مسودة مشروع قانون يقضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية

اقرأ المزيد »

ميثاق تحصيل الديون العمومية بواسطة الاشعار للغير الحائز

اقرأ المزيد »

دراسة في القانون : اختصاص غرف الاستئناف في الاستئنافات المقدمة ضد أوامر الأداء (2/2)

من المؤكد أن الطعن بالاستئناف، بعد التعديلات المدخلة على قانون المسطرة المدنية وتحديدا بالقانون رقم 35-10، لم يعد يمارس حصريا أمام محكمة الاستئناف فقط كما كان عليه الوضع في السابق، وإنما أضحى أيضا يمارس أمام مرجع استئنافي آخر هو غرفة الاستئنافات المستحدثة ضمن التنظيم الداخلي للمحاكم الابتدائية، وهذا هو أبرز تعديل رام من ورائه المشرع تخفيف الضغط عن محاكم الاستئناف والسرعة في تصريف القضايا التي تصنف ضمن خانة القضايا البسيطة.

أما الحاصل بعد التعديلات الجديدة للمادتين المذكورتين، فهو أن الاختصاص للنظر في الاستئنافات المقدمة ضد الأوامر بالأداء، أضحى منعقدا لمحاكم الاستئناف متى كانت قيمة الدين المطلوب أداؤه تزيد عن مبلغ 20.000 درهم، ومنعقدا في المقابل لغرفة الاستئنافات لدى المحاكم الابتدائية متى كانت قيمة الدين لا تتجاوز هذا المبلغ. وهذا هو الموقف الذي يبدو مؤيدا في الظاهر ومبررا. لكن مقتضيات المادة 24 (ق م م) وفق صياغتها الجديدة قد تطرح موقفا آخر مغايرا وإن كنا لا نرى له من مبرر مسبقا، كيف ذلك؟
أ: مقتضيات الفصل 24 من (ق م م) قد تؤيد الموقف القائل بعدم اختصاص غرفة الاستئنافات بالمحكمة الابتدائية للبت في استئناف أوامر الأداء.
عند مطالعة أحكام الفصل 24 من (ق م م) التي تقضي بما يلي: "... تختص محاكم الاستئناف، عدا إذا كانت هناك مقتضيات قانونية مخالفة بالنظر في استئناف أحكام المحاكم الابتدائية وكذا في استئناف الأوامر الصادرة عن رؤسائها.
استثناء من أحكام الفقرة السابقة تختص غرفة الاستئنافات بالمحكمة الابتدائية بالنظر في الاستئنافات المرفوعة ضد الأحكام الصادرة ابتدائيا عن المحاكم الابتدائية في إطار البند الأول من الفصل 19 أعلاه».
يتضح بأن التعديل الذي أتى به القانون (10-35) قد طال الفقرة الثانية التي هي استثناء للفقرة الأولى طبعا، بمعنى أن الفصل في الاستئنافات هو من حيث الأصل، من اختصاص محاكم الدرجة الثانية والاستثناء هو أن تختص غرفة الاستئنافات بالبت في الطعون المرفوعة ضد الأحكام الابتدائية، والمعيار الفاصل بين الاختصاصين هو معيار قيمة الدعوى أخذا بما هو منصوص عليه في الفصل 19.
غير أن الالتباس الذي قد يعتري قراءة هذه المقتضيات، يظهر من خلال المقارنة بين الصياغة في كلتا الفقرتين، ذلك أن الفقرة الأولى وهي تحدد مجال اختصاص محكمة الاستئناف، ميزت بين الأحكام وبين الأوامر الصادرة عن رئيس المحكمة، في حين أن الفقرة الثانية تحدثت عن الأحكام دون الأوامر، بما يؤدي إلى التساؤل عن المغزى وراء هذه الصياغة، فهل القصد من ذلك يروم استثناء الأوامر من مجال اختصاص الغرفة المذكورة؟ بحيث أن الطعن في هذه الأوامر يرفع في جميع الأحوال أمام محكمة الاستئناف قياسا على الأوامر الاستعجالية والأوامر المبنية على طلب، أم أن الأمر لا يعدو مجرد سهو سرعان ما تداركه عند تعديل الفقرة الأخيرة من المادة 162 مكرر.
ب) مقتضيات الفصل 162 مكرر تؤيد الموقف القائل باختصاص غرفة الاستئنافات بالمحكمة الابتدائية للبت في استئناف اوامر الأداء.
إن الذي يبرر القول بوجوب استئناف أوامر الأداء أمام غرفة الاستئنافات بالمحكمة الابتدائية، هو عبارة الإحالة على الفصل 19 الواردة في الفقرة الأخيرة من الفصل 162 مكرر، وهي الإحالة التي تفضي إلى اعتماد معيار القيمة المالية للطلب في إطار مسطرة الأمر بالأداء.
فمدلول الإحالة في التعديل، يسوي بين غرفة الاستئنافات ومحكمة الاستئناف في صلاحية البت في نظر طلبات وقف التنفيذ الجزئي أو الكلي للأمر بالأداء المبنى على الأوراق التجارية وكذا السندات الرسمية، وهذه الصلاحية بالتأكيد موكولة إلى الجهتين باعتبارهما المرجع الاستئنافي ولا أرى من تفسير آخر.
فمن منطلق هذه الصورة، أي صورة تمييز الفصل بين طلبات الأمر بالأداء المبنية على الأوراق التجارية والسندات الرسمية وبين الأوامر المبنية على مجرد سندات عرفية أو تعهدات مكتوبة، فالأولى تنفذ نفاذا معجلا بغض النظر عن الطعن فيها بالاستئناف، بخلاف الثانية فهي لا تنفذ إلا بعد مرور أجل الاستئناف أو انتهاء مسطرة الطعن، ولا شك في أن إمكانية إيقاف تنفيذ الأوامر الصادرة في الصورة الأولى تبقى قائمة، شريطة تقديم طلب بذلك أمام المرجع الاستئنافي وقبول هذا الطلب. والمرجع الاستئنافي المستفاد من النص يستوي أن يكون محاكم الاستئناف أو غرفة الاستئنافات لدى المحاكم الابتدائية.
وفي المحصلة، نرى ترتيبا على ما ذكر أن مساطر الأمر بالأداء، بما أنها منظمة في المسطرة المدنية بنصوص خاصة، فإن المقتضيات الأخيرة للمادة 162 مكرر، يفهم منها مباشرة على أن معيار الاختصاص القيمي للطلب حاضر في تعيين الجهة المختصة للبت في الاستئنافات المرفوعة ضد أوامر الأداء، بحيث متى كان الدين يتجاوز مبلغ عشرين ألف درهم، فإن محاكم الاستئناف هي المختصة، وفي المقابل ينعقد الاختصاص لغرفة الاستئنافات بالمحاكم الابتدائية متى كان مبلغ الدين إلى غاية عشرين ألف درهم، ولا يمكن لمقتضيات الفصل 24 أن تشوش على هذا الرأي، ما دام أن هذه المقتضيات وردت في إطار تنظيم المسطرة العادية للطعن، ونرى أن المقصود بالأوامر الصادرة عن رؤساء المحاكم الابتدائية في هذا الفصل، هي فقط الأوامر الصادرة عن رؤساء المحاكم الابتدائية في هذا الفصل، هي فقط الأوامر الاستعجالية والأوامر المبنية على طلب، ما دام أن المشرع قد بين صراحة الجهة التي ينبغي رفع الطعن إليها وهي محاكم الاستئناف بدليل الأحكام الواردة في الفصلين 153 و148 (ق م م)، ولا أعتقد أن مدلول الأوامر هنا ينسحب على الأوامر الصادرة بالأداء، تأسيسا على الإطار الخاص والاستثنائي للمسطرة. ولا نستسيغ إمكانية استثناء المعيار القيمي في إطار هذه المسطرة عند ممارسة الطعن وإلا لترك المشرع الأحكام على النحو الذي كانت عليه سابقا، أي تفادي الإحالة على الفصل 19 ما دام أن هذه الإحالة هي مستجدة في الفصل 162 مكرر، لم تكن واردة قبل التعديل على اعتبار أن الأوامر بالأداء قبل التعديل كانت تقبل الاستئناف حتى في الحالة التي يكون فيها الدين يقل عن مبلغ (3000) درهم، ما يؤكد أيضا الطابع الاستثنائي لهذه المسطرة الموكولة لرئيس المحكمة.
ثم لا نرى من حرج في استئناف أوامر رئيس المحكمة الصادرة بالأداء أمام غرفة الاستئنافات داخل المحكمة التي يديرها ويشرف على قضاتها وتتبع مسارهم المهني. فمثل هذا الاعتبار المعنوي لا أثر له على الوظيفة القضائية التي ترتفع عن مثل هذه الاعتبارات قياسا على مقتضيات الفصول 5.6.7.8 من القانون رقم: 64.99 المتعلق باستيفاء الوجيبة الكرائية هذا من جانب ومن جانب آخر لا نعتقد أن المشرع لم يستحضر هذه المسطرة ومميزاتها عند استحداثه لغرفة الاستئنافات.
فنحن نجزم أخذا دائما بالفقرة الأخيرة للمادة 162 مكرر أن المشرع عند استحداثه لغرفة الاستئنافات قد استحضر مساطر الأمر بالأداء ولم يستثنيها من مزية السرعة واختصار الوقت التي تخولها إجراءات الطعن أمام هذه الغرفة وداخل المحكمة نفسها.
بقلم: ذ. نجيب شوقي ,رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بالناظور 

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

دراسة في القانون : قانون تدابير حماية المستهلك ... الحصيلة والآفاق (1/2)

لا شك بأن المتتبع للمراحل التي مر بها قانون حماية المستهلك والمخاض العسير الذي عرفه هذا الأخير، سواء في إعداده أو مناقشته، وذلك قبل صدوره بالجريدة الرسمية بتاريخ 07 أبريل 2011، يتأكد بأننا أمام قانون من نوع خاص تتقاطع فيه عدة مصالح متضاربة منها أساسا مصلحة الطرف الضعيف في العلاقات الاستهلاكية وهو المستهلك (المادة2 ق.ح.م.م.)، ثم مصلحة الطرف القوي الذي يمثل ما اصطلح عليه من قبل المشرع المغربي بالمورد ، وأخير مصلحة حماية الاقتصاد الوطني والرفع من مردوديته.

