاة الأحكام و قضاة النيابة العامة. 
• المــــــــداخل المفصلية:
1 بخصوص المجلس الأعلى للسلطة القضائية:
2 بخصوص النظام الأساسي للقضاة:
1 بخصوص المجلس الأعلى للسلطة القضائية:
• مراعاة مقاربة النوع الاجتماعي بضمان تمثيلية منصفة للنساء القاضيات عند تنظيم كيفية انتخاب ممثلي القضاة بما يستجيب مع مقتضيات الفصل 115 من الدستور، وخاصة ما يتعلق بضرورة تمثيلهن، بحسب حجم وجودهن بالجسم القضائي.
• إقرار مسؤولية المجلس الأعلى للسلطة القضائية تحت إشراف رئيسه المنتدب على عملية انتخابات المجلس الأعلى للقضاء منذ بدايتها إلى نهايتها.
• إقرار مبدأ التفرغ لأعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية ضمانا لحسن سير الأشغال بالمجلس وتسهيلا للتواصل المفترض قيامه بين أعضاء المجلس وباقي القضاة.
• التنصيص على واجبات أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية بصفتهم هاته.
• ضمان انفتاح المجلس و أعضائه على الجمعيات المهنية القضائية من خلال السماح لممثلي هذه الجمعيات بحضور اجتماعاته ملاحظين، وتنظيم الآثار القانونية لصفة الجمعية مخاطبا، مع ضمان صفتهم الاستشارية.
• تمتع المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وإلغاء الإشراف الإداري للوزارة على المحاكم والمسؤولين القضائيين
• يتعين أن يكون الأمين العام قاضيا لأنه سيبت في القضايا التي تهم الوضعية الفردية للقضاة كالطعن في لائحة الأهلية للترقي، كما يتعين أن يكون من ذوي الخبرة والتجربة في السلك القضائي و لهذا يقترح أن يكون من الدرجة الإستثنائية، ويتعين أيضا أن تكون ولايته غير قابلة للتجديد شانه شان الأعضاء المنتخبين، و تكون مهمة الأمانة العامة القيام بجميع الأعمال الإدارية التي تساعد المجلس في تدبير أشغاله .
• ضمان شفافية الاشتغال والحق في المعلومة ، وذلك من خلال الإعلان عن جدول أعمال دورات المجلس العادية والاستثنائية، وكذا نتائج اجتماعاته بغرض إطلاع القضاة والرأي العام على ذلك ، وذلك باستعمال كل الوسائل الممكنة، مع ضرورة احترام نشر الجدول المذكور وجميع نتائج المجلس بالجريدة الرسمية. 
• عدم نشر العقوبات التأديبية إلا بعد صيرورتها نهائية بانتهاء مسطرة الطعن القضائي.
• يتعين حذف أي مقتضى لتمديد سن التقاعد، وإلغاء إمكانية التكليف، لضمان حكامة المرفق القضائي. 
• تكريس مبدأ المسؤولية المدنية عن التشكي غير المشروع بإقرار حق القاضي في الرجوع على المشتكي الذي يقدم شكاية كيدية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. 
• التنصيص على ضمان سهر المجلس الأعلى للسلطة القضائية فعليا على استقلال القضاة في مختلف أطوار مشوارهم المهني سيما من حيث تنصيبهم ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم وتقاعدهم ، مع مراعاة الضمانات الدستورية التي يمنحها دستور فاتح يوليوز 2011 للقضاة. 
• توسيع حصانة النقل من خلال النص على مبدأ تخصص القضاة بالمحاكم المتخصصة وعدم جواز نقلهم لمحاكم عادية إلا بطلب منهم
• إجبارية إحالة الملف على النيابة العامة المختصة لمباشرة التحريات بشأن المس باستقلالية القضاء. 
• ينبغي صيانة مبدأ استقلال السلطة القضائية في علاقتها مع السلطة الحكومية المكلفة بالعدل وذلك بجعل آلية التنسيق بين المجلس والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل يقتصر على المسائل الإدارية فقط تماشيا وانسجاما مع التوصية رقم 31 من ميثاق إصلاح منظومة العدالة. 
• التأكيد على ضرورة البت في المساطر التأديبية للقضاة داخل آجال معقولة. 
• إقرار مبدأ عدم المس بالوضعية المهنية للقاضي أو للقاضي المتدرب إلا بعد استنفاد مسطرة تأديبية شفافة تضمن فيها مبادئ المحاكمة العادلة . 
• ينبغي ضمان المساواة في المعايير بين قضاة النيابة العامة وقضاة الحكم عند البت في طلبات الانتقال مع مراعاة رغبات القضاة المتعلقة بالانتقالات و وضعيتهم الاجتماعية، وحاجيات المحاكم مع ضرورة تعليل جميع مقررات المجلس في هذا الشأن. 
• يتعين على المجلس أن يبت في كل طلب استقالة يعرض عليه بالقبول أو الرفض مع التعليل، و لا يمكن اعتبار عدم بته في الطلب بمثابة رفض له لان ذلك يعني تحميل القاضي نتائج أخطاء المجلس.
• ضرورة تمكين القاضي من الحق في الطعن في كل قرار صادر عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية وماس بالوضعية الفردية للقاضي، وذلك أمام أعلى هيأة قضائية إدارية، مع النص على مسطرة إيقاف تنفيذ القرارات بمناسبة تقديم الطعن. 
• اقتراح تكريس أعلى هيأة إدارية بالمملكة للفصل في الطعون المتعلقة بالوضعيات الفردية للقضاة وفقا للمستجدات الدستورية؛ وفق مقاربة رفع استشعار الحرج عند أداء الهيأة المذكورة لمهامها، وبشكل يضمن الحياد وفقا للمواثيق الدولية. 
 • كمرحلة انتقالية يمكن التنصيص مرحليا على إحداث مسطرة للطعن في قرارات الغرفة الإدارية بمحكمة النقض أمام جميع غرف محكمة النقض، على أن تتولى الجمعية العمومية لهذه المحكمة تحديد تشكيلتها. 
 •  تحدث هيأة للتفتيش تتكون من قضاة منتخبين تتوفر فيهم شروط التجرد و المهنية و الكفاءة و التجربة و التخصص، على رأسها مفتش عام يعينه المجلس، ويقوم بمهامه لمدة محددة غير قابلة للتجديد إسوة بالأعضاء المنتخبين والأمين العام للمجلس لما في ذلك ضمان ودعم لإستقلالية القضاء. 
• استشارة السلطة الحكومية المكلفة بالميزانية للمجلس عند إعداد الميزانية الخاصة بالسلطة القضائية، على اعتبار أن مشروع ميزانية قطاع العدالة والسلطة القضائية هو بمثابة برنامج سنوي يتعلق بهذا القطاع، لذلك يتعين أن يبدي المجلس رأيه فيه، إلى جانب استشارته إجباريا حول مشاريع ومقترحات القوانين والنصوص التنظيمية المتعلقة بوضعية القضاء ومنظومة العدالة، وإستراتيجيات وبرامج الإصلاح في مجال العدالة والتي تحيلها الحكومة إليه، والتدابير الكفيلة بالإسهام في تحسين جودة ومردودية منظومة العدالة . 
• يعد المجلس تقارير دورية ويبدي آراء مفصلة حول سير العدالة بالمملكة ويقترح التوصيات التي يراها مناسبة، و على جميع الإدارات والهيآت المختصة تمكينه من المعلومات التي تساعده في إنجاز التقارير المذكورة، مع تفعيل مبدأ التشاركية مع المجتمع المدني. 
• إشراف المجلس الأعلى للسلطة القضائية على المعهد العالي للقضاء والإدارة القضائية للمحاكم . 
• يقترح أن يتولى المجلس الأعلى للسلطة القضائية وظيفة وضع مدونة أخلاقيات تعتبر الاطار المرجعي والسلوكي لتدعيم الأخلاقيات بالنسبة إلى أعضاء السلطة القضائية، ووضع قواعد معيارية مؤطرة للشأن المهني تكفل ضبط القيم القضائية. 
• تدقيق مسطرة تأديب القضاة، مع جعل مجال التأديب من الاختصاصات الحصرية للمجلس الأعلى للقضاة. 
• تعيين المسؤولين القضائيين وفق برنامج تعاقدي يتبارى بشأنه لمدة محددة. 
• تدقيق مسطرة وضع حد للتعيين في المسؤولية قبل نهاية الولاية المنصوص عليها قانونا. 
يتعين إضافة مادة فريدة في آخر هذا القانون، تنص على أن «جميع الصلاحيات التي كانت لوزير العدل تنقل بموجب قوانين خاصة إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذا الوكيل العام للملك كل في ما يخصه.