إن تعدد هذه المصالح بالشكل السالف الذكر، ساهم في تعثر صدور هذا القانون خاصة أمام تدخل عدة مؤسسات تجارية بغية عرقلة المصادقة على مجموعة من المقتضيات التي رأت أنها تمس جوهر وأساس وجودها وهو تحقيق الربح.
  ونحن إذ نضع هذه الدراسة بين يدي القارئ في وقت مهم جدا وهو مرور ثلاث سنوات على صدور قانون تدابير حماية المستهلك رقم 08_31 بحلول السابع من أبريل الجاري، فإننا نتوخى من ورائها لفت انتباه الأطراف المتدخلة في هذا القانون من مستهلكين وجمعيات وموردين إلى قانون لم ينل حظه من الاهتمام والدراسة ولم يسلط عليه الضوء من قبل الإعلام بالشكل اللازم مما فوت على المستهلك فرصة الاستفادة من المكتسبات التي جاء بها هذا الأخير.
 إن المتتبع لقانون حماية المستهلك باهتمام منذ صدوره لحدود اللحظة وفي العديد من جوانبه، سواء منها الدراسات الأكاديمية المحتشمة والأحكام القضائية التي عالجته، وكذا المتابعة التي حظي بها من قبل هيآت المجتمع المدني والإعلام أو حتى من قبل المستهلكين في حد ذاتهم،  يمكنه الوقوف عند الواقع المتدني الذي ما زالت تعرفه الحماية المخولة للمستهلك، وذلك من عدة جوانب لعل وهو ما يتضح من عدة زوايا  :
1 - قضاء مدني وتجــــاري شبه مبادر
إن صدور قانون تدابير حماية المستهلك شكل قفزة نوعية في حجم المكتسبات التي وضعها المشرع خدمة لمصلحة الطرف الضعيف، بدءا من إسناد الاختصاص المحلي في النزاعات الاستهلاكية لمحكمة موطن أو إقامة المستهلك (المواد 111و 202 من ق.ح.م.م.) خروجا عن مقتضيات قانون المسطرة المدنية (الفصل 27) التي تسند الاختصاص لمحكمة المدعى عليه، مرورا بقلب عبء الإثبات وجعله على المورد استثناء في نزاعات الشروط التعسفية والعقود عن بعد (المواد 18 و34 ق.ح.م.م.) عكس ما ينص عليه قانون الالتزامات والعقود من جعل عبء الإثبات على المدعى وغيرها من المستجدات التي همت الجانب الإجرائي في قانون تدابير حماية المستهلك، ثم التحولات التي عرفها الجانب الموضوعي في هذه الحماية بدءا من النص صراحة على الحق في الإعلام والحق في التراجع وتأطير مجوعة من الممارسات التجارية المشروعة منها وغير المشروعة وضبط الجوانب المتعلقة بالقروض سواء الاستهلاكية منها أو العقارية .... وغيرها من المستجدات التي يصعب حصرها في هذا المقام والتي سنقف عندها من خلال دراسات لاحقة.
لكن ما يمكن تسجيله بهذا الخصوص هو التجاوب والمرونة التي تعامل به القضاء سواء منه المدني أو التجاري مع متطلبات هذه الحماية في العديد من النزاعات التي عرضت عليه، هذه المرونة برزت أساسا في التطبيق السليم لمقتضيات الاختصاص المحلي من قبل مجموعة من محاكم المملكة (على رأسها الدار البيضاء و الرباط مراكش فاس ومكناس..) من خلال الحكم صراحة وتلقائيا بعدم الاختصاص المحلي كلما كان موطن المستهلك يخرج عن دائرة نفوذ المحكمة المعروض أمامها النزاع تطبيقا لمقتضيات قانون حماية المستهلك الذي يسند الاختصاص المحلي لمحكمة موطن أو إقامة المستهلك ويجعل هذا الاختصاص من النظام العام (المواد 111 و151 و202).
أضف إلى ذلك أن القضاء المغربي (بمكناس والدار البيضاء وفاس)، لم يقف عند هذا الحد وإنما ساهم في إعمال وتطبيق نظرية الإمهال القضائي وفق منظور جديد يراعي متطلبات الحماية التي تقتضيها وضعية الطرف الضعيف- المستهلك، وهو ما يستشف من عدم تردد رئيس المحكمة في منح مهل قضائية للمستهلك خاصة في حالة الفصل عن العمل أو الحالة الاجتماعية غير المتوقعة.
   إن مرونة القضاء سواء منه المدني أو التجاري تجلت كذلك في تحكم القاضي (مراكش وأكادير والدار البيضاء وفاس..) من خلال السلطة التقديرية التي خولها له قانون حماية المستهلك في نسب الفوائد المتضمنة في العقود، بشكل يجعلها تتوافق مع مقتضيات قانون حماية المستهلك التي تتسم أغلبها بطابع النظام العام بغية تجنب المغالاة في الفوائد. التوجه نفسه سلكه القضاء مع بعض المكتسبات الأخرى من قبيل التوقف عن الدفع ومؤخرا الشروط التعسفية. 
لكن رغم ذلك، فإن القاضي المغربي مطالب باستجابة أكبر للأدوار الجديدة المنوطة به من خلال القوانين ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي، كما هو الشأن بالنسبة لـ(ق. 08-31) وذلك من خلال استحضار المصلحة المحمية في (ق. 08-)31 والتعامل بمرونة مع بعض القواعد العامة بشكل يسمح بإعادة التوازن للعلاقات التعاقدية، خاصة ما يتعلق بضرورة توسع القاضي في منح مهلة الميسرة كلما تطلب الأمر ذلك، ما دام يتمتع بسلطة تقديرية تسمح له بذلك، كما يتوجب عليه استحضار بعد النظام العام التي يميز  أغلب قواعد ق. 08-31 (حوالي 105 مادة) أي ما يناهز 50% من مواد القانون، والتفاعل بإيجابية مع بعض الممارسات التعسفية التي تشهدها أغلب العقود المبرمة بين المستهلك والمورد.
مع ضرورة التأكيد على أن القاضي مدعو إلى إعمال قاعدة التأويل الأكثر فائدة للمستهلك المنصوص عليها في المادة 9 من قانون حماية المستهلك والسلطات التقديرية المخولة له، وكذا تجسيد الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه في إعادة التوازن على العلاقات التعاقدية بما يسمح به القانون و تقتضيه النصوص التشريعية.
2_ مستهــــلك غــير واع بحقــــوقه
لا شك بأن الملاحظة الأولية التي يمكن الوقوف عندها في هذا الخصوص، تتمثل أساس في استمرار غياب ثقافة حماية المستهلك في الوسط المغربي حتى بعد صدور قانون حماية المستهلك سنة 2011، ما يطرح التساؤل حول القيمة القانونية للمقتضيات التي جاء بها هذا القانون، إذا لم يتم استثمارها عمليا على مستوى النزاعات في سبيل توفير الحماية المتطلبة للمستهلكين بشكل يضفي الإنصاف على هذه العلاقات ؟
إن غياب ثقافة حماية المستهلك يظهر جليا في غياب المبادرة من قبل هذا الأخير (المستهلك) في حالة حصول نزاع بينه وبين المورد لحماية حقوقه.
بقلم:المهدي العزوزي, محامي متمرن بهيأة فاس    
باحث في دكتوراه منازعات الأعمال

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

دراسة في القانون : اختصاص غرف الاستئناف في الاستئنافات المقدمة ضد أوامر الأداء (1/2)

من المؤكد أن الطعن بالاستئناف، بعد التعديلات المدخلة على قانون المسطرة المدنية وتحديدا بالقانون رقم 35-10، لم يعد يمارس حصريا أمام محكمة الاستئناف فقط كما كان عليه الوضع في السابق، وإنما أضحى أيضا يمارس أمام مرجع استئنافي آخر هو غرفة الاستئنافات المستحدثة ضمن التنظيم الداخلي للمحاكم الابتدائية ، وهذا هو أبرز تعديل رام من ورائه المشرع تخفيف الضغط عن محاكم الاستئناف والسرعة في تصريف القضايا التي تصنف ضمن خانة القضايا البسيطة.

المعيار الذي وضعه المشرع لتمييز الاختصاص بين محاكم الاستئناف وغرفة الاستئنافات عند استئناف الأحكام الابتدائية هو معيار قيمي أي القيمة المالية للنزاع بحسب الأحوال المنصوص عليها في الفصل 19 من قانون المسطرة المدنية وفق التعديل الأخير طبعا.
بيد أن هذا المعيار إذا كان لا يطرح أي أشكال عند اعتماده في نطاق المساطر العادية للتقاضي، فإن الأمر على خلاف ذلك في نطاق مساطر الأمر بالأداء المنصوص عليها في المواد من 155 إلى 165 من (ق م م) إذ قفز إلى الواجهة تساؤل مشروع مفاده:
هل تختص غرفة الاستئنافات بالمحكمة الابتدائية بالبت في الطعن بالاستئناف ضد الأوامر الصادرة بالأداء؟
للجواب على هذا التساؤل ارتأينا التطرق إلى بحث عنصرين:
أولا: استثناء الطعن بالاستئناف في أوامر الأداء من القواعد العادية لهذا الطعن.
ثانيا: تحديد الجهة القضائية المختصة للبت في الطعن أخذا بالمعيار القيمي للطلب.
أولا: الطعن بالاستئناف في أوامر الأداء مستثنى من القواعد العادية.
لعل ما يؤخذ على المشرع المغربي، قبل التعديل أو بعده أنه لم يأت على تنظيم إجراء الطعن بالاستئناف في الأوامر الصادرة بالأداء بشكل دقيق ومباشر، بدليل أن الأحكام التي تناولت الإجراء، وردت مبعثرة،  لترتيبها يلزم تفكيك جل الفصول المنظمة للمسطرة، بل واستنباط مفهوم المخالفة عند قراءة بعضها. والحال أن طابع الاستثناء الذي يطبع المسطرة يفرض أجرأة الطعن وفق صياغة أفضل رداء لكل قراءة خاطئة تفضي إلى إفراغ المسطرة ككل من الأهداف التي تقررت من أجلها.
قد يكون الأمر قبل صدور القانون رقم: 35/10 غير مفهوم، لكنه يبقى غير مقبول بعد صدوره خاصة عن استحضار مقتضيات الفصول 162-158-24-19 وخاصة أكثر مسألة الإحالة على الفصل 19 الواردة في الفصل 162 مكرر.
فمن خلال هذه المقتضيات نستطيع اختصار الأحكام التي تحدثت عن إجراء الطعن بالاستئناف كما يلي:
((…. لا يقبل الأمر بالرفض أي الطعن)) والفصل 158.
((… أو لم يقدم طلب الاستئناف في ظرف الثمانية أيام....) الفصل 162
((… غير أنه يمكن لغرفة الاستئنافات بالمحكمة الابتدائية أو لمحكمة الاستئناف حسب الحالات المذكورة في الفصل 19 أن توقف التنفيذ جزئيا أو كليا بقرار معلل)).
من هنا يظهر تكريس المشرع لمبدأ الاستثناء عند الطعن بالاستئناف في الأوامر بالأداء بتعطيله للقواعد العامة المنظمة للطعن في الفصول 143 إلى 147 من (ق م م) سواء ما تعلق بالأجل المحدد في ثمانية أيام بدلا من الأجل العادي المحدد في 30 يوما أو 15 يوما في بعض الأحوال – أو ما تعلق بتمييزه للأوامر الصادرة وفق الطلب عن تلك الصادرة برفض الطلب عندما جعل هذه الأخيرة غير قابلة للطعن على عكس الأوامر الصادرة وفق الطلب، وهو تمييز يدل أكثر على طابع الاستئناف المشار إليها، ولا خلاف في المسألة ما عدا القصور الذي شاب النصوص المنظمة للاستثناء، إذ تبقى الحاجة إلى استنطاقها لتحديد مجاله وتجلياته، على غير ما عودنا عليه المشرع مثلا عند تنظيمه لأحكام الطعن في الأوامر الاستعجالية أو الأوامر المبنية على طلب.
فبالرجوع إلى صياغة الفصل 158 عند العبارة ".... لا يقبل الأمر بالرفض أي طعن"، يتضح أن المشرع وبعد فراغه من تبيان موجبات البت في الطلب سلبا أو إيجابا وتركيزه على الحالة التي تفضي إلى الاستجابة للطلب والمتمثلة في ثبوت الدين وحلول أجل استحقاقه دون الحالة المعاكسة التي تقاس بمفهوم المخالفة للحالة الأولى طبعا. انتقل بعد ذلك في آخر فقرة الفصل إلى التنصيص صراحة على منع كل طعن عن الأمر الصادر بالرفض، فجاءت الصياغة مجملة دونما ذكر لنوع الطعن المقصود، ودونما إشارة إلى الأمر الصادر بخلاف ذلك.
غير أن مقتضيات المادة 162 اللاحقة تكفلت برفع هذا الإجمال وإن بشكل غير مباشر أيضا، ذلك لأن هذه المقتضيات عالجت أساسا مسألة تنفيذ المدين للأمر بالأداء، فربطت عملية الشروع في التنفيذ بعدم تقديم المدين لطلب الاستئناف داخل أجل قوامه ثمانية أيام من اليوم الموالي للتبليغ الصحيح.
ومن خلال هذا المقتضى، يكون الفصل قد أعلن عن نوع الطعن المقصود من جهة وعن أجله من جهة ثانية وأعلن من جهة ثالثة عن صورة الأمر القابل للطعن.
وبيان ذلك أن الطعن بالاستئناف هو المقصود دون التعرض بطبيعة الحالة وأن الأمر القابل للاستئناف هو الأمر الصادر بأداء الدين دون الأمر الصادر برفض الطلب، مع ملاحظة أنه لا يفترض صدور الأمر بأي صيغة أخرى بعدم الاختصاص أو بعد القبول مثلا حتى لا يفهم العكس من الصياغة الواردة في المادة 157 التي جاءت بعبارة "لا يقبل الطلب..." وأن أجل الاستئناف هو ثمانية أيام استثناء عن الأجل العادي للطعن.
إلا أن المغيب ضمن هذه الأحكام هو تعيين المحكمة المختصة بنظر الطعن أخذا بعين الاعتبار لمعيار الاختصاص القيمي الوارد في الفصل 19 من (ق م م) على النحو المعدل.
وأخذا بعين الاعتبار أيضا مدلول الإحالة على هذا الفصل في الفصل 162 مكرر على النحو المعدل كذلك.
ثانيا: اختصاص غرفة الاستئناف لدى المحاكم الابتدائية للبت في استئناف أوامر الأداء.
كان من الممكن الاستغناء عن هذا البحث، لو لم ترد عبارة الإحالة على الفصل 19 في الفصل 162 مكرر، وهي العبارة التي كانت مدعاة للتساؤل المحوري في هذا الصدد، أي التساؤل حول مدى ازدواجية انعقاد الاختصاص لنظر الطعون بالاستئناف في أوامر الأداء بين محاكم الاستئناف من جهة وغرف الاستئنافات المستحدثة بالمحاكم الابتدائية من جهة أخرى، على اعتبار أن المقتضيات السابقة للمادة 162 مكرر، لم تكن تعرف مثل هذه الإحالة، ما كان معه الطعن في هذا الإطار لا يخضع لمعيار قيمة الطلب أصلا، أي أن جميع الأوامر الصادرة بالأداء كانت قابلة للاستئناف، بغض النظر عن قيمة الدين، حتى ولو قل عن السقف المحدد للاختصاص الابتدائي للمحكمة الابتدائية وفق الوارد سابقا في الفصل 19.