بقلم: محمد الهيني  *
* عضو المكتب التنفيدي لجمعية عدالة

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

الديمقراطية التشاركية آلية لتوسيع المشاركة السياسية

تعني الديمقراطية التشاركية مجموعة من الآليات والإجراءات التي تسمح بإشراك المجتمع المدني وعموم المواطنين في صنع السياسات العمومية وتقوية دورهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير الشأن العام. إنها إذن، حسب تعريفwikipedia ،‹‹شكل جديد لتقاسم وممارسة السلطة المرتكز على تقوية مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار السياسي›› (wikipedia.org/democratie_participative) . وترتكز الديمقراطية التشاركية من جهة، كما عبر عن ذلك الفيلسوف البراكماتي "جون ديوي" John Dewy، على ‹‹مواطنة نشطة ومطلعة وعارفة›› وعلى ‹‹ تكوين مواطنين (public) نشطين قادرين على تصريف قدراتهم في التنقيب والبحث بأنفسهم عن حلول ملائمة لقضاياهم››. وترتكز، من جهة أخرى، على إرادة لدى السلطات والمؤسسات السياسية التمثيلية في تقاسم هذه السلطة، من أجل جعل الوظيفة الديمقراطية تتمحور أكثر حول تحسين أوضاع الناس.

لقد برزت الديمقراطية التشاركية، ليس لإلغاء الديمقراطية التمثيلية كليا، ولكن لتتجاوز قصورها وعجزها على التفاعل والتجاوب مع معطيات اجتماعية جديدة، التي تتمثل في ظهور حركات وتعبيرات اجتماعية تعرف اتساعا متزايدا (حركات نسائية وبيئية وحقوقية واجتماعية وتنموية...). كل هذه التكتلات لا تجد في الديمقراطية التمثيلية قنوات للتعبير عن حاجاتها ومطالبها وإيجاد حلول لها، ولا منفذا لموقع القرار السياسي لتداولها. في حين تعتبر ‹‹الديمقراطية التشاركية ديمقراطية فاعلة، لحل المشاكل عن قرب، وضمان انخراط الجميع، وتطوير التدبير المحلي والوطني عن طريق التكامل بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية. وتنمية الإرادة السياسية لدى المنتخبين، وتوفير الأمن الاجتماعي، والتربية على ثقافة التوافق. والأخذ بعين الاعتبار حاجيات الجميع، وتتجدد الديمقراطية، بناء على المواطنة والمدنية والمنفعة العامة. وتوفير المعلومة والتدبير الشفاف والمساهمة في اتخاذ القرار، والانتقال من المحلي إلى الوطني››. (نورالدين قربال ،الديمقراطية المواطنة والتشاركية، الاثنين 13 يناير 2014، هسبريس)

إن محاولة خلق هذه الحيوية في الحياة السياسية يندرج في إطار الطابع التطوري للديمقراطية، كما تحدث عن ذلك "ديوي"، حين رأى أن الديمقراطية ليست عدالة مطلقة. بل اعتبر أن الكمال الديمقراطي هو ذلك المثل الأعلى والمنهج أو الأداة التي ستمكن العدالة من الانبعاث دون انقطاع، عبر سيرورة تصويب الاختلالات والقصور الذي قد يترتب عن العملية الديمقراطية. ولا يمكن أن يحدث هذا الانبعاث دون مشاركة واسعة ومتزايدة لعموم المواطنين والمجتمع المدني، باعتبارهم الأكثر ارتباطا بقضاياهم، والأكثر معرفة بها، والأجدر بوجود حلول ملائمة لها.

تتمثل هذه الأعطاب وهذا القصور في تجربتنا المغربية في كون أن الشعب غالبا ما يفوض سلطاته إلى الهيئة المنتخبة بناء على اعتبارات قبلية أو دينية أو إتاوات إغرائية مصلحية ضيقة، وليس بناء على تعاقد سياسي. وبذلك تفقد هذه التمثيلية والتفويض كل جدوى ومعنى سياسي، حيث يكون النائب المنتخب غير مقيد وغير مبالي بقضايا من انتخبوه إلا من بعض المصالح الشخصية. وعليه فإن هذه العلاقة تفرغ الديمقراطية من وظيفتها وفعاليتها ومعناها. غير أنه، حتى ولو كانت هذه التمثيلية مبنية على تعاقد سياسي واضح، فإن القرارات السياسية تظل فوقية، ولا تنبني على معرفة حقيقية بالحياة المعيشة للناس، ولا تسمح بالمحاسبة والتقييم إلا بعد 5 سنوات. مما ينتج عن ذلك خمول وجمود سياسي ينبثق عنه عزوف سياسي.

يبدو أن الديمقراطية التشاركية قد تشكل أمالا في إيجاد علاج ملائم لهذه الأعطاب، وتشكل أداة لزرع الحيوية في ديمقراطيتنا، عبر توسيع المشاركة السياسية، وتقوية السلطة المضادة المتمثلة في المجتمع المدني وعموم المواطنين، من أجل قيام عدالة اجتماعية متنامية. وقد تجاوب الدستور المغربي الحالي مع هذا التوجه حيث نص على الديمقراطية التشاركية التي سوف تسمح للمواطنين والمجتمع المدني بالمشاركة في تدبير ومراقبة وتقويم السياسات العمومية، من خلال تقديم الملتمسات في مجال التشريع (الفصل 14 )، أو تقديم العرائض إلى السلطات العمومية ( الفصل 15). وتمكين المواطنين والمجتمع المدني من تقديم العرائض لمطالبة مجالس الجهات والجماعات الترابية بإشراكهم في بلورة السياسات العمومية المحلية (الفصل 139).

هكذا سمحت الديمقراطية التشاركية بشكل آخر من أشكال المشاركة السياسية منفصل عن المسار الانتخابي. وينبغي التذكير أن تفعيل هذه الإرادة الدستورية وتنزيلها على الأرض سوف لا يقدم إلى المواطنين على طبق من ذهب. بل ينبغي النضال من أجل ذلك، والبدء حاليا بالمطالبة بالمشاركة بالاقتراح والتشاور في تنزيل هذا التوجه الدستوري إلى قوانين تنظيمية تحدد كيفية القيام بذلك، والآليات والإجراءات التي ستمكن الناس من التأثير على القرارات السياسية وتصويبها ومراقبتها.

إن إنجاح هذا الشكل المتقدم من الديمقراطية التشاركية يتوقف على مدى وجود مجتمع مدني قوي وفاعل ومطلع ومتحمس، ووجود مواطنين مدركين لمعنى الديمقراطية، وفي طليعتهم الطبقة الوسطى والطبقة المثقفة والمتعلمة عموما، المنسحبة حاليا من العمل السياسي لأسباب لم تعد مفهومة. ألا يخجل الإنسان من نفسه عندما يرى تدبير شؤون مدينته وتنميتها مفوض لمجموعة من المتربصين لا كفاءات لأغلبهم، وعندما يرى المال العمومي المخصص لتحسين أوضاع مدينته عرضة للنهب والضياع؟ ألم يشعر الإنسان بالمسؤولية اتجاه ما يرى في الاستحقاقات الانتخابية، حينما يرى "تجار الانتخابات" يتنافسون على استغلال نساء وفقراء مدينته ويتاجرون بذممهم من أجل السطو على القرار السياسي؟ ألم يشعر الإنسان بالمسؤولية اتجاه الإهمال الذي يطال كل شيء في محيطه؟ من سيغير ذلك؟ هل ستتغير الأشياء بالبكاء والشتم المستمر للفاعلين السياسيين ورمي كل المسؤولية على الآخر؟

من المؤكد أن الإنسان الذي يركن إلى موقع المتفرج الساخر، المتعالي، الذي يجد لذلك مبررات واهية ومضللة ومسكنة، أو الذي يختبئ وراء مطالب سياسية نصية أو واهية وغير مفهومة، من قبيل الإتيان له بديمقراطية جاهزة الآن وهنا...كل هذه المواقف – مع احترامنا لها - نعتقد أنها لن تغير أي شيء على الأرض، كونها مواقع من عاج، مريحة، لا تقتضي أي جهد معرفي وعملي يفيد في التغيير...فدون مساهمة واقية وفعلية على الأرض سواء عبر قنوات العمل السياسي الحزبي الفعال أو قنوات المجتمع المدني الحي، ودون خوض معركة ضارية على الأرض ضد بؤر الفساد، معركة تقودها الطبقة الواعية، تعيد للديمقراطية معناها الحقيقي، الذي يتمثل في فرز النخب والكفاءات القادرة على تدبير شؤوننا سواء على المستوى المحلي أو المستوى الوطني...فدون ذلك ستظل مصالح الفئة الواسعة من الشعب عرضة للضياع، وستظل الثروة تتراكم في يد الأقلية التي تتحرك، بالفعل وليس بالخطاب، على الأرض بكل قواها للاستحواذ على القرار السياسي، مسخرة لصالحها كل فضائل الديمقراطية وكل وسائل الدولة.
المختار شعالي