بقلم:ذ. نجيب شوقي, رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بالناظور

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

ندوة وطنية تكريما للأستاذ الدكتور محمد الإدريسي العلمي المشيشي يومي الأربعاء والخميس 26 و27 فبراير بكلية الحقوق أكدال

ندوة وطنية تكريما للأستاذ الدكتور محمد الإدريسي العلمي المشيشي يومي الأربعاء والخميس 26 و27 فبراير بكلية الحقوق أكدال

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

احتجاج القضاة صراع مجاني ضد مقومات الدولة

أثارت الوقفة الاحتجاجية لقضاة النادي، وهم يرتدون البذل، حفيظة مهنيين وانتقاداتهم. وفي هذا الإطار توصلت «الصباح» بمداخلة مطولة للأستاذ نور الدين الرياحي،  المحامي العام لدى محكمة النقض، وعضو المكتب المركزي للودادية الحسنية للقضاة، نورد أهم ما تضمنته:  ينص الدستور على أنه «للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات المهنية» و»يمكن للقضاة الانخراط في جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية مع احترام واجبات التجرد  واستقلال القضاء، وطبقا للشروط المنصوص عليها في القانون»، كما يشير أيضا إلى أنه «يمنع على القضاة الانخراط في الأحزاب والمنظمات النقابية». أمام هذه المبادئ الأساسية، تطرح أسئلة حول مدى احترام واجبات التحفظ والأخلاقيات المهنية والتجرد واستقلال القضاء وغيرها، في وقفة 8 فبراير، التي أثثت بوجود زعامات سياسية راديكالية معارضة، منتمية إلى أحزاب معروفة بمواقفها؟ أين كل ذلك وقد شوهد ضمن الوقفة غير القانونية، ممثلو نقابات مهنية سياسية إلى جانب المغرر بهم من القضاة، الذين لم يتجاوز عددهم 150 قاضيا، من أصل حوالي 4000 قاض المنتمين إلى الودادية الحسنية للقضاة؟ لا تتفاجأ أيها القارئ، لأن محاضر انتخابات هياكل الودادية مازالت تحمل توقيعات الحاضرين في الانتخابات المنظمة لها، وهؤلاء الذين لم يكتب لهم النجاح في الانتخابات ورسبوا رسوبا محليا ومركزيا لم يؤمنوا بالديمقراطية نظرا لقلة عددهم من جهة، ولحداثة عهدهم بالقضاء من جهة أخرى، وهاهم اليوم يجنون تبعات ذلك، بعدما تخلى عنهم المتعاطفون معهم يوم 8 فبراير، فكانت نكستهم ظاهرة للعيان. فهل يمكن تصور الإيمان ببعض الدستور، والكفر ببعض مقتضياته؟  فإذا كانت هناك ديمقراطية حقيقية، ومادامت جمعيتهم غير المعترف بها لحد الآن إلا من قبلهم، تشكل قوة عددية، فلماذا لم يكن في استطاعتهم إثارة جمع عام قانوني للودادية التي ينتمون إليها، ويطالبون بانتخابات مبكرة، ويحصدون مقاعد التمثيلية المحلية والمركزية؟  إن عجزهم عن ذلك هو الذي دفعهم إلى تأسيس جمعية أرادت لنفسها أن تلبس جبة أكبر منها، وأن تدخل في صراع مجاني ضد مقومات الدولة، وكأن القضاة ليسوا جزءا منها، وكأن السلطة القضائية ملائكية والسلط الأخرى بشرية، وكأن كلامها قرآن منزل وكلام غيرها نثر مبتذل، ما هكذا يدافع عن القضاة؟  أين هي الأعراف؟ أين هي التقاليد القضائية؟ أين هي حرمة البذلة؟ أين هي حرمة الجلسات؟ أين هي هيبة القضاء؟  كيف تريدون من مواطن مغربي أن يثق في قضاة يتجاهلون عن وعي أو غيره، بصفة مقصودة أو جهل متجذر، يتعنتون في الدفاع عن ماذا؟ عن الوضعية المادية، التي تمت تلبيتها في ظروف اقتصادية لا يعلم إلا الله واقعها في ظل أزمة عالمية وإقليمية جعلت رئيسة مثل ميركل في أكبر دولة صناعية أوربية تقول لقضاتها في ألمانيا عندما أرادوا الزيادة في هذه الظرفية إسوة بأساتذة الجامعة والبحث العلمي، « ألا تستحيون من المطالبة مع من علموكم؟». ألا تستحيي هذه الجمعية من الوقفة بعدما كادت أن تحرم بتعنتها مجموعة من القضاة، الذين لا تمثل منهم أكثر من 5 في المائة على أكبر تقدير عندما اعتبرت أن 5000 درهم شهريا مجرد فتات؟ ألم يقل المثل المغربي «عاش من عرف قدره وجالس مثله»؟ ألم يطلع قياديوها على منظومة الأجور بالمغرب؟ ألم يطلعوا على حملة الشهادات مثلهم، وعلى أجورهم؟ ألم يستفزوا معلقي»فيسبوك» الذين يكتبون في صفحاته، فليقرؤوا ماذا قيل في حقهم؟ ألم يستبلدوا ذكاء دافعي الضرائب؟ ألم يعلموا أن وزيرهم ربط منصبه بالزيادة في أجورهم؟ ألم يعلموا أن من لا يشكر البشر لا يشكر الله؟  أليس القضاة جزءا من الشعب المغربي الذي يؤمن بتضحيات الأجيال في سبيل عزة الوطن، وخدمة المواطن، واستتباب الأمن القضائي؟ ألم يعلموا أن الاستقواء بالأجانب، ضد الوطن، وبالقنوات الإعلامية المضللة، هو نوع من الدعاية السلبية ضد ما وصلت إليه بلادنا من استقرار ديمقراطي، لم تنعم به لحد الآن أي دولة من دول ما سمي الربيع العربي؟ أليست هذه الوقفة أو غيرها، دعاية باطلة وسلبية ضد المركز المتقدم الذي منحنا إياه الاتحاد الأوربي والمنظمات الإقليمية، دون غيرنا؟ ومن قبل من هذه الدعاية، من قبل الذين استأمنتهم الدولة عن حقوقها، وحقوق مواطنيها، واستثماراتهم؟ هذه الوقفة، تحدت قرارات السلطة التنفيذية، وقرارات وزير العدل ونائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء، الذي يمارس سلطاته القانونية بمقتضى دستور 2011 الذي ينص الفصل 178 منه على: «يستمر المجلس الأعلى للقضاء في ممارسة صلاحياته إلى أن يتم تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المنصوص عليه في هذا الدستور» ؟ أليس هذا التحدي في حد ذاته إيمانا ببعض الدستور، وكفرا ببعضه؟ ألم تكن الندوة الصحافية لزملائهم القضاة لثنيهم عن تمريغ قداسة بذلتهم، كافية لإقناعهم بأن ما يمكن أن يترتب عن تصرفاتهم اللامسؤولة، سيعرضهم للعقوبات المنصوص عليها قانونا في ظل الدستور الذي يحتمون به؟ أليس من بين هؤلاء القياديين الجدد، من حكماء، يلقنونهم أبجديات العمل الجمعوي القضائي، الذي ليس هو العمل النقابي الممنوع عليهم دستورا؟ أليس من بينهم من يذكرهم بالمذابح القضائية التي شهدتها دول في فترات معينة كرد فعل ذهب ضحيته قضاة أبرياء بسبب مواقف قياديوهم الخارقة للقانون، ومع ذلك، استمرت السلطة القضائية؟ أليس من بينهم حكماء يذكرونهم بما تعرض له قضاة أكبر منهم تجربة وتاريخا في النضال، من عقوبات نتيجة خرقهم للقانون، بعدما تطاولوا على المؤسسات، وعندما تعرضوا للعقوبات التأديبية انفض من حولهم الذين غرروا بهم من سياسيين، وصحافيين، وحتى القضاة أنفسهم؟ أليس من بينهم حكماء يذكرونهم بأنه رغم مقتضيات الفصل 111 من الدستور التي تقول: «يمكن للقضاة الانخراط في جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية مع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء، وطبقا للشروط المنصوص عليها في القانون»؟ ونسطر على الشروط المنصوص عليها في القانون، أين هي شرعية وقانونية وجود جمعية بعد دستور 2011، ألا يذكرونهم أنه لا يمكن تصور وجود أي جمعية في غياب النصوص التنظيمية للفصل 111، وحتى مشاركتهم في الحراك القانوني، إما يجب أن يكون عن طريق الجمعية الوحيدة التي هي الودادية الحسنية للقضاة التي يزيد عمرها عن نصف قرن ومؤسسة طبقا للخطابات الملكية السامية، خاصة الخطاب الملكي السامي والتاريخي لفاتح مارس 2002، والظهير الشريف المؤرخ في 3 جمادى الأول 1378 ( 15 نونبر 1958) كما وقع تغييره وتتميمه، والتي تزاول حقها في التمثيلية طبقا للقانون بعدما، انتخبت هياكلها طبقا للقانون، وبمشاركة جميع قضاة المملكة بمن فيهم قضاة النادي الذي يدعون؟ وإلا اعتبرت مشاركتهم شخصية كقضاة ما كانوا ينعمون بحرية التعبير لولا نضال قضاة الودادية.. أليس من بينهم حكماء يذكرونهم أن إنشاء الجمعيات عن طريق «فايسبوك» هو إنشاء افتراضي، وشتان ما بين الواقع والخيال؟ أليس من بينهم من يذكرهم بأن التطاول على مؤسسات الدولة ليس من أخلاقيات القضاة، وبأن الاستقواء بالخارج عن طريق تزييف الحقائق والتمثيليات هو غدر للوطن؟  أليس من بينهم من يذكرهم بأن الودادية الحسنية للقضاة، في إطار تشجيع القضاة على حرية التعبير، فتحت أبوابها، وعدلت قوانينها لاحتوائهم، ونادت عليهم عن طريق صفحات الجرائد، والدعوات الرسمية، وعن طريق القنوات التلفزيونية، وصفحات «فايسبوك» للالتحاق بالودادية والنشاط داخلها، والامتثال لصناديق الاقتراع، وقوبلت دعواتها الحبية طيلة سنتين، بالجحود والتطاول، والتعنت، بل بلغ الاستهتار حد سب وقذف هياكلها، الذين تريثوا في مقاضاة زملاء لهم؟ أليس من بينهم من يذكرهم بأن الخروقات القانونية التي دأب عليها ناديهم، عصفت بقضاة قليلي التجربة إلى المتابعات القضائية والعقوبات التأديبية، وهم في بداية حياتهم القضائية، سوف تبقى وصمة عار في ملفهم القضائي تتبعهم مدى حياتهم المهنية؟ أي جمعية هذه التي تقذف بأبنائها في غياهب الخروقات القانونية؟ أي جمعية هذه التي تتطاول على الاختصاصات الملكية الدستورية، دون سند شرعي أو قانوني حتى لوجودها؟  كفى من المس باستقلال القضاء، فالقضاة الحقيقيون الذين عركتهم التجربة، وحنكتهم المواقف التاريخية، وصقلتهم المعارك النضالية، لن يتركوا الفرصة لأي كان، وإن كان منهم، لأن يعبث بمؤسستهم، التي شيدها أسلافهم، ورعاها ملوكهم العظام، حرصا على الأمن القضائي للمملكة، في احترام تام للقانون ومؤسسات الدولة، التي هي قوام النظام الديمقراطي. عن الودادية الحسنية للقضاة

بقلم: الأستاذ نور الدين الرياحي

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

العدالة بين الإصلاح وبناء الدولة الديمقراطية 1

إصلاح العدالة ليس مطلبا لذاته، بل في توفير مداخل البناء الديمقراطي والتحفيز على الاستثمار ناهيك عن حماية الحقوق والحريات، وما سيتبع ذلك من ترسيخ دولة الحق والمؤسسات وتكريس ثقافة حقوق الإنسان. وقد مهدت لهذا الإصلاح مرجعيات خطاب العرش لسنة 2008 الذي دعا فيه جلالة الملك إلى تبني حوار واسع لبلورة مخطط للإصلاح العميق للقضاء منحته مناعة وشرعية للقضاء وأكسبته مشروعية استمدت روحها من أعلى سلطة في البلاد ترجمته بجلاء. والخطاب الملكي الصادر في 20غشت 2009 الذي وضع خارطة طريقه بتحديث المحاور الأساسية للإصلاح وتوج ذلك بتصويت المغاربة على دستور. فاتح يوليوز 2011 الذي تناول السلطة القضائية، التي غدت مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. والتنصيص على حقوق المتقاضيين وقواعد سير العدالة ودور القضاء في حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم. فشكل بذلك الدستور الجديد مع الخطابات الملكية السامية ملحمة ترجمت بجلاء إرادة مشتركة بين ملك البلاد وشعبه بالاتفاق على أبجديات الانخراط في إصلاح القضاء وتخليقه وعصرنته وترسيخ استقلاله، وذلك لا يتأتى إلا بتبني هندسة علمية متينة ووفق مقاربة تتوخي إصلاحا عميقا وشاملا لمنظومة العدالة. وذلك لا يتحقق إلا بوضع إستراتيجية تنطلق من التشخيص للوقوف على مكامن الإصلاح. وتنتهي بوضع فلسفته العامة وأسسه النظرية القابلة للتطبيق.
أولا- حول المقاربة المعتمدة: 
غني عن البيان، أن إصلاح منظومة العدالة يعد ورشا اجتماعيا بامتياز يهم جميع مكونات المجتمع المغربي فهو غير مقتصر على المنتمين لهيأة العدالة وحدهم. مما يجب معه استحضار تبنى إستراتيجية تهم جميع المكونات والأطياف والحساسيات في أفق تبني مقاربة تشاركية مندمجة. وقد استلهمت الهيأة العليا للحوار معالم المقاربة التشاركية المندمجة من التوجيهات الملكية السامية التي مافتئ جلالة الملك يدعو إلى الأخذ بها، سيما على مستوى ورش تبوء مكانة مركزية في هرم الدولة .
وتمظهرت الفلسفة العامة لهده المقاربة، كما رسمت معالمها التوجيهات الملكية سيما خطاب 8 ماي 2011 بمناسبة تنصيب الهيأة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة في الصور التالية : 
- توسيع دائرة مكونات الهيأة العليا لتضم كل الفعاليات 
- التركيز على بعد النجاعة في انتقاء أشخاص مكونات الهيأة المشهود لهم بالتجربة والحنكة والمعرفة الكافية والاضطلاع الواسع.
- الحرص على مراعاة التخصص واختلاف المشارب العلمية لمكونات الهيأة.
- مراعاة التعددية وتوسيع دائرتها حيث ضمت الهيأة في البداية 175 عضوا لترتفع إلى 190 عضوا.
- استحضار طابع التكامل والتناغم بين الأعضاء المكونة الهيأة.
بالنتيجة توخت التركيبة التعددية للهيأة العليا عكس الفلسفة أو التصور الذي أريد لها بأن تشارك وتدمج في تكوينها جميع المؤسسات الدستورية والقطاعات الحكومية والقضائية وتمثيلية المجتمع المدني ومختلف الفعاليات المؤهلة المعنية بإصلاح منظومة العدالة.
وتكمن أهمية المقاربة التشاركية المندمجة في الانصهار في مشروع الإصلاح وتوحيد الرؤى بشأن محاوره وفلسفة وإغناء أطروحات معالجة وبناء نظام متكامل تغذيه خبرات متنوعة ووجهات نظر مختلفة تتلاقح وتتناغم في أفق التأسيس لمشروع مجتمعي تفرض راهنيته بلورة نظام قضائي مستقل ناجع وقوي يوفر الحماية الفعلية للمراكز القانونية للأفراد والجماعات.
وقد ترجم عمل الهيأة العليا بوضع ميثاقها في يوليوز 2013 ضمنت ما وصلت إليه من استنتاجات، وما وضعته من خلاصات ترى أنها كفيلة بإصلاح منظومة العدالة. وقد وصلت إلى المعطيات المضمنة بالميثاق عبر اعتماد سلسلة من الآليات وحصرها على الشكل التالي :
* الحوار الداخلي على صعيد الهيأة العليا 
* مجموعات العمل الموضوعاتية
*الندوات الجهوية للحوار
*الاستعانة بالخبرات الأجنبية 
*الزيارات الاستطلاعية 
*الندوات المواكبة على صعيد المحاكم
*الزيارات الميدانية للدوائر القضائية
*الأيام الدراسية مع المسؤولين القضائيين ومسؤولي كتابة الضبط 
*الاقتراحات المكتوبة لمختلف الهيآت المعنية 
*النافذة الالكترونية للحوار بالموقع الالكتروني لوزارة العدل والحريات.
كل هذه الآليات وضعت لتوفير شروط إصلاح شمولي وعميق لمنظومة العدالة وفق مقاربة إصلاحية تأحذ بعين الاعتبار الجانب المؤسساتي والتشريعي والموارد البشرية وموضعها في إطار مشروع نظام متكامل يتم تتويجه بحوار مع جميع المنتسبين والمهتمين بإصلاح العدالة بهدف التوافق على أطروحاته والتنزيل لمضامينه .
ثانيا: استراتيجيات الإصلاح 
كان لزاما على الهيأة العليا لإصلاح منظومة العدالة تبني رؤية علمية وفق منهج تشاركي يربط مقدمات الإصلاح بنتائجه. تمحور حول الأسس العامة بدءا من تشخيص وضعها وراهنيتها، انتهاء بوضع الحلول المناسبة لها للنهوض بقطاع يعتبر حجر الزاوية في بناء صرح الدولة الديمقراطية، فشمل الإصلاح ست ركائز أساسية تشكل لبنات العدالة جسدت الأهداف الإستراتيجية الكبرى. 
1 - على مستوى استقلال القضاء
ظل القضاء يتأرجح بين اعتباره وظيفة من وظائف الدولة وبين تبوئه مكانة في البناء المؤسساتي باعتباره سلطة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، هذه الاستقلالية التي كانت تشوبها جملة من الأعطاب والاختلالات أضعفت من ظهورها بمظهر السلطة المكونة لبناء الدولة مع ما يترتب عن ذلك من نتائج التبعية والخضوع لمنطق التعليمات، وبالتالي إصابة الجسم القضائي بالترهل وضياع الحقوق ونشوء الممارسات المنحرفة وتقويض عرى الثقة وشيوع الفساد وأفول مؤشرات بناء دولة الحق والمؤسسات وسيادة القانون.
وتمظهر هذا التأرجح والضعف في تبعية جزء من القضاء وخضوعه لسلطات وزير العدل والحريات الذي يقوم بإدارة مرفق القضاء وتدبير طرق سيره وتنظيمه من خلال المذكرات والرسائل والدوريات التي يقوم بتعميمها على المسؤولين القضائيين تعكس السياسة الإدارية للسلطة التنفيذية، ناهيك عن استئثار وزير العدل والحريات بمجموعة من الصلاحيات تقوي من مركزه الإداري والقانوني من قبيل توقيف القضاة وانتدابهم ونقلهم والتعيين في بعض الاختصاصات كالتحقيق والأمر وتطبيق العقوبات وقضاء الأحداث, وترأسه للمجلس الأعلى للقضاء نيابة عن الملك، إضافة إلى تبعية قضاة النيابة العامة لسلطات الوزير وما يترتب عن ذلك من تقوية منطق التعليمات وتكريس مفهوم الدولة البوليسية العميقة مما يؤثر على البناء الديمقراطي وشيوع ثقافة حقوق الإنسان.
 بقلم:  أحمد قيلش
جريدة الصباح الاثنين, 17 فبراير 2014
اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

خدمات:الشباك الالكتروني لطلب الوثائق الادارية (طلب موجز عقد الولادة أو نسخة كاملة منه)

الشباك الالكتروني لطلب الوثائق الادارية
Guichet électronique De Commande De Documents Administratifs


يمكنكم هذا الموقع من طلب الوثائق الإدارية عبر الخط

تمكن هذه الخدمة عبر الخط من طلب موجز عقد الولادة أو نسخة كاملة منه واستلامهم عبر البريد المضمون.

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

إشكالية الطعن في قرارات المجلس الأعلى للقضاء ؟

إشكالية الطعن في قرارات المجلس الأعلى للقضاء ؟
محمد الهيني
مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط