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

الجهوية الموسعة، وأسئلتها الملحة

الجهوية الموسعة، وأسئلتها الملحة
الجهة في اللغة السياسية، هي مجموعة ترابية منسجمة مجاليا، تهدف إلى خلق نوع من التكامل التنموي وإلى تحقيق قدر من التوازن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الأقاليم في إطار التنمية الجهوية التي تلائم تدخل الدولة لإنجاز عمليات التخطيط والتنمية المحلية.
في مفاهيم القوانين الدستورية الحديثة، تعتمد الجهة على مجال معين لتحقيق الانسجام بين عدة وحدات ترابية وإدارية لأجل النهوض بمؤهلاتها وتسخير إمكانياتها البشرية والطبيعية والمادية في إطار متكامل ومتوازن، فهي مجموعة من الأقاليم التي ترتبط أو القادرة على ربط علاقات فيما بينها على المستوى الجغرافي أو الاجتماعي، أو تحقيق برنامج من أجل تنمية منسجمة ومتوازنة لمختلف أجزاء البلاد، وهي منظومة جغرافية مؤلفة من مجموعة من الوحدات الترابية، تجمع فيما بينها صفات مشتركة، قد تكون مناخية، اقتصادية بشرية أو تاريخية، أي أنها تتصف بتجانس مكوناتها. التجانس الطبيعي/ الجغرافي/البشري. وتعتبر الجهة في عالم اليوم، العنصر الحاسم في تعميق الديمقراطية، كسلوك داخل المجتمع، وكمحاولة لاشتراك المواطنين وإعطائهم الفرصة للمساهمة في اتخاذ القرارات المتعلقة بمصيرهم، والعمل على تنفيذها وتتبع سير عملها.
يختلف مفهوم الجهوية ذو المدلول الإداري عن مفهوم الجهوية ذي المدلول السياسي، فهذا الأخير، حسب بعض الخبراء يحيلنا على مشاركة المواطنين في تدبير شؤونهم المحلية، وعلى الاستقلالية في تسيير مصالحهم. من هذا المنطلق تبدوا فكرة الجهوية قريبة من فكرة الشؤون المحلية، إذ هناك تداخلا بين المفهومين. فكلاهما ينبع من داخل الجهة ذاتها.
يعني ذلك بوضوح أن مدلول الجهوية في الدول المتقدمة المصنعة، يختلف عن مدلولها في الدول المتخلفة. في الدول المصنعة، لن تكون هناك تنمية دون وجود تنمية اقتصادية جهوية، لذلك تكون التجربة في هذه الدول مزدوجة، إذ عليها أن ترتكز في تخطيطها على خلق مسلسل الإقلاع الاقتصادي العام، زيادة على محاربة الفوارق بين الجهات وإحداث تنمية متوازنة فيما بينها، والقضاء على الأثر التفقيري الذي يحدثه نمو جهة على حساب أخرى، وخاصة التي تظل منطوية ومنغلقة على نفسها. وهو ما يعني، أن تحقيق تنمية متكاملة ومتكافئة من منظور جهوي، لن يتم إلا بتحديث الرؤى والمطامح وتوظيف الوسائل والإمكانات ضمن دراسات معمقة تعتمد على تقديرات موضوعية لما ينبغي نهجه من أجل تنمية عملية شاملة ومتطورة، تهم كل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
وإذا كان المواطن في المنظور السياسي/ الديمقراطي، هو المحور الأساسي في عملية التنمية الجهوية من أجل تحقيق العيش اللائق له، فإن ذلك يستدعي بالأساس تعبئة واستخدام كل الموارد والإمكانات المادية والبشرية والطبيعية، على الصعيد المحلي والإقليمي والجهوي، من أجل تنمية مادية وبشرية وسياسة تعتمد بالأساس على استراتيجية ملازمة لروح المسؤولية، التي تستهدف تغيير العقليات على المستويين المركزي والجهوي، كما تعتمد التخطيط والتشاور والمساهمة الفعالة لكل الفعاليات في تنشيط الجهة بتعاونها ومساندتها لمضمون التنمية في المجال الجهوي.
في زمن العولمة/ زمن القرية الكونية، حيث كسرت الثورة التحديثية الإعلامية الحدود، أصبح على الجهوية مسايرة التطورات التي تعرفها الساحة العالمية، وهي تطورات إعلامية، تكنولوجية، ثقافية، سياسية، وعملية. تشكل عالما بلا حدود، لم تعد فيه السيادة تشكل مظلة واقية للدول، بما فيها تلك التي اعتبرت دائما متقدمة، ومن ثم أصبح من الضروري توسيع مفاهيم الجهوية، على المستوى الوطني، من أجل خلق انفتاح وتواصل، حقيقيين بين كل الجهات المكونة للدولة.
- 2 -
مغربيا عرف مفهوم الجهة تطورا تدريجيا منذ ستينات القرن الماضي، حيث أصبحت الجهة مصطلحا مألوفا في الأدبيات السياسية المغربية، ظهرت في الخطاب السياسي، والخطاب الإعلامي، وفي التقارير الحكومية وفي القوانين الانتخابية وغيرها، لتصبح الجهة من صميم الاهتمامات العامة للدولة وللمجتمع المدني، وبجميع فرقاء الشأن العام بالبلاد.
فالجهة والجهوية بالمغرب، كتقطيع ترابي وكتدبير للمجال، ونهج للامركزية، كانت وما تزال محط قراءات ودراسات معمقة، من زوايا سياسية وقانونية وجغرافية متعددة، كان أبرزها التصميم الوطني لإعداد التراب (سنة 2003) وتقرير الخمسينية (سنة 2005) وكتاب مغرب الجهات، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط (سنة 2008)، إضافة إلى العديد من الدراسات الأكاديمية، وهو ما يؤكد على أهمية موقع الجهة في المغرب الحديث.
وبالرجوع إلى كرونولوجيا مصطلح الجهة على أرض الواقع بالمغرب، سنجده تدرج خلال الخمسين سنة الماضية بهدوء وإصرار، ليقطع مراحل عديدة في مساره السياسي والقانوني، ويتحول في نهاية المطاف إلى مصطلح مصيري على مستوى كبير من الأهمية، بعد أن ارتقى من مجرد مؤسسة متواضعة سنة 1959، إلى مؤسسة دستورية سنة 1996.
في بداية الأمر جاء ذكر الجهة، عند رسم الحدود الترابية للجماعات المحلية، (ظهير 2 دجنبر 1959) وتركز من الوجهة القانونية في ظهير 23 يونيو 1960 عندما تم إصدار الميثاق الجماعي، الذي مهد للقانون المنظم للجهات الاقتصادية (ظهير 16 يونيه 1971).
وفي سنة 1984 عرفت الجهة، نقلة نوعية بسبب الإطار القانوني الذي أحدث لدعم الهياكل التشريعية والمالية والإدارية للجهات المغربية، التي عرفت سنة 1992 دفعة جديدة، جعل منها فضاء واسعا للتحاور وتنسيق الجهود ورفعها إلى مستوى الجماعات المحلية، بفضل التعديل الدستوري الذي عرفه المغرب خلال هذه السنة.
وفي سنة 1996، أصبحت الجهة في المفهوم الدستوري، كيانا يتمتع بتمثيلية قانونية على المستوى التشريعي حيث أسست المراجعة الدستورية الجهة إلى جانب العمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية، وتبنى الملك الراحل الحسن الثاني الجهة كخيار استراتيجي لمغرب القرن الواحد والعشرون.
يعني ذلك، ارتقاء الجهة من مجرد جماعة محلية ذات اختصاصات استشارية محدودة، (سنة 1959) إلى هيئة دستورية ذات طبيعة تقريرية، (سنة 1996) ترتبط بقنوات تمثيلية من داخل الغرفة الاستشارية بالبرلمان، وهو ما شكل قفزة نوعية للممارسة الجهوية، التي أخد المغرب بها منذ صدور قانون 4 أبريل 1974 الذي وضع الإطار القانوني لتدبير الشؤون الجهوية من طرف مجلس جهوي منتخب، وجعل الجهة فضاء للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قبل أن تصبح دستورية قادرة على الفعل والتفاعل داخل الفضائين المحلي والوطني.
- 3 -
خارج التطور القانوني الذي عرفته الجهة مغربيا خلال العقود الخمسة الماضية، أصبحت الجهة في الخطاب السياسي/ الاجتماعي/ الثقافي خيارا مستقبليا لتجسيد الإرادة الوطنية في التطور الديمقراطي والبناء المؤسساتي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، اعتبرها الخطاب السياسي الرسمي والحزبي، مدخل حقيقي وضروري وتوجه أساسي وحاسم في إستراتيجية التنمية الشاملة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما كانت الحل الأمثل لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية، ولخوض معارك الرهانات الصعبة التي تتطلب توجيه القوى الحية والفاعلة لمكونات المجتمع المغربي وتشكيلاته وتعبئتها الكاملة للإنخراط الجماعي في مسلسل الإصلاحات الدستورية والسياسية، لبناء الأسس الصلبة والأرضية الصالحة لديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية سليمة وهادفة، ولتقوية الكيان المغربي ومناعته الذاتية.