إن قرارات المجلس الأعلى للقضاء قابلة للطعن أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ليس استنادا للفصل 114 من الدستور وإنما استنادا للفصل 118 منه تأسيسا على قاعدة دستورية وطنية ودولية مؤداها عدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن ،وهذه قاعذة بديهية ومن مسلمات وأبجديات القضاء الإداري ،ولا يحتاج الطعن لأي نصوص تنظيمية تقر الحق فيه ،لأنه من النظام العام،لكن فعالية هذا الحق وليس ممارسته يتوقف على الارتقاء بالغرفة الإدارية بمحكمة النقض إلى مصاف هرم قضائي إداري يطلق عليه مجلس الدولة أو المحكمة الإدارية العليا
وهكدا ينص الفصل118 من الدستور على أن "حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.
كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يُمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة"
هذه القاعدة استقر عليها قضاء الغرفة الإدارية بمحكمة النقض والمحاكم الإدارية حتى قبل صدور الدستور ،لكون الطعن بالإلغاء من النظام العام وعنوان الشرعية وسيادة القانون .
وتتميز دعوى الإلغاء بمجموعة من الخصائص نذكر منها :
- أنها دعوى عينية و موضوعية :
لقد اعتبرت المحكمة الإدارية بوجدة في حكم لها صادر بتاريخ 24/5/2000، أن دعوى الإلغاء هي دعوى عينية وعامة،تستهدف مخاصمة القرار الإداري، وبالتالي لا مجال للتدخل الإرادي فيها، ما دام الحكم الصادر بشأنها سيستفيد منه كل من له علاقة به. ويقصد بالتدخل الإرادي المنصوص عليه في الفصل 111 وما بعده من قانون المسطرة المدنية،حق كل من له المصلحة في التدخل في النزاع المعروض أمام المحكمة، وهو يكون إما انضماميا أو اختصاميا.
– أنها دعوى مصلحة عامة:
ذلك أن دعوى الإلغاء ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة، فإلغاء القرار الإداري لا يعني إلا شيئا أساسيا، وهو محو نتائج عدم المشروعية، الشيء الذي يدفع بالإدارة المعنية إلى الاتعاظ، وعدم مخالفة القانون في مثل نفس النازلة، لذلك قيل بأن حكم الإلغاء له حجية مطلقة في مواجهة الكافة.
- أنها دعوى مشروعية:
فهي دعوى تنتمي إلى قضاء المشروعية، وهذا يعني أن دعوى الإلغاء لا ترفع إلا ضد قرار إداري غير مشروع، لمخالفته قواعد القانون، أما إذا خالفت الإدارة بقرارها اعتبارات العدالة المجردة مثلا، دون مخالفة القانون، فإن هذه المخالفة لا تكفي وحدها لرفع دعوى الإلغاء.
– أنها دعوى من النظام العام:
تعتبر أيضا دعوى الإلغاء أيضا دعوى من النظام العام، وذلك نظرا للنتائج التي تترتب عنها والتي تتجلى فيما يلي :
- لا يجوز التنازل مسبقا عن رفع دعوى الإلغاء،أي قبل إقامتها، بخلاف الأمر في الدعوى الشخصية،لأنه بعد رفعها وإقامتها،يجوز لصاحب المصلحة التنازل عنها .
- كذلك لا يجوز التنازل عن حكم قضى بإلغاء قرار إداري غير مشروع، فهو قد ألغي ولا يمكن إحياؤه من جديد عن طريق التنازل، وتبقى الإدارة المحكوم عليها دائما مطالبة بتنفيذه.
- الأصل هو أن دعوى الإلغاء ترفع ضد أي قرار إداري،دون حاجة إلى النص على ذلك صراحة.
- دستورية الحق في التقاضي، لأن الحق في التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه، وعن مصالحه التي يحميها القانون طبقا للفصل 118 من الدستور المغربي الجديد.
- يعتبر الدفع بقوة الشيء المقضي به في دعاوى الإلغاء من النظام العام، يمكن للمحكمة إثارته تلقائيا على خلاف القواعد العامة.
وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 13-9-2012 "تكتسي قوة الشيء المقضي به في دعاوى الإلغاء طابع النظام العام، باعتبار أنها عنوان المشروعية وسيادة القانون، ويمكن للمحكمة بناء على ذلك تلقائيا أن تثير هذا الدفع".
- عدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن، لأن كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة طبقا للفقرة الثانية من الفصل 118 أعلاه.
ولاشك أن سمو القاعدة الدستورية،على ماعداها من نصوص قانونية،يشكل تكريسا للشرعية وسيادة للقانون،باعتبارهما من مبادئ دولة الحق والقانون التي تأبى تحصين أي قرار إداري ،مهما علا شأنه،وتعددت مصادره،واختلفت مجالاته من الرقابة القضائية،لكون القضاء هو الحامي الطبيعي والحارس الأمين للحقوق والحريات .
وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بوجدة صادر بتاريخ 8-3-2000"إن الطعن بالإلغاء ضد المقررات الإدارية يهدف إلى حماية الشرعية، ولا ينفلت منه أي مقرر إداري ولو تعلق الأمر بمقرر صدر في إطار قانون،ينص على عدم قابليته للطعن، مادام أن مبدأ مراقبة الشرعية يعتبر مبدأ دستوريا".
كما جاء في حكم للمحكمة الإدارية بأكادير صادر بتاريخ 20-7-1995 "تعتبر دعوى الإلغاء بمثابة دعوى القانون العام لإلغاء القرارات الإدارية عموما، أي يمكن أن توجه ضد أي قرار إداري دونما حاجة إلى نص قانوني صريح.
وحيث إنه لا يقبل وفقا لروح قانون 41-90 تحصين أي قرار من مراقبة قاضي المشروعية وحرمان المواطن في دولة الحق والقانون ،ضمانا لحقوقه وحرياته من مراقبة أعمال الإدارة،عن طريق دعوى الإلغاء التي تمارسها هيئة مستقلة عن الإدارة،تتكون من قضاة تابعين للسلطة القضائية،ولا يخضعون للتسلسل الرآسي أو لأي نوع من الوصاية،ويستعملون اختصاصاتهم من أجل حماية المواطن والإدارة معا".
وقد طبقت محكمة النقض ذات المبدأ في "قضية وليام وول" حيث لم يقبل إدعاء الإدارة،بكون القرار غير قابل للطعن ، بعلة أن النص المستند عليه هو نص عام،لا يمكن الاحتجاج به لأن إرادة المشرع في استبعاد دعوى الإلغاء لم تكن واضحة.
نفس المبدأ أكده قرار لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 27/12/2006 جاء فيه "إذا كان الفصل 12 من ظهير 27/04/1919 بشأن تنظيم الوصاية على الجماعات السلالية وضبط تدبير الإدارة للأملاك الجماعية،قد نص على عدم قابلية مقررات مجلس الوصاية للطعن، فإن هذا المنع لا يمكن أن ينسحب أثره على دعوى الطعن بالإلغاء،الذي يمكن القضاء الإداري من بسط رقابته على مشروعية القرارات الإدارية، وفحص مدى مطابقتها للقانون.
وقد توج هذا المسار القضائي الرائد للقضاء الإداري بالمغرب،في منع وحظر تحصين أي قرار الإداري من الإفلات من الرقابة القضائية،بتأكيد الدستور الجديد الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 29 يوليوز 2011،على هذا المبدأ لأول مرة في الفصل 118 منه،بأن" كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة. "
وإذا كان الدستور قد ارتقى بقاعدة عدم تحصين القرارات الإدارية من الطعن إلى مستوى القاعدة الدستورية ذات القيمة الأسمى، والتي تحتل مركزا قياديا ورئيسيا في هرم التراتبية التشريعية، فإن أي نص قانوني لا ينضبط لمفهوم القاعدة الدستورية، يكون مشوب بعيب عدم الدستورية
الحاجة لإحداث المحكمة الإدارية العليا لدعم فعالية الطعن في قرارات الوضعية الفردية الماسة بالقضاة

إن بناء صرح قضاء إداري فعال ومتخصص في البت في المنازعات الإدارية متوقفا على إحداث محكمة إدارية عليا قائمة بذاتها كما بشر بها الدستور الجديد(الفصل 118) التي ستعلو الهرم القضاء الإداري،لتحقق ازدواجية كاملة للقضاء ،تسهر على مراقبة تطبيق القانون من طرف المحاكم الدنيا وتوحيد الاجتهاد القضائي،وبالتالي الإسهام في ضمان الأمن القضائي الذي أشار إليه الفصل 119من الدستور.
ولا شك أن معظم التغيرات الحاصلة في المنظومة الدستورية مست عمل القضاء الإداري على مستوى إقرار مبدأ دستورية الرقابة القضائية الإدارية وحظر تحصين أي قرار إداري من الطعن الإداري والقضائي،لذلك يلزم التأكيد على :
-أن القضاء الإداري خيار استراتيجي دستوري لا محيد عنه في مواصلة بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون،بتنصيص الدستور صراحة على القضاء الإداري في الفصلين 114و 118 منه،وحماية مجال اختصاص هذا القضاء.
-ملائمة التنظيم القضائي مع الدستور الجديد
-استكمال صرح القضاء الإداري وتكريس ازدواجية كاملة للنظامين القضائي والقانوني.
-دعم التخصص واحترافية القضاء الإداري ليتطور من خلال فلسفة القضاء الإداري المتخصص وليخرج من رحم القضاء العادي المتشبع بحرفية النصوص وسيطرة الإجراءات الشكلية.
-تحقيق استقلالية كاملة لمحكمة النقض عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية،إذ لا يعقل أن تراقب محكمة النقض نفسها في قرارات رئيسها المعتبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة ،فتحقيق ضمانة مراقبة مشروعية وملائمة القرارات التأديبية بصفة جدية وناجعة يستلزم إحداث المحكمة الإدارية العليا لرفع استشعار الحرج عن قضاة النقض وحماية حقوق القضاة في نفس الوقت وبت الطمأنينة والأمان على مصائرهم .
-تدعيم المشروعية الدستورية في حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية .
-ضمان الأمن القانوني والقضائي من خلال توحيد الاجتهاد القضائي الإداري استحضارا لدور القاضي الإداري في خلق وابتكار جل قواعد القانون العام.
- مواجهة تراكم القضايا الإدارية وتطور عددها المضطرد كما وكيفا.
- تمديد اختصاص المحكمة الإدارية العليا إلى مجال إصدار الفتاوى القانونية للإدارات العمومية.
-تنظيم مسطرة الطعن بالنقض الإداري بتخويل المحكمة الإدارية العليا صلاحية التصدي الوجوبي.

-إحداث مؤسسة المفوض الملكي وتدعيم دورها على صعيد المحكمة الإدارية العليا
-إحداث غرفة التنازع للبت في تنازع الاختصاص بجميع صوره بين جهتي القضاء العادي والإداري .
ومما لاشك فيه فإنه لا يعقل بعد أكثر19من سنة من عمل المحاكم الإدارية أن يتأخر إحداث المحكمة الإدارية العليا لأكثر من هذا الوقت ،مادام أن إحداثها له مرجعية سامية أكدها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999 حيث قال حفظه الله "ورغبة منا في توسيع مجالات التطوير والتحديث قررنا الزيادة التدريجية في عدد المحاكم التجارية كما قررنا إحداث محاكم استئناف إدارية في أفق إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين".وهو خيار طالب به ودعمه أيضا كل الحقوقيين الغيوريين على حماية الشرعية وسيادة القانون والمساواة أمامه،والمتطلعين لتحقيق ازدواجية كاملة للنظام القانوني والقضائي تخلق منافسة شريفة وطيبة بين القضائين ،وتوطد أركان العدالة والدولة الديمقراطية ببلادنا،وتدعم تخصص القضاء واحترافية في أعلى هرمه ،وتكرس توحيد الاجتهاد القضائي وتحقيق الأمن القانوني والقضائي
وقد مكن الإصلاح الدستوري من خلق دينامية جديدة على مستوى القضاء الإداري، من خلال إرسائه لمبادئ الحكامة الجيدة، مما أصبح معه القضاء المذكور مدعوا إلى الانخراط في دعم وتكريس المبادئ المذكورة خلال بته في المنازعات المعروضة عليه، فضلا على أن المستجدات الدستورية فرضت على مؤسسة القضاء الإداري ضرورة مواكبة التطور الحقوقي في ضوء المقاربة الدولية للحقوق والحريات،كما استوجبت تطوير تنظيم القضاء الإداري،ذلك أن التنصيص الدستوري الصريح على دور القضاء في ضمان الأمن القضائي،يقتضي تقريب القضاء الإداري من المواطن "قرب الجودة والإنصات والشفافية "لا "قرب المسافة والطرق"، وذلك بإقرار حقيقي لازدواجية القضاء،مع إعادة النظر في الخريطة القضائية.
و بخصوص الخريطة القضائية،فإنه لا يمكن الحديث عن حماية القاضي الإداري لحقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، في ظل خريطة قضائية يشوبها عدم التوازن من حيث توزيع المحاكم الإدارية وكذا عددها،تماشيا مع التنظيم الجهوي المرتقب.
وعلى المستوى التشريعي، يتعين إفراد قانون إجرائي خاص بالقضاء الإداري يتلاءم مع خصوصية المادة الإدارية ، ويتدارك الإختلالات الإجرائية التي كشفت عنها الممارسة القضائية.
-الحفاظ على تخصص القضائين الإداري والتجاري ودعمهما بمحاكم جديدة تغطي سائر جهات المملكةوإن كنا نفضل أن يتم الإبقاء على التخصص باعتباره وسيلة وغاية للاحترافية والتمرس والكفاءة في جميع المجالات القانونية و القضائية ،لأن التعميم والوحدة يضر أكثر مما ينفع،ويؤثر على استقرار المنظومة القضائية ويخلق بلبلة في نفوس المتقاضين،مما يساهم في اهتزاز الأمن القانونية والقضائي.
-العدول عن فكرة الأقسام المتخصصة بالمحاكم العادية لأنها ستنسف جهود سنوات من التخصص والتكوين والعطاء والتميز ،وسيصبح التخصص شعار أكثر من ممارسة لأنه لا يعقل أن يوكل لقضاة عاديون ممارسة تخصصات عدة لا علاقة لها بالإطار العام للاختصاص،لاسيما وأنه لا توجد ضمانات على تكوينهم وإفرادهم بنظر هذه المنازعات ذات الطابع التخصصي دون غيرها ،ففكرة تقريب القضاء من المتقاضين لا تتعلق بنظرة تبسيطية لعنصر المسافة"القرب الجغرافي " وإنما المقصود منها مقاربة القرب التخصصي بنظرة"قرب الجودة ".
وفي الأخير نختم بالقول أن الإبقاء على الغرفة الإدارية بمحكمة النقض كجهة للطعن في قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية مقترح غير دستوري وغير منصف ويخالف مبادئ الحياد والعدالة التي تقتضي تولي جهة قضائية حيادية لا ينتمي أعضائها أو رؤسائها للمجلس ،لأن القاضي في حاجة إلى قاضيه الطبيعي وهو القاضي الإداري على مستوى الدرجة العليا لإحقاق الحقوق ورفع المظالم ورد الشطط ،وبغير ذلك فمصائر القضاة واستقلالهم معلق إلى حين ؟فكيف نحمي المتقاضي والقاضي خائف بل ومذعور عن ضبابية مستقبل يؤرخ له "المتحفظون "على القضاء المتخصص بل والغريبة قواعده عنهم ،والذي سيجعل الطعن على القرارات الماسة بالوضعية الفردية للقضاة بلا عنوان ولا طعم ولا رائحة زكية؟؟وكأني بالمشروع يقول للقاضي اطعن ،فأنت خاسر منذ البداية له؟يكفيك ربح الوقت وخسران القضية؟تحمل جرأة المشرع؟وفتوى المفتين؟فهل من مجيب؟فللتنظر جميعا قرار محكمتنا الدستورية؟
 
اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

ضمانات القضاة والمتقاضين على ضوء الدستور ومشروعي القانونين التنظيميين

ضمانات القضاة والمتقاضين على ضوء الدستور ومشروعي القانونين التنظيميين
بقلم:  أحمد ابادرين

السلطة القضائية، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المؤسسة التدبيرية للقضاء أو المؤسسة التدبيرية للسلطة القضائية، كل هذه المسميات أو التسميات تستعمل عند الحديث عن القضاء قبل وبعد إقرار دستور 2011، وكان الجميع يطالب بالارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة وكأن في ذلك مفتاحا وعلاجا لما يلاحظه الجميع من خلل.  لنبدأ بتصورنا للسلطة القضائية أو للقضاء كسلطة، لنرى بعد ذلك الوضع الاعتباري والمؤسساتي لها، على ضوء الوثيقة الدستورية ومشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالقضاة وبالمجلس الأعلى. نحكم على المؤسسة (أي مؤسسة) من خلال الصلاحيات الموكولة إليها وكيفية أدائها لمهامها وليس من خلال الاسم الذي أعطي لها. لما حضرنا أمام اللجنة المختصة بصياغة الدستور، ألقينا عرضا تحدثنا فيه عن تصورنا للسلطة القضائية وتقدمنا بمقترحات، مهدنا لها بما يقوله الفقه الدستوري بأن الفصل بين السلط لا يعني الاستقلال في الرقابة وفي التدبير وأن مبدأ «السلطة تحدها سلطة» يقتضي أن تخضع كل سلطة لرقابة السلط الأخرى. وبما أن الشعب هو مصدر كل السلط، فإن آليات مساءلة ومراقبة هذه السلط ينبغي أن تتيح للشعب، إما مباشرة أو بواسطة منتخبيه ومختلف تعبيراته، إمكانية المساءلة والمراقبة، لأن إسناد سلطة بمقتضى الدستور لجهة دون التنصيص على آلية لمحاسبتها ومراقبتها يعتبر تشريعا للاستبداد والتسلط. وإذا كانت السلطة التنفيذية (الحكومة) تخضع في أداء مهامها لرقابة السلطة التشريعية (البرلمان)، فإن السلطة التشريعية هذه تخضع لرقابة الناخبين (أي الشعب الذي هو مصدر كل السلط) عبر صناديق الاقتراع وهذه الآلية متعارف عليها في كل دساتير العالم. وبما أن القضاء أريد له أن يصبح سلطة بنص الدستور، فإن هذه السلطة يجب أن تخضع لآلية محاسبة ومراقبة نابعة من الشعب، باعتباره مصدر كل السلط حتى لا تنحرف عن دورها في دعم أسس الحكم (العدل أساس الملك). وبما أن وظيفة القضاء تتولاها مؤسسة تشارك فيها عدة مكونات (قضاة، محامون، كتاب الضبط، مفوضون قضائيون، خبراء، ضابطة قضائية، سلطة إدارية، ومتقاضون) وكل مكون من هذه المكونات له دور في ماكينة العدالة. (جرى العمل بلجان ثلاثية تستعرض وتعالج خلل ومعوقات سير عمل المحاكم لكنها تقتصر على الرئيس الأول والوكيل العام والنقيب). هذه المؤسسة التدبيرية لآلة العدالة يجب أن تقوم بكل ما من شأنه أن يرجع ثقة المواطنين بالقانون وبالعدالة (جهاز نتحدث عنه دون تصوره كل واحد يتشكل في مخيلته على شكل خاص).
كلنا متفقون على أن غايات المحاكمة العادلة هي تحقيق العدل بمفهومه المجتمعي، لأن الحق والعدل لهما مفهوم مجتمعي، وعندما ينطق القاضي بحكم ويخرج الناس مستائين، فإن ذلك يعني أن القاضي لم يوفق في ترجمة الحق والعدل كما يراه ويريده المجتمع.
وشروط القيام بذلك تقتضي أن تكون مكونات العدالة على قرب من هموم المجتمع وثقافته، وذلك عن طريق الإنصات لمختلف تعبيراته واستيعابها بما يخدم رسالة العدل السامية حتى يسترجع الناس ثقتهم بالقانون وبالعدالة (هذا حلم تختلف مستويات الناس فيه).
لأنه عندما يفقد المواطنون الثقة في جهاز العدالة بكل مكوناته، فذلك دليل على أن هنالك خللا في تدبير هذا القطاع بدءا بطريقة الولوج وانتهاء بمنهجية التأطير والرقابة وهو ما يدخل ضمن السياسة العدلية التي ستختص هذه المؤسسة التدبيرية برسم معالمها وتحديد حاجيات القطاع العدلي بكل مكوناته. وكنا اقترحنا إعادة النظر في طريقة الولوج للسلك القضائي والاستغناء عن المعهد الوطني للدراسات القضائية مستحضرين قولة آينشتاين «الأوضاع الفاسدة لا يمكن إصلاحها بالعقليات نفسها التي أنتجتها» واقترحنا استقطاب القضاة من المحامين والخبراء والمفتشين الماليين والإداريين والمحاسبين وكتاب الضبط والمفوضين القضائيين ممن تتوفر فيهم الكفاءة والنضج والقدرة والأهلية والاستقامة والنزاهة للاستفادة من خبراتهم. فهل نجد في الوثيقة الدستورية وفي مشاريع القوانين التنظيمية الخاصة بالقضاة وبالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ما يعزز هذا التصور؟
اسمحوا لي أن أعبر عن خيبة أملي، لعدم وضوح التصور ليس فقط لدى السلطة الحكومية التي هيأت مشاريع القوانين التنظيمية، بل عدم وضوح التصور لدى واضعي الوثيقة الدستورية أيضا. فالمادة 107 من الدستور تقول: السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية. و(الفصل 82 من دستور 1996 يقول: القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية). الجديد إذن هو التسمية فقط. في مشروع دستور 1908 المادة 57 تقول ما يلي: السلطان يعين ... قاضي قضاة فاس... وتضيف المادة 66 على أن: القضاة وأهل الفتوى، والعدول يعينهم قاضي القضاة بموافقة مجلس الشرفاء. هكذا كان القضاء يستمد سلطته من سلطة الحاكم.
ثم تطورت الأمور ليصبح القضاء وظيفة من وظائف الدولة وأحدثت آليات للمساءلة والمحاسبة وأيضا لتعويض ضحايا عمل هذه الوظيفة.
القاعدة تقول إن تحقيق العدل مسؤولية من مسؤوليات الدولة وهي المسؤولة عن ضمان الإنصاف لكل المتقاضين، انطلاقا من التزامها بضمان حقوق الإنسان لجميع المواطنين (في ديباجة الدستور نقرأ: المملكة المغربية تتعهد وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا).
في هذا الإطار فإن دول الاتحاد الأوربي وافقت على اتفاقية تسمى الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان وتنص في المادة 19 منها على ما يلي:
لضمان احترام الالتزامات التي تعهدت بها الأطراف المتعاقدة في هذه المعاهدة تنشأ: 
أ- لجنة أوربية لحقوق الإنسان، يشار إليها في ما بعد باسم «اللجنة».  ب- محكمة أوربية لحقوق الإنسان، يشار إليها باسم «المحكمة». وتوالت ولا تزال تتوالى بروتوكولات ملحقة بهذه الاتفاقية بمثابة مساطير تبين كيفية رفع الشكايات والعرائض إلى اللجنة وإلى المحكمة وهذه تحكم على الدولة المعنية بأداء تعويض للمواطن المشتكي عن الضرر الحاصل له جراء حكم صادر عن دولة عضو بعد استنفاد كافة طرق الطعن المتاحة محليا دون إلغاء الحكم الصادر عن محاكم الدولة المعنية احتراما لمبدأ السيادة.

 بقلم:  أحمد ابادرين
المصدر جريدة الصباح المغربية 
12/02/2014
اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

قرار محكمة النقض: حكم الطلاق الصادر عن محكمة أجنبية ينهي الزوجية من يوم صدوره،وليس من يوم تذييله بالصيغة التنفيذية

قرار عدد 579
بتاريخ 2008/12/17
في الملف الشرعي عدد 2008/1/2/249
منشور بكتاب قضاء محكمة النقض في مدونة الاسرة 
من سنة 1957 الى 2012
معلق على بعض القرارات.
المكتبة القانونية 24
عبد العزيز توفيق
رئيس غرفة شرفي بمحكمة النقض
محام بهيئة الدار البيضاء.
حكم الطلاق الصادر عن محكمة أجنبية ينهي الزوجية من يوم صدوره،وليس من يوم تذييله بالصيغة التنفيذية،واذا صدر بطلب من الزوجة فانها لاتستحق النفقة من يوم انتهاء عدتها