في الخطاب السياسي للملك الراحل الحسن الثاني، كما في برامج الأحزاب السياسية على مختلف توجهاتها، جاءت الجهوية، الصيغة المتميزة والإطار الملائم لرصد واستعاب وتوظيف الموارد البشرية والمالية المتوفرة والمتاحة بكل روافدها ومكوناتها في تجاه تنمية جهوية متكاملة ومندمجة، تحقيقا لأسباب وظروف التنمية الوطنية بما يكفل التوازن والتناسق والإنسجام بين كل الجهات، فالجهة في هذا الخطاب تشكل الإطار المؤسساتي والكيان الترابي المفعم بالحيوية والدينامية والمجسد لأوجه التكامل بين مكوناته والكفيل بتعبئة وتسخير الإمكانيات والقدرات الذاتية لأغراض التنمية المنسجمة والمتناسقة، وفي نظر هذا الخطاب، الجهوية من شأنها أن تبلور مضامين وآليات وأدوات العمل المشترك والشراكة والتعاون والإندماج لكل العناصر الاقتصادية وتعبئة الفوائض المالية والاقتصادية ورصيد التراكم الرأسمالي المتوفر والمتاح في تعدده وتنويعه طبيعيا وبشريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
والجهة باعتبارها فضاء اقتصاديا واجتماعيا قائما بذاته ومجدا لمقوماته ولمضامينه الملموسة في التراكم المالي والاستشاري وفي تصور البرنامج والمشاريع التنموية المندمجة والمتكاملة والتخطيط للتنمية الجهوية، برزت في الخطاب السياسي المغربي كمؤسسة لها مكانتها المتميزة في تفعيل الممارسة الديمقراطية وتعزيزها جهويا، فعلى هذا المستوى من البناء الديمقراطي واللامركزي، تفرز مؤسسة الجهة في نظر العديد من أحزابنا السياسية، مهاما جديدة، تتمثل في التشاور والتفاعل والحوار الديمقراطي الهادف والبناء بين أعضاء مجلس الجهة الممثلين للجماعات المحلية ومجالس العمالات والأقاليم وللهيئات المنتخبة المهنية من غرف فلاحية وغرف الصناعة والتجارة والخدمات، وغرف الصناعة التقليدية وممثلي المنظمات النقابية للمأجورين، والتنظيمات المهنية لأرباب العمل والمقاولات.
وفي نظر المجتمع المدني عموما، الكيان الجهوي في شأنه أن يعزز اللامركزية، ويتمم بكيفية متكاملة ومتوازنة البناء المؤسساتي، ويعمل على بلورة صلاحيات وأدوار متميزة، فهي في هذا التصور، « كيان سياسي » يتواجد بها منتخبو الجماعات المحلية من مجالس جماعية ومجالس العمالات والأقاليم وممثلوا التنظيمات والهيئات المهنية والاجتماعية وأرباب العمل والشغالين، هي كيان من شأنه التداول في تطلعات نخبة الجهة وفي تصورها للمشاريع التنموية، فمن شأن المكون الجهوي كاختيار استراتيجي وكبعد ملموس من أبعاد التنمية المخططة المتوازنة والمتضامنة، أن يحقق شروط دينامية أكبر في التشاور والتفعيل تنعكس إيجابيا على إستراتيجية التنمية الوطنية الاقتصادية والاجتماعية.
في هذا المضمار، تبرز الجهة في الثقافة السياسية المغربية، كمجموعة مندمجة وحية، كفضاء للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من شانه تحقيق التوازن إذا ما تم توزيع متكافئ ومتوازن للاستثمارات وللمشاريع والأعمال، عن طريق رصد للموارد البشرية والمادية والمالية، ومن شانه أيضا الإسهام في الحد على المدى المنظور والبعيد من الاختلالات والفوارق والتفاوتات الجهوية القائمة بين المغرب النافع، والمغرب غير النافع، وفي إضفاء نفس جديد قوامه الاستخدام المشترك للمؤهلات والقدرات الذاتية والموضوعية، وبالتالي في انجاز تنمية مندمجة متواصلة ومستديمة بتسخير الوسائل والإمكانات المتوفرة والمتاحة.
على هذا الأساس طالبت برامج وأدبيات بعض الأحزاب السياسة المغربية، وخاصة منها « اليسارية والتقدمية » بتوسيع فضاءات التنمية المتوازنة والمتضامنة التي تتيح تعبئة القدرات الكامنة في الجهة وفي قدراتها على استيعاب رؤوس الأموال والاستثمارات المنتجة والهادفة والفاعلة لانطلاق الأوراش الكبرى ذات الصيغة الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والثقافية والبيئية، التي من شأنها إعطاء للتوازن مفهومه على أرض الواقع.
وبتلخيص شديد، يمكن حصر الدوافع الأساسية للجهوية في الخطاب السياسي المغربي، الرسمي والحزبي والإعلامي، في محاور ثلاثة:
- دوافع سياسية تهدف إلى دمقرطة المؤسسات الجهوية وتدعيم اللامركزية.
- دوافع اقتصادية أملتها متطلبات التنمية وعوامل خارجية ناتجة عن التطور العالمي.
- دوافع اجتماعية لها علاقة بالوضع الاجتماعي الذي يعاني من رواسب التخلف.
هذه الدوافع وغيرها، دفعت بالخطاب السياسي المغربي إلى المطالبة الملحة ببلورة تصور عملي لجهوية حقيقية، تمنح الجهات في المملكة صلاحيات أوسع في تدبير القضايا المحلية، وعدم رهن الشأن المحلي بالسلطات المركزية، إذا استقطب هذا النقاش عدة أطراف سياسية ومدنية، خصوصا بعدما أكد النظام الجهوي الذي تم العمل به بعد تعديل دستور 1996على محدوديته في التعاطي مع قضايا المواطنين في مختلف المجالات التي تهم حياتهم اليومية، وكان في صلب هذا النقاش، نقاش يهم الخصوصيات اللغوية والخصوصيات القبلية، وهو ما يجعل التوجه نحو الجهوية الموسعة، توجها في محله وموعده، يصب في صميم مفاهيم الدولة الحديثة، إذ لم يعد مقبولا في مغرب الألفية الثالثة، جهوية شكلية، قائمة على أساس الهواجس الأمنية، لا تسند على أفق سياسي وعلى توسيع دائرة المشاركة، وهو ما يعني في لغة السياسة الخروج من مرحلة الجهوية المغلقة التي عرفها المغرب خلال هذه الفترة من التاريخ، والتوجه صوب مرحلة سياسية جديدة، ذات مواصفات أخرى تستجيب للحداثة والمعاصرة بقدر ما تستجيب للفكر الديمقراطي وشروطه الموضوعية، وهي الاستقلال النوعي/النسبي عن الدولة المركزية، والأخذ بمبدأ حقوق وواجبات الجماعات التي تشكل الجهات، وهو ما يفرض على الدولة القيام بأدوار جديدة مختلفة عن تلك التي كانت تقوم بها في السابق، والانخراط في عملية إصلاحية عميقة تبلور مؤسسات ديمقراطية قائمة على التدبير العقلاني وعلى التنمية المستدامة كما على الشراكة مع المركز الأساسي للدولة الأم.
- 4 -
السؤال الذي تطرحه الجهة اليوم على الباحث السياسي، لماذا جاء اختيارها مبكرا، كخريطة طريق/ إستراتيجية نحو القرن الواحد والعشرين…؟
في نظر العديد من الباحثين في الشأن السياسي المغربي، أن أهم دافع للتوجه إلى تبني الجهوية كاختيار سياسي إداري واقتصادي، يكمن في محاربة الاختلالات التي ورثها المغرب المستقبل عن عهد الحماية (1912-1955) فهو قبل كل شيء، نزوع نحو إعادة تهيئة مجالية جديدة في إطار السعي نحو محاربة ثنائية المغرب النافع والمغرب غير النافع، وأيضا في إطار فك العزلة عن المناطق الجبلية والنائية وإعادة دمجها في مسلسل التنمية في مغرب أصبح محكوما عليه برفع شعار التنمية بكل مقوماتها.
لقد أصبح مفهوم الجهة من المفاهيم الحديثة في الفكر السياسي والاقتصادي للمغرب المعاصر ولعل هذه الجدة، هي التي دفعت بالعديد من الباحثين إلى وضع الجهة في قلب انشغالاتهم، انطلاقا من أول دستور عرفته البلاد، في ستينات القرن الماضي، وهو ما جعل الجهة في مغرب اليوم، تكتسي أهمية قصوى بالنظر إلى التحولات العميقة التي بدأت تخترق البنيات الإقتصادية والإجتماعية والمجالية وأيضا لمتطلبات البناء الديمقراطي السياسي، لمغرب يطمح في الانخراط الإيجابي في فاعلية الحداثة والعولمة.
ويمكن إجمالا اختزال الاعتبارات التي قادت المغرب إلى الجهة، في عنصرين أساسيين:
أ- عمق الاختلالات والفوارق الجهوية التي طبعت تنظيم البلاد لفترة طويلة من التاريخ، والتي تظهر على مستوى توزيع السكان وتوزيع الأنشطة الإقتصادية والاستثمارات العمومية والخاصة. وأيضا على مستوى توزيع التجهيزات الأساسية.