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

نحو تكريس مفهوم جنائي جديد لتخليق الشأن العام



بداية لابد من الإشارة إلى أن صياغة مثل هذه العناوين قد توحي بأن أساس منطلقها خلفية متحاملة، الغرض منها تحجيم الأهمية الحيوية التي تحوزها قضايا الشأن العام باختزال الأخيرة في ظاهرة الفساد الإداري، وما ينبغي على الدولة أن تتخذه من تدابير زجرية استجابة لرد الفعل المجتمعي من جهة، وتطهيرا لمجالات تدخلها تحصينا للمصلحة العامة من جهة أخرى.  ورغم صعوبة التعامل مع مثل هذه الموضوعات بصرامة الباحث المتحصن بضوابط التجرد والموضوعية نقول إن مسألة التخلص من الخلفية المحركة لمعالجة الموضوع  تصبح أمرا ميسورا بعد اتضاح الفهم وتلمس الأبعاد والدلالات التي تحملها المقاربة الجنائية للشأن العام. يبدو غريبا ربط المنظور الجديد بفكرة التأصيل، مادام أن الأخيرة لا تعدو أن تكون عملا لاحقا تكرس به ومن خلاله معطيات سابقة، إما أن تكون في حاجة إلى تجميع منهجي تكتمل به في الفهم والدلالة وتصبح بذلك راسخة بالمبدأ والصياغة الواضحة، أو أن تمر من مقاربة تشخيصية لرصد مواطن الخلل للخلوص إلى تركيبة منطقية تتوقف عليها سلامة التحليل. إلا أنه ومن أجل التوضيح، نشير إلى أن فكرة تأصيل العلاقة هي في حد ذاتها عملية لا منتهية بحيث تحتاج دائما، وبالنظر لرهاناتها المتعددة، إلى تجديد الوعي بضرورة مناقشتها سواء على مستوى تجذير ثوابتها، أو على مستوى إكسابها قدرة المواكبة لمستجدات واقع تطورها وامتدادها، ولعلها الحقيقة التاريخية التي ظلت تعترف للقانون الجنائي بشرعية احتواء مجال الشأن العام، رغم التدافع الفقهي الحاصل بشأن التشكيك في مدى جدوى هذا الاحتواء. مع ذلك، بقيت التشريعات الجنائية تغالط نفسها باختلاق قراءات متعددة لتبرير احتوائها للشأن العام، لم ينتج عنها فسح المجال لتقنيات التجريم والعقاب حتى تنفتح على آليات جديدة تجعل من فكرة الاحتواء مطلبا حضاريا وسلوكا تشريعيا معتادا كما هو الحال في المجالات الأخرى، بحيث وعلى العكس من ذلك، ظلت المقاربة الجنائية للشأن العام حبيسة المنطق الزجري ولو بالمغالاة في توظيف الأداة الردعية، الشيء الذي لم يترك للمشرع الجنائي فرصة اختيار الموقع المناسب داخل منظومة القانون الوضعي. ومن دون أن نبخس الوظيفة التقليدية للقانون الجنائي، باعتباره الدعامة القوية التي تعول عليها الدولة لتصحيح كثير من الاختلالات المجتمعية، فإن الاعتماد عليها لوحدها في جرائم الشأن العام، قد أسفر عن مستوى الواقع عن تطبيق قضائي متضارب ومتناقض، كاد أن يفرغ الجرائم المذكورة من أهم خصوصياتها: ويكفي أن نستحضر هنا الشلل الكلي الذي يعرفه تطبيق أهم النصوص الجنائية، بحيث يصح التساؤل عن مدى جدوى إظهار كثير من الجرأة التشريعية في مجال تعقيده أكثر من أي إرادة عازمة على الحزم ومقتنعة بالمضي فيه؟ إن جرائم الشأن العام لا تخرج عن دائرة مظاهر الاختلال المجتمعي التي لا تحتاج من المشرع الجنائي سوى قراءة متكاملة لتجلياتها ومسح شامل لأهم أسبابها ومسبباتها، بحيث ومن دون تكلف في تقدير خطورتها، يمكن أن تتضح خصوصيتها بسهولة وبالتالي تتيسر مهمة احتوائها. ولعل أهم ما ينبغي التحصن به لإنجاح مهمة المشرع المراهنة بالأساس على الدور التخليقي الذي يضطلع به القانون الجنائي كأداة قوة استثمارها تظهر بالخصوص في تهذيب السلوك الاجتماعي و تقوية الاقتناع بإمكانيات الاندماج داخل منظومة القيم التي تعتبر قضايا الشأن العام مزودها الرئيسي. ولعل السبيل الأقرب إلى تكريس هذه الحقيقة التخلص نهائيا من توظيف جرائم الشأن العام، كخطاب تتكسر حوله الرؤى المستقبلية لتحديث المجتمع وتتقاطع فيه كل الاجتهادات الفكرية بحثا عن منفذ أو موقع يدعي وبشكل مطلق امتلاك المقاربة السليمة، والحال أن حساسية المجال تدفع إلى التمسك بما يكفي من المرونة لإشاعة الوعي بأن حجم القضية يثير مسؤولية جميع مكونات المجتمع، والطريق لمعالجتها ورش كبير يحتاج إلى مراجعة الذات قبل اتخاذ أي موقف حاسم في الموضوع. بنظرنا المتواضع، إن ما يجعل المهمة صعبة على المشرع ارتباط جرائم الشأن العام بالإشكالية الأخلاقية، أي تصور نماذج السلوك المساعدة على ضبط الانحراف، وهي كما يعلم الجميع منهجية تغرق الاجتهاد التشريعي في مسلسل من الافتراضات غالبا ما تؤدي بالنتيجة إلى تمثل متفاوت للحقيقة الواقعية، الشيء الذي قد ينتج عنه، وحسب قناعة كل مشرع، تراتبية غير مقنعة للمصالح المحمية بل وتوظيف شكلي لمنطلق الأولويات. لذلك نقترح و انطلاقا من اقتناعنا بالدور التخليقي الذي يضطلع به القانون الجنائي في علاقته بالشأن العام أن يقع أولا حسن استثمار تقنيات التجريم والعقاب بتحديد المبادئ الكبرى التي سيرتكز عليها المجال المحظور جنائيا، إذ عوض أن يجهد المشرع نفسه في إبراز أهم نقاط الاصطدام الكبرى التي تفرزها سواء علاقة السلطة بالمواطن أو ما ينبغي أن تحظى به الدولة وأجهزتها من اعتبار وحماية، يكون من الأجدى التأكيد على حماية منظومة القيم التي يقوم عليها مفهوم الاندماج داخل الحياة العامة، فتصبح بالتالي العلاقات التي تربط المكونات الثلاثة (دولة – مؤتمن – مواطن) الإطار المحدد لتصور مستويات الزجر والحماية من دون أن يطغى منطق افتراض الشرعية في مواجهة التمرد لأنه على أية حالة يختزل الإشكالية الأخلاقية بتقوية الاقتناع بالإعمال المتزايد للوظيفة الردعية. لن نكون مبالغين إذا قلنا إن جرائم الشأن العام في عمقها، وإذا أخذت بمعزل عن بقية الجرائم الأخرى، إنما تؤسس لمنظور خاص في التعامل مع ظاهرة الجريمة، ليس فقط لأن للاعتبار الخاص بالدولة فيها حضورا قويا، ولكن أيضا على الخصوص لأنها تحرر الدولة نفسها وأجهزتها من كل من يعبث بالقيم التي تجسدها ويأتمنها المجتمع على الدفاع عنها ولو بتقليص فضاء الحقوق والحريات. لذلك كلما تكرس مجهود المشرع الجنائي لخدمة هذا الهدف الأسمى، كلما استطاعت نصوص التجريم والعقاب أن تبلغ أهدافها النبيلة سواء بجعل السلطة في خدمة المواطن أو بمساءلة هذا الأخير بما يفرضه واجب المواطنة من أحقية الاعتبار للمؤسسات والأجهزة، أو بما يحمله مفهوم الحق والحرية من قدرة على التكيف مع متناقضات الحياة المجتمعية، أو بما يرمز له الائتمان على المال العام من حفاظ على الثروة الوطنية... وكلها نماذج سلوك لابد أن تنتهي إلى إظهارها وإبرازها فكرة احتواء القانون الجنائي للشأن العام، بحيث يصبح منطق الردع ذو البعد التخليقي مولدا لطاقة إقناعية تكرس لدى مكونات المجتمع أن هناك مصالح عليا تمثلها الدولة ولا يمكن للمجتمع أن ينشأ ويحيا ويتطور إلا بها وبتكريس كل مجهوده لخدمتها. خلاصة القول إن علاقة القانون الجنائي بالشأن العام منهجية متحضرة لخلق فضاء قانوني تذوب فيه أنانية الفرد لخدمة المجتمع، ومجال مناسب لتكريس الوعي بأن أصالة المجتمع المنظم تكمن بالأساس في الاحتكام إلى منطق القيم المشتركة التي تقوم عليها فكرة التعايش الاجتماعي.

د. فريد السموني
جريدة الصباح
الأربعاء, 22 يناير 2014
اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

في مفهوم الحزب السياسي

                                                          
                                                                 أحمد بوعشرين الأنصاري
                                     مفاهيم سياسية للنقاش والنظر(3): في مفهوم الحزب السياسي

تصدير

يتبين إذن من خلال تعريفنا للسياسة في مقالنا السابق باعتبارها تدبيرا راشدا للشأن العام للبلاد، أن الغاية من السياسة هو خدمة المجتمع، فالبرنامج السياسي ينبغي أن يكون برنامج يعكس تطلعات وحاجيات المجتمع، والحزب السياسي ينبغي أن يكون حزبا للمجتمع منصتا إلى مشاكله ومعبرا عنها في برامجه وأهدافه، ومنبثقا في نشأته من رحم المجتمع، والدولة الكاسبة للشرعية هي من تكون دولة للمجتمع حاضنة لآماله خادمة له، ومعبرة عن اختياراته الكبرى، وعلى هذا الأساس وبكلمة عامة فالأداء السياسي قولا وفعلا ينبغي أن يكون أداء يتوخى رضا المجتمع عنه بما هو أداء غايته خدمته وتنزيل آماله في السياسة اليومية المعتمدة نضاليا وإجرائيا واستراتيجيا.

فما هو مفهوم الحزب السياسي؟

أولا في المفهوم

يمكن أن نعرف مفهوميا الحزب السياسي بمثابة إحدى التعبيرات المجتمعية المنظمة والمتجانسة من حيث الفكرة، المنبثقة من رحم المجتمع، الطامحة من خلال آلية التداول السلمي على السلطة إلى تنزيل برنامجها الإصلاحي، الذي تعتقد بصوابيته في الإجابات عن الإشكالات ذات الشأن العام المرتبطة بتحقيق التنمية والنهضة للبلاد، إذا ما حظي بالتأييد الشعبي الضروري لتنزيله عبر آلية صناديق الاقتراع في إطار انتخابات حرة ديمقراطية ونزيهة.

ثانيا في عناصر المفهوم

على قاعدة التعريف السالف الذكر للحزب السياسي، يمكن استنباط أهم عناصر هذا المفهوم في التالي:

1. أنه حزب منبثق من رحم المجتمع:

وهذا يعني أن الحزب هو نتيجة التفاعلات الداخلية لحركية المجتمع والتي تنتج باستمرار تعبيراتها من ذاتها، وهذه الحركية المنتجة تتطلب شروطا موضوعية حتى تنتعش وتعطي بشكل تلقائي، ولهذه الشروط علاقة بظروف الفعل المجتمعي، من حيث إفساح المجال للحريات ومنها الحق في التنظيم والتشكل لكل التعبيرات المجتمعية المعتبرة المنصتة إلى نبض المجتمع، وإلى توجهاته العامة في مجمل الاختيارات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمجتمعية الكبرى له، والساعية إلى حماية المجتمع من كل إرادة تسلطية تكبح نهوضه وتمسخ هويته وتأبد الاستبداد من داخله.

2. أنه حزب متعاقد مع المجتمع:

وهذا يعني أن الحزب ملتزم بوعوده التي قطعها على المجتمع في إطار برامجه وخطاباته، والالتزام هو السعي الحثيث إلى تمثل ما يقول وما يعد به قولا وفعلا بحسب المواقع التي يرتادها سواء في الدفاع عن الاختيارات المجتمعية الكبرى للمجتمع، أو في تنزيل وعوده البرنامجية في حال الحيازة على التأييد الشعبي الواسع المخول لهذا التنزيل، أو في التواضح مع المجتمع في حال عدم القدرة موضوعيا أو ذاتيا على هذا التنزيل، أو في استكمال مسلسل تحرير إرادة المجتمع حتى يستعيد سلطة قراره ويدفع مفسدة الاستبداد الكابحة له.

3. أنه حزب مستقل على أية جهة من خارج مؤسساته:

وهذا يعني أن الحزب لا يخضع إلا إلى ديناميكة إنتاج القرارات من داخله، مما يجعله وفيا لما يقول وما يعد به، ومتحررا من أية قيود خارجية تشوش على استقلالية قراراته، ومنحازا كليا للمجتمع وقضاياه الكبرى في مواقفه وبرامجه ومقترحاته.

4. أنه حزب طامح إلى الوصول إلى السلطة سلميا:

ذلك لأن مبرر وجود حزب هو طموحه إلى الوصول إلى السلطة سلميا، قصد تنفيذ برنامجه السياسي الذي يعتقد بصوابيته لإيجاد حلول لمشاكل البلاد، والذي هو أساس تعاقده مع المجتمع في حال حيازته على تأييد شعبي واسع عبر انتخابات حرة ديمقراطية ونزيهة.

ثالثا في عناصر الالتزام بمفهوم الحزب

إن الالتزام بالعناصر الأربع لمفهوم الحزب يعد معركة في حد ذاتها، ذلك أن تمثلها يتطلب كفاحا ذاتيا وموضوعيا،

1. في الكفاح الذاتي:

ويبتدأ أصلا من ظروف النشأة، فالحزب الذي تكون نشأته نتاج حركية تبادل للأفكار والتوجهات بهدف صناعة عقل جماعي بهويته المعرفية والمذهبية الكبرى، هو الحزب الذي تكون ولادته سليمة، ومن كانت ولادته سليمة زرع البذور الأولى لقوة شخصيته وتواجده وقوة قراراته، فالحزب القوي ليس –تأسيسا- من يمتلك جمهورا كثيفا من الرواد والأتباع ، وليس –تأسيسا- ذاك الحزب الذي يمتلك عددا كافيا من الفروع والممثلين، وليس –تأسيسا- ذاك الذي يمتلك آلة تعبوية قوية مسخرة لحشد الكثافة العددية في المهرجانات، لأن ذاك كله زبد ما يلبث أن يذهب جفاء، الحزب القوي هو من كانت نشأته حرة وناتجة عن قرار ذاتي مستقل ومعافية من أي تشويش، وملتحمة في توجهاتها مع الاختيارات المجتمعية الكبرى للمجتمع في تحرير إرادته واستعادة سلطته.

إن عربون الانحياز الكلي للمجتمع وقضاياه يمر عبر سلامة دواعي النشأة من كل تشويشات أو خلفيات تكون الغاية من ورائها تجديد إرادة الاستبداد ومصادرة سلطة المجتمع في التقرير والتنفيذ والتقويم.