ب- عجز الدولة المركزية على مواجهة هذه الإختلالات بالرغم من مختلف المحاولات الهادفة إلى تقليص الفوارق، وكان هذا العجز يعزى في السابق إلى غياب تصميم وطني لإعداد التراب كمرجعية أساسية لتوزيع التجهيزات والاستثمارات، ويضمن التنسيق الناجع بين مختلف المتدخلين، ويحدد دور وظيفة عمل الجهة في إطار من التكامل والتضامن وفق منظور شمولي يرسم الاختيارات الكبرى لتنظيم المجال المغربي.
إن عجز الدولة المركزية بعد حصول المغرب على الاستقلال، على مواجهة هذه الاختلالات بالرغم من مختلف المحاولات الهادفة إلى تقليص الفوارق، وغياب تصميم وطني لإعداد التراب كمرجعية أساسية لتوزيع التجهيزات والإستثمارات، ليضمن التنسيق الناجع بين مختلف المتدخلين، ويحدد دور وظيفة عمل كل إقليم في إطار من التكامل والتضامن وفق منظور شمولي يرسم الاختيارات الكبرى لتنظيم المجال المغربي، فرض على المغرب مبكرا اختيار « الجهة » كعلاج للعديد من المخلفات التي ورثها عن العهد الاستعماري.
من هنا جاءت الجهة في تصورات السياسات المغربية على عهد الاستقلال كإطار ملائم لمعالجة الفوارق، ولبلورة مخطط جهوي لإعداد التراب على المستوى الجهوي في إطار التوجهات الوطنية، التي تسمح بإدراك الحاجيات الملموسة وإقامة تنمية مندمجة فعليا، ومرتكزة على أسس من التآزر والتضامن فيما بين الجهات.
إن للجهة قدرة على توفير إطار أمثل لتوزيع السلطة، بواسطة وضع مستويات معبرة لممارستها، تضمن ليونة المساطر والقرب من السكان من حيث التمثيلية والتدبير، وتشكل آداة للمعرفة وإطار الجمع المعلومات الضرورية للمقاولات.
وللجهة أيضا، قابلية لإبراز الطاقات الكامنة وإمكانيات التوظيف الملائم للموارد الطبيعية والبشرية، تتوخى تحقيق التطابق بين التقييم الإداري والخصائص الجغرافية والبشرية والاقتصادية للتراب الوطني، لكي يصبح هذا العامل الأخير أقل إعاقة لعمل الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين والاجتماعيين.
- 5 -
سؤال آخر يطرح نفسه اليوم بحدة… وبموضوعية، على المجتمع المدني المغربي:
ما هي علاقة هذا النقاش بتوجهات الملك محمد السادس، حول الجهوية الموسعة في مغرب الألفية الثالثة؟ وإلى أي حد استطاعات مرتكزات هذا النقاش، التفاعل مع المنظور الملكي حول الجهوية الموسعة؟
يلاحظ المهتمون والمتتبعون، أن الجهة حظيت في عهد الملك الشاب الملك محمد السادس، بإطلاق ورش تفعيلها على أسس أكثر تجدرا في الديمقراطية والتنمية والعولمة، وذلك من خلال إصلاح نظامها إصلاحا يعتمد على تقسيم يتوخى قيام مناطق متكاملة اقتصاديا وجغرافيا، مناطق منسجمة اجتماعيا وثقافيا، وهو ما يعني في هذا فتح صفحة جديدة في نهج الإصلاحات الديمقراطية التي يسعى الملك الشاب إقرارها بالعديد من المجالات الأساسية للدولة المغربية.
الهدف بلاشك، هو إيجاد جهات قائمة الذات، قابلة للاستمرار من خلال بلورة معايير عقلانية وواقعية لمنظومة جهوية جديدة ومتطورة، وانبثاق مجالس ديمقراطية تتوفر على صلاحيات وموارد تمكنها من النهوض بالتنمية الجهوية المندمجة حتى لا تكون جهازا صوريا أو بيروقراطيا، وإنما مجالس تمثيلية للنخب المؤهلة لحسن تدبير شؤون مناطقها، وجعل الأقاليم الجنوبية المسترجعة في صدارة الجهوية المتقدمة.
في خطابه ليوم ثالث يناير 2003 وعند تنصيبه للجنة الاستشارية لإعداد مشروع جديد للجهوية الموسعة.أعلن الملك الشاب عن رؤيته الواضحة للمسألة الجهوية، فهي في تصوره يجب أن تستوفي أربعة شروط:
1-أن تكون مغربية صرفة نابعة من خصوصيات المغرب، غير مقلدة أو مستنسخة، متشبثة بمقدسات الأمة وتوابثها في وحدة الدولة والوطن والتراث.
2-أن يتمثل فيها الالتزام بالتضامن، إذ لا ينبغي اختزالها في مجرد توزيع جديد للسلطات بين المركز والجهات.
3-أن تعتمد التناسق والتوزيع في الصلاحيات والإمكانات وتفادي تداخل الاختصاصات أو تضاربها بين مختلف الجماعات المحلية والسلطات والمؤسسات.
4-أن تعتمد على انتهاج اللاتمركز الواسع الذي لن تستقيم « الجهوية » بدون تفعيله في نطاق حكامة ترابية ناجحة قائمة على التناسق والتفاعل.
يعني ذلك في الخطاب الملكي إن الجهوية الموسعة فضلا عن كونها مطلب مغربي داخلي، يرتبط بالبناء الديمقراطي وتوسيع دائرة الديمقراطية، تشكل حلقة وسطى ومرحلة انتقالية، لتنفيذ مبادرة الحكم الذاتي بالمناطق الصحراوية المسترجعة على أرض الواقع، وذلك لتلافي كل الإشكاليات التي من شأنها أن تحول هذه المبادرة إلى أهداف بعيدة عن أهدافها.
والجهوية الموسعة هي قبل كل شيء شكل من أشكال المصالحة مع المجال، وإقامة نوع من التوازن بين المغرب النافع والمغرب غير النافع، على اعتبار أن هذه الجهوية تشكل إمكانات كبرى لتعميم التنمية والتوزيع العادل للثروة، تستوعب الخصوصيات المتنوعة في إطار التضامن بين الجهات، ومن ثمة يصبح الانتقال إليها انتقالا إلى مرحلة ديمقراطية حاسمة، لإعادة الفرز الداخلي على قواعد الارتباط بالوحدة وهو ما يمكن المغرب من التفكير في الإشكالات التي يمكن أن يطرحها الحكم الذاتي للصحراء بهدوء وامتلاك رؤية حقيقية تسمح للمغرب بحماية مسار وحدته الترابية في المستقبل، في حال توفر شروط تمتيع الأقاليم الجنوبية بحكم ذاتي.
لذلك لا نتصور أن تكون الجهوية الموسعة/المقترحة، ورشا واسعا للتنمية أو للديمقراطية فحسب، ولكن أيضا لإعادة التوازن إلى مختلف الجهات، وبالأساس لتلبية حاجيات الاقتصاد الوطني الممركز على قواعد غير متوازنة.
لأجل ذلك، فإن مبادرة الملك الشاب، تشكيل لجنة استشارية للجهة، انطلاقا من تصوره للجهة الموسعة، يطرح على الباحثين والخبراء العديد من الأسئلة: ماهو الفضاء الملائم لقيام هذه الجهة، الفضاء الألماني؟ الفضاء الإسباني؟ الفضاء الفرنسي؟ وماهي العوامل الحاسمة في تحديد هذه الجهة…؟
في نظر العديد من الباحثين والسياسيين أن بمغرب اليوم جهات واضحة المعالم، ذات شخصية ثقافية/ جغرافية/ اقتصادية، تمكنها من الاستقلالية والاستمرار…وجهات أخرى يصعب تصنيفها حتى وإن كانت تتمتع بشخصية خاصة بها، جهات لا تتوفر على الحد الأدنى من شروط الاستقلالية، تعاني من آثار بليغة من الفقر والتخلف والأمية وانعدام التجهيز، وهو ما يطرح إشكالية كبرى على الجهة كاختيار وكقضية. كيف يمكن تجاوز هذه الحالة/ الإشكالية وبأية إمكانيات..؟
من هنا يقول باحث مغربي مختص، « تنبع ضرورة إعادة تحديد الجهوية التي يدعونا إليها التصور الملكي المقترح، وهذا يقوم أساسا على تحقيق الفعالية قبل الحديث عن توزيع السلطات وحتى لا يصبح هذا الأخير غير عملي غدا، يتعين الانكباب على مناقشة تلك الفعالية ».
إن موضوع الجهة، باعتباره على ارتباط وثيق بمفاهيم الحداثة والعولمة وحقوق المواطنة، أصبح يستقطب اهتماما متزايدا، ليس فقط في المغرب، بل في مختلف أنحاء العالم، على اعتبار أنها الإطار الملائم لبلورة الاستراتيجيات البديلة للتنمية، التي تقوم على تعبئة الطاقات المحلية ومساهمة السكان في توطيد دولة القانون.
لذلك ما يجب انتظاره بعد المبادرة الملكية في هذا الشأن، هو إسراع اللجنة الاستشارية بصياغة مشروعها، وفق منظور فكري/ ثقافي/ سياسي يراعي مختلف الحساسيات السياسية بالبلاد، وهو ما يعني في نظر العديد من المهتمين والمختصين إحداث إصلاحات جذرية وعميقة، ذات طابع دستوري، لإعادة صياغة تشكيل صورة الدولة المغربية انطلاقا من صورة ونظام جيهاتها. ذلك ما يتوقعه فقهاء القانون الدستوري وفقهاء السياسة وعلم الاجتماع في بلادنا، من هذه اللجنة.

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

الحكامة المحلية الجيدة في أفق الجهوية الموسعة

تحتل الجهوية مكانة مهمة في الترسانة القانونية للحكامة المحلية الجيدة، ووسيلة أساسية لدمقرطة تدبير الشؤون العامة عن طريق مشاركة المحيط في اتخاذ القرار الجهوي والوطني، تخفيفا للثقل السلطوي للسلطة المركزية الذي أصبح يشكل أحد الأسباب الرئيسية لتعذر التنمية الجهوية.
إن ارتقاء الجهة إلى جماعة محلية مع دستور 1996 اختيار وطني وإرادة سياسية، فالجهة إذن تعد مكسبا دستوريا وأداة أساسية لتدعيم اللامركزية والديمقراطية المحلية في المغرب وتقليص الفوارق والاختلافات بين المدن والقرى وبين مناطق المملكة. كما تشكل مجموعة مندمجة وفضاء للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإعداد التراب الوطني والتخطيط[1].
إن اقتناع المغرب يجب  أن تكون الجهة جماعة محلية منسجمة مجاليا وتهدف إلى خلق تكامل اقتصادي وإداري تنموي من أجل النهوض بالإمكانيات البشرية والطبيعية والمالية وتسخيرها في إطار منسجم ومتوازن دفعه إلى إعادة النظر في الإطار القانوني للجهة بما يدعم من استقلالها ويوفر لها المجال الأنسب للقيام بدورها سواء من ناحية الإمكانيات البشرية أو المالية أو المجالية[2]، قصد تنمية جهوية مندمجة، هو نفس الاقتناع الذي يتوجه نحو خلق إطار جهوي موسع، كمطلب وطني يكرس الحكامة المحلية الجيدة ويسمو بالديمقراطية المحلية ويساعد على الوحدة الوطنية.
لكن كيف يمكن للنموذج المغربي أن يوفق بين الخصوصية والمقاربات الموجودة؟ هل ستتمكن الجهوية الموسعة المرتقبة من ترسيخ  حكامة محلية جيدة وتحقيق التنمية الشمولية؟ وإلى أي مدى ستتمكن الجهوية الموسعة المرتقبة من تجاوز الإكراهات المجالية والتنموية والسياسية المعاشة حاليا؟
 إن الحديث عن نوع مغاير من الجهوية ببلادنا ليس وليد اليوم[3]، كما أن العديد من الدول لم تعد فيها الجهوية ضرورة اقتصادية وإدارية فقط إذ أمام تراكم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي وصلت إلى الحد الذي أصبحت فيه الدولة المركزية عاجزة وحدها على إيجاد الحلول اللازمة لحلها، فقد تبنت نوعا جديدا من الجهوية تمنح بفضلها الوحدات الترابية التحتية هامشا أوسع في التسيير الذاتي والتخلص من المركزية الضيقة، كما أنه بفضلها ستمكن العديد من الدول – بينها المغرب- من إيجاد حل لمشاكلها الترابية وتكريس جهودها من أجل تدعيم التنمية المحلية في إطار اللحمة والوحدة الوطنية، وبلادنا بهذه الخطوة تقتفي أثر بلدان مجاورة وتسير على هدي تجاربها المتطورة في هذا الشأن لاسيما إسبانيا وإيطاليا اللتين استطاعتا بفضل الجهوية السياسية تصحيح الكثير من الاختلالات بين شمالها وجنوبها وتنويم العديد من النزاعات الانفصالية المحتملة داخل ترابها[4]. والتي هددت كيانها ومسيرة تقدمها.
فالمغرب ونظرا للتنوع الإثني والإرث التاريخي  والثقافي المميز لبنيته الاجتماعية يستلزم البحث عن وسيلة لتوحيد وتقوية روابط هذا الخليط والفسيفساء تفاديا للانقسامات والنزاعات وتدعيما للوحدة، ولعل السبيل لذلك هو الاعتراف بالحقوق والحريات لمختلف المكونات المحلية عن طريق نظام لا مركزي سياسي متجاوزا بذلك نظام اللامركزية الإدارية.  
ومن المؤكد أن الجهوية المعمول بها حاليا وهي جهوية إدارية لا يمكن أن تشكل حلا لقضية الصحراء بل لابد من تطوير الجهوية الإدارية إلى جهوية سياسية قادرة على الحفاظ على الوحدة الترابية للدولة[5]، وإطارا ملائما لحل مشكل الصحراء وإعادة بناء مسلسل المغرب العربي[6]، حيث أكد الملك على "فتح صفحة جديدة في نهج الإصلاحات المتواصلة الشاملة التي نقودها بإطلاق مسار جهوية متقدمة ومتدرجة تشمل كل مناطق المملكة، وفي مقدمتها جهة الصحراء المغربية، مؤكدين عزمنا الراسخ على تمكين كافة ساكنتها وأبنائها من التدبير الديمقراطي لشؤونهم المحلية، ضمن مغرب موحد، سواء بإقامة جهوية واسعة وملائمة، وذلك طبقا لإرادتنا الوطنية، أو من خلال الحكم الذاتي المقترح، من تم التوافق السياسي بشأنه واعتماده كحل نهائي من طرف المنتظم الأممي[7]".
فالجهوية إذن مطالبة بالإجابة عن هذه التساؤلات وحل الإشكاليات في إطار حكامة محلية جيدة، ومن خلال تبني وإيجاد تصور شامل للجهوية الموسعة، التي ليست مجرد إجراء تقني وإداري بل توجها حاسما لتطوير وتحديث هيكل الدولة، والنهوض بالتنمية المندمجة وذلك من خلال إشراك كل القوى الحية للأمة في بلورته"[8]. من هنا يأتي تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية قصد إعداد تصور عام لنموذج وطني للجهوية تشمل كل جهات المملكة، ونابع من خصوصيات المغرب، وبعيدا عن اللجوء للتقليد الحرفي أو الاستنساخ الشكلي للتجارب الأجنبية، والغاية من كل هذا تأسيس نموذج مغربي للجهوية.
وبالعودة إلى خطاب 6 نونبر 2008 نجده من بين ما تضمنه خارطة طريق للمشروع الجهوي الموسع أهدافا ومرتكزات ومقاربات، كما أنها تبين أهدافه والمتمثلة في ترسيخ الحكامة المحلية الجيدة، وتعزيز القرب من المواطن وتفعيل التنمية الجهوية المنسجمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
أما المرتكزات التي يتعين أن تقوم عليها الجهوية الموسعة المنشودة فهي:
-                 التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها في وحدة الدولة والوطن والتراب وأن تكون الجهوية تأكيدا ديمقراطيا لتميز المغرب الغني بتنوع روافده الثقافية والمجالية المنصهرة في هوية وطنية موحدة.
-                 الالتزام بالتضامن، وأن لا يتم اختزال الجهوية في مجرد توزيع الاختصاصات بين الدولة والجهات، بل عبر توفير موارد مالية عامة وذاتية.
-                 اعتماد التوازن في تحديد الاختصاصات الحصرية للدولة مع تمكين المؤسسات الجهوية من الصلاحيات الضرورية للنهوض بمهامها التنموية في مراعاة لمستلزمات العقلنة والانسجام والتكامل.
-                 انتهاج اللاتمركز الواسع الذي لن تستقيم الجهوية دون تفعيله في إطار حكامة ترابية ناجعة.
أما المقاربة المعتمدة في هذا الإصلاح فهي الديمقراطية والتشاركية، الأمر الذي يجعلها تؤسس لحكامة محلية جيدة.
وهكذا فالمغرب قد راكم تجارب جهوية مليئة بالعبر والدراسات والأرقام والسلبيات، مما يجعل أمر وضع تصور لنظام جهوي جديد ليس بالعمل العسير[9].ويدفع بالتجربة الديمقراطية التنموية إلى الأمام. إذا ما تم استثمار التجارب السابقة والمقارنة بما يخدم الخصوصيات الوطنية والهوية المغربية، كما ينهل من اختلالات واكراهات التجربة التاريخية والتطور التاريخي لبناء الجهوية ببلادنا. إلا أن تمديد وإعطاء فرصة أخرى للجنة الاستشارية لإعداد التصور يظهر أن العمل عسير في خضم التجارب العديدة المقارنة.
وهكذا ومن أجل حكامة محلية جيدة في أفق جهوية موسعة التي تعد المدخل الحقيقي والتوجه الحاسم في التنمية الشمولية في كل أبعادها، لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية، يجب إرساء قواعد جهوية ناجعة وفعالة ومبينة عل مرتكزات وأسس متينة، وبهذا يتطلب الأمر تفصيل صلاحيات الهيئة التداولية للجهة والهيئة التنفيذية المنبثقة عنه؛ ومن هنا لابد من :
-   إيجاد صيغ قانونية لتفعيل نقل الاختصاص من الدولة إلى الجهات بوضع إطار قانوني ينظم هذا الانتقال[10].
-   إعطاء الجهوية مستوى ترابي أسمى من الجماعات المحلية الأخرى تدعيما للديمقراطية في بعدها الجهوي لتحقيق التنمية المستدامة. وتقوية المؤسسة الجهوية المنتخبة ديمقراطيا بالاقتراع المباشر.
-   وضع إطار جهوي تنفيذي وتمكينه من الوسائل البشرية واللوجستيكية المساعدة لتنفيذ البرامج الجهوية.
-   إحداث إطار جهوي يستوعب الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية والمدنية كقوة اقتراحية واستشارية. في نسق شمولي لبلورة ونجاعة القرار الجهوي التنموي. على غرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
-   ضرورة نهج سياسة محكمة في عدم التركيز.
-   تحديد الجهة على أساس تكوين مجموعة متجانسة ومندمجة، وتغليب نوعية المجال الجهوي على المعيار الكمي، وعدم الاعتماد على الإقليم كقاعدة للتقسيم مع إعطاء الاهتمام للطاقات والخصائص الاقتصادية والاجتماعية والبشرية للمكونات الترابية مما يجعل البعد التنموي الغالب[11].
-   توفير الموارد المالية للجهة.
-   ضمان التمثيلية النسائية في المجالس الجهوية وإدماج مقاربة النوع في البرامج والسياسات الجهوية.
-   إعطاء صلاحيات للجهات بإبرام لاتفاقيات دولية ذات طابع اقتصادي واجتماعي والتي لا تكلف عبئا ماليا على الدولة.
-   إعادة تنظيم الوصاية من خلال إعطائها صبغة قضائية سواء على مستوى المحاكم الإدارية أو المجالس الجهوية للحسابات.
-   العمل في إطار الشفافية لتدبير الشؤون الجهوية سواء أثناء التخطيط والبرمجة أو اتخاذ القرار.
ولعل هاته المرتكزات وغيرها لمن شأنه أن يجعل الجهوية الموسعة فضاء أمثل للديمقراطية المحلية واللامركزية والاستيعاب جميع المكونات المجتمعية وفضاء لتكريس أسس الحكامة المحلية الجيدة، وكسب رهان التنمية الجهوية والوطنية.
وبصفة عامة يمكن القول على أن الجهة كجماعة محلية أو في إطار التصور الجديد للجهوية الموسعة معول عليها للنهوض بالتنمية بكل أبعادها وتمظهراتها. واستيعاب العديد من الإشكالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمجالية، مما يجعلها إطارا لإرساء حكامة محلية جيدة. بما يخدم صناعة القرار التنموي المحلي ويفعل التنمية المحلية ويراهن على التنمية الشمولية.