2. في الكفاح الموضوعي:

ذلك أن انتزاع هوية الحزب المتمثلة في الأضلع الأربعة السابقة الذكر (حزب منبثق من رحم المجتمع، مستقل عن أية جهة خرجية، متعاقد مع المجتمع، وطامح إلى الوصول إلى السلطة)، درب دونه مكابدة مع الأشواك والمعيقات التي تعترض طريقه، فأن يكون الحزب متعاقدا مع المجتمع يعني أن يقول ما يفعل ويفعل ما يقول، وأن يكون كذلك، يعني إدراكه بقيمة ما يقول وما يعد به وحجمهما والقدرة على الالتزام بما يقول، وعلى هذا الأساس فالحزب الذي ينتصب راهنا أمام الناس مدعيا القدرة على حل مشاكل المجتمع وتحسين ظروف العيش ما حاز تأييدهم، هو حزب في تقديري يصنع الوهم، وهو يعلم يقينا أن آلية تنفيذ البرامج الموعود بها معطلة دستوريا.

أن يكون الحزب متعاقدا مع المجتمع، هو أن يكون مصداقيا في خطابه، أن يتبنى برنامجا ذو نفس نضالي وليس تقنيا، بمعنى أن يكون خطابه منسجما مع حال الوضع الدستوري والسياسي للبلاد الذي يؤطر العملية الانتخابية وآليات التقرير والتنفيذ،

الحزب المتعاقد مع المجتمع لا يصنع الوهم الانتخابي، بل هو يؤسس للوعي بمعيقات الإصلاح ويجعل من لحظات المهرجانات والتواصل مع الناس لحظات للتعبئة من أجل الإصلاح، ومن أجل الانخراط في مسلسله ومن أجل استكمال حلقات تحرير المجتمع واستعادة سلطته،

وأخيرا فإن الحزب بمفهومه الذي بيناه من خلال عناصره الأربع هو الحزب الذي يكافح من أجل إرساء المعنى الحقيقي دستوريا لمبرر وجوده المتمثل في سعيه السلمي والديمقراطي للوصول إلى السلطة بغاية تنفيذ برنامجه السياسي، وليس فقط بغاية تنظيم المواطنين وتمثيلهم.

خلاصات جامعة

يمكن تكثيف أهم خلاصات هذه المقالة في التالي:

1. إن التلازم التبعي بين المعرفة والسياسة ينبغي أن يظل متصلا في الزمن، والطلاق بينهما (كما هو حاصل في الصورة المغربية) يؤسس للحربائية، وتتيه المبادئ ويضيع المعنى والمعقول،

2. إن إعادة الاعتبار لعلاقة السياسة بالمعرفة يعد في تقديري من الورشات الإصلاحية التي ينبغي أن تدرج ضمن أجندة ورشات الإصلاح الكبرى، وهي تحتاج أيضا إلى مجهود معرفي ثقافي وسلوكي أيضا غير مفصول على العملية الإصلاحية ذاتها ميداينا،

3. يمكن أن نقعد لمفهوم الحزب السياسي من خلال عناصر أربع: حزب منبثق من رحم المجتمع، حزب مستقل عن أية جهة خارجه، وحزب متعاقد مع المجتمع يقول ما يفعل ويفعل ما يقول سواء في وعوده أو في تنبيهه إلى معيقات الإصلاح عموما، وحزب طامح للوصول إلى السلطة لتنفيذ برنامجه السياسي عند حيازته على التأييد الشعبي الواسع عبر انتخابات حرة ديمقراطية ونزيهة.

للاطلاع على الحلقة الأولى والثانية يرجى الرجوع إلى الرابطين:

مفاهيم سياسية للنقاش والنظر: في مفهوم الإصلاح
مفاهيم سياسية للنقاش والنظر: في مفهوم السياسة

*abouachrine@hotmail.com
https://www.facebook.com/pages/Ansari-ahmed/323040671092394
المصدر 
http://www.hespress.com/writers/116861.html

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

مشروع قانون تنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية - الصيغة الجديدة

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

دراسة في القانون : الطبيعة القانونية لمقرر حفظ الشكاية (1/3)

مما لاشك فيه، أن معظم الأنظمة القانونية تخول للنيابة العامة بوصفها ممثلة للمجتمع، صلاحية تحريك الدعوى العمومية ضد كل شخص ارتكب جريمة  من الجرائم بالنظر لما تحدثه من اضطراب داخل المنظومة المجتمعية.

يقوم نظام المتابعة الجنائية على مبدأين، الأول وبمقتضاه لا تملك النيابة العامة سلطة تقدير ملاءمة تحريك أو رفع الدعوى الجنائية، بحيث يتوجب على النيابة العامة بمجرد علمها بارتكاب جريمة ، تحريك الدعوى العمومية ضد الفاعل الأصلي (والمساهم أو المشارك إن وجدا) الذي نسبت إليه في المحضر أو الشكاية أو الوشاية، على اعتبار أن تقدير الأدلة متروك أمره إلى القضاء سواء كان قضاء التحقيق أو قضاء الحكم، وهذا المبدأ يعرف بشرعية المتابعة.
أما الثاني فبموجبه يتم تخويل النيابة العامة سلطة تقديرية في تحريك الدعوى العمومية من عدمها بناء على ما توفر لديها في المحضر أو الشكاية أو الوشاية، فإذا ارتأى نظرها تحريك المتابعة أحالتها على قضاء التحقيق أو قضاء الحكم، أما إذا قررت العكس فإنها تصدر مقررا بحفظ الشكاية أو المتابعة  ضد من نسب إليه الفعل الجرمي.
وباستقراء موقف بعض التشريعات المقارنة يتضح جليا أنها تبنت المبدأ الثاني القاضي بتخويل النيابة العامة سلطة تقديرية في تحريك المتابعة أو حفظها، وفي هذا الصدد نصت المادة 61 من قانون الإجراءات الجنائية المصري على ما يلي:» إذا رأت النيابة العامة أن لا محل للسير في الدعوى، تأمر بحفظ الأوراق». كما ذهب قانون المسطرة الجنائية الفرنسي في التوجه نفسه من خلال الفصل 40-1 في فقرته 3 المعدل بمقتضى قانون رقم 204- 2004. 
وفيما يخص المشرع المغربي فإذا كانت المادة 383/ من قانون المسطرة الجنائية لسنة 1959 الملغى لم يرد فيها مصطلح الحفظ، فإن القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية لسنة 2003 نص صراحة على هذا المصطلح، وعليه ففيما يخص وكيل الملك نصت الفقرة 4 من المادة 40 من القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية «...يحيل ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من إجراءات بشأنها، إلى هيآت التحقيق أو إلى هيآت الحكم المختصة أو يأمر بحفظها بمقرر يمكن دائما التراجع عنه...» أما بالنسبة إلى الوكيل العام للملك فقد نصت الفقرة 5 من المادة 49 «...يحيل الوكيل العام للملك ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات وما يتخذه من إجراءات بشأنها، إلى هيآت التحقيق أو إلى هيآت الحكم المختصة أو يأمر بحفظها بمقرر يمكن دائما التراجع عنه...».
ومن منطلق المسؤولية الملقاة على عاتق النيابة العامة كجهاز قضائي لا يسعى إلى الإدانة، بقدر ما يسعى إلى تطبيق القانون، التطبيق السليم وتحقيق العدالة، فإنه يتعين على أعضائها توخي الحيطة والحذر في شأن المحاضر والشكايات والوشايات المحالة عليها، مع ملاءمة الإجراء للوقائع والأدلة بشكل يضمن حرية المواطن، علاوة على التزام الحياد والمصداقية في كل ما يقومون به من إجراءات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية مقرر الحفظ الصادر عن النيابة العامة في شأن جريمة من الجرائم، على اعتبار أن عمل النيابة العامة يجمع بين ما هو إداري وآخر قضائي، الشيء الذي يدفعنا إلى طرح التساؤل حول طبيعته القانونية، هل يعتبر مقرر حفظ الشكاية مقررا قضائيا صادرا عن سلطة قضائية أم مقررا إداريا؟.
إن الإجابة على التساؤل المطروح المتعلق بالطبيعة القانونية لمقرر حفظ الشكاية يفرض علينا أولا وقبل كل شيء تحديد مفهومه. لذلك سوف نعالج في مبحث أول مفهوم مقرر الحفظ على أن نخصص المبحث الثاني لطبيعته القانونيــة

المبحث الأول: مفهـــوم مقرر الحفظ
إن تحديد مفهوم مقرر حفظ الشكاية من قبل النيابة العامة، يقتضي منا استعراض بعض الآراء سواء على المستوى الفقهي أو على المستوى القضائي.
أولا ـ التعريف الفقهــــي
في ظل غياب تعريف تشريعي لمقرر الحفظ الذي تصدره النيابة العامة، تصدى الفقه لهذه المهمة على اعتبار أن وضع التعاريف يدخل في صميم العمل الفقهي، لذلك كان من الطبيعي أن تتباين التعاريف الفقهية في هذا الصدد.
وفي هذا الإطار، ذهب بعض الفقه المصري إلى القول إن قرار الحفظ أمر يصدر عن النيابة العامة في واقعة سواء كانت جناية أم جنحة أم مخالفة، عقب جمع الاستدلالات، وقبل مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق.
  بينما عرفه البعض الآخر بأنه أمر إداري من أوامر التصرف في الاستدلالات، تصدره النيابة العامة لتصرف به مؤقتا عن إقامة الدعوى أمام محكمة الموضوع بغير أن يحوز أي حجية يقيدها.
وفي السياق نفسه اعتبر اتجاه آخر بأنه إجراء إداري تصدره النيابة العامة، بناء على محضر جمع الاستدلالات بمقتضاه تعدل النيابة العامة عن توجيه اتهام ورفع الدعوى العمومية نظرا لعدم صلاحيتها للسير فيها.   
كما ذهب تعريف آخر إلى القول بأن مقرر الحفظ إجراء إداري يصدر عن النيابة العامة بوصفها السلطة الإدارية المهيمنة على جمع الاستدلالات، عملا بالمادة 61 من قانون الإجراءات الجنائية وما بعدها، ويجوز العدول عنه في أي وقت، ولا يقبل تظلما، أو استئنافا من المجني عليه أو المدعي بالحقوق المدنية.
 ذ/ لحسن الزتوني ,بـــاحث فـي العلوم القانونيـــة

اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

قرار محكمة النقض: الضرب المبرح كالضرب غير المبرح يعتبر ضررا لاحقا بالزوجة.

قرار عدد 88
بتاريخ 2001/01/24
في الملف الشرعي عدد 99/1/2/497
منشور بكتاب قضاء محكمة النقض في مدونة الاسرة 
من سنة 1957 الى 2012
معلق على بعض القرارات.
المكتبة القانونية 24
عبد العزيز توفيق
رئيس غرفة شرفي بمحكمة النقض
محام بهيئة الدار البيضاء.
التطليق للضرر الضرر المبرح كالضرب غير المبرح

اقرار المطلوب في سائر أطوار التقاضي بأنه يضرب زوجته ضربا غير مبرح عندما تسبه، قصد تأديبها،دون أن تبين المحكمة من أين استاقت أن الضرب المعترف به من طرف المطلوب هو ضرب غير مبرح،رغم تكرار هذا الضرب يفقد القرار أساسه القانون.
اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

قرار محكمة النقض:وجود الزوجة والأبناء ببيت الزوجية لايكون قرينة على إنفاق الأب عليهم

قرار عدد 638
بتاريخ 15/11/2006
في الملف الشرعي عدد 240/2/1/2006
منشور بكتاب قضاء محكمة النقض في مدونة الاسرة 
من سنة 1957 الى 2012
معلق على بعض القرارات.
المكتبة القانونية 24
عبد العزيز توفيق
رئيس غرفة شرفي بمحكمة النقض
محام بهيئة الدار البيضاء.


وجود الزوجة والأبناء ببيت الزوجية لايكون قرينة على إنفاق الأب عليهم،إلا إذا كان حاضرا ويعيش معهم تحت سقف واحد،أما وأنه يسكن بعيدا فان استغلالها لممتلكاته لا يعفيه كليا من التزامه، لعدم ثبوت أي ريع قار يمكن الاعتماد عليه،لتغطية حاجياتها منه من عدمه.
اقرأ المزيد…
اقرأ المزيد »

مقترح قانون رقم 13-68-5 يقضي بتفعيل دور و مكانة المعارضة البرلمانية وفق الفصل 10 من الدستور

اقرأ المزيد »

مقترح قانون رقم 13-67-5 يرمي إلى إلغاء عقوبة الإعدام

اقرأ المزيد »

page