[1] - الحسين الوزاني الشاهدي: "الجهة أداة لتطوير ودعم اللامركزية"، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. عدد 35، 2000، ص 33.
[2] - أحمد أجعون: "علاقة الجهة بالإدارة المركزية في المملكة المغربية"، المجلة المغربية لأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص السنة الرابعة 2005، ص 24.
[3] - لقد جاء ذلك على لسان الملك الراحل في كتابه ذاكرة ملك حيث قال: "إن المغرب بمثابة فسيفساء بشرية وجغرافية، ولهذا أريد تحقيق اللامركزية، لأترك يوما الجهات تتمتع باستقلالية كبيرة على شاكلة المقاطعات الألمانية لاندر، وذلك سيكون بالتأكيد في مصلحة المغرب الحديث، بحيث يكون التنفيذ أسرع والتطور أكثر واقعية، فالمغرب حباه الله بتنوع رائع لأنه يزخر من الناحية الجغرافية بصحراء شاسعة وواحات نخيل وارفة الظلال وثلوج تكسو جباله وسهول خصبة، فضلا عن سواحل مترامية الأطراف على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. ولا ينقصه إلا صقيع القطب الجنوبي". الحسن الثاني: "ذاكرة ملك" منشورات الشركة السعودية للأبحاث والنشر. الطبعة الثانية 1993، ص 125.
[4] - عبد الكبير يحيا:" تقسيم التراب والسياسة الجهوية بالمغرب: نحو اعتماد جهوية سياسية"، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. ع 84، الطبعة الأولى 2010، ص 332.
[5] - محمد بوبوش: "الجهوية السياسية كأداة لتجاوز مشكل الصحراء"، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة عدد 52، 2006ن ص 98.
[6]- Saâdia Ben Hachem El Harrouni : « La construction régionale au Maroc : dynamique et enjeux ». Publication de REMALD, Série « Manuels et Travaux Universitaires», n° 60, 1ère édition 2008. p 484.
[7] - خطاب الملك بتاريخ 6 نونبر 2008.
[8] - خطاب الملك بتاريخ 4 يناير 2010 بمناسبة تنصيب أعضاء اللجنة الاستشارية المكلفة بوضع تصور حول الجهوية.
[9] - رشيد لبكر: "رهان التنمية في مسار الجهوية بالمغرب" مسالك الفكر والسياسة والاقتصاد، عدد مزدوج 13-14،  2010
ص 57.
[10] - المهدي بنمير: "الحكامة المحلية بالمغرب وسؤال التنمية البشرية"، مطبعة وليلي، الطبعة الأولى مراكش 2010، ص 51.

[11] - عبد الكبير يحيا:  م.س، ص 212.

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

page