Tuesday, June 04, 2013

دراسة في القانون: المحاكمة العادلة على ضوء المواثيق والمعاهدات الدولية والعمل القضائي الدولي (الحلقة الأخيرة)

تعتبر المحاكمة العادلة من أهم مواضيع حقوق الإنسان، وهي مؤشر على مدى احترام الدولة لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، ومقياس أصيل
 في بناء دولة القانون.    وقد يعتقد البعض عن خطأ أن المحاكمة العادلة ضماناتها تخص القضاء الجنائي وحده، بيد أن المحاكمة العادلة
 تصورها وضرورتها وتجلياتها تمتد لتشمل القضاء المدني وغيره من شعب القضاء الأخرى.

الالتزام بكفالة حرية الممارسة الكاملة لتلك الحقوق والحريات، على هذا النحو يعني واجب الدول الأطراف تنظيم الأجهزة الحكومية وكل الهياكل التي تمارس من خلالها السلطة العامة على النحو، الذي يجعلها قادرة على أن تؤمن قانون حرية التمتع تمتعا كاملا بحقوق الإنسان، ونتيجة لذلك يجب على الدول أن تمنع وتتقصى وتعاقب أي انتهاك للحقوق التي تعترف بها الاتفاقية، وأن تسعى، إن أمكن بالإضافة إلى ذلك، إلى إعادة الحق المنتهك وتوفير التعويض على النحو الذي تبرره الأضرار الناتجة عن الانتهاك..
وقد أضافت المحكمة المذكورة أن الالتزام بكفالة حرية ممارسة حقوق الإنسان ممارسة كاملة لا يتم الوفاء به بمجرد وجود نظام قانوني ييسر الامتثال، بل هو يقتضي أيضا من الحكومات أن تتصرف على النحو الذي يكفل فعلا حرية ممارسة حقوق الإنسان ممارسة تامة.
وفي ما يخص مسألة المنع أكدت المحكمة أن الدولة تتحمل واجبا قانونيا قوامه اتخاذ كافة الخطوات المعقولة لمنع انتهاكات حقوق الإنسان واستخدام الوسائل الموضوعة تحت تصرفها لإجراء تحقيقات جادة في الانتهاكات المرتكبة  ضمن حدود ولايتها. والتعرف على هوية الأشخاص المسؤولين، وفرض العقوبة الملائمة، وأن تكفل للضحية التعويض الملائم.
والواجب القانوني الذي تتحمله الدول الأطراف في الاتفاقية باحترام وتأمين الحقوق على نحو ما حددته محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، هو واجب متعدد الأوجه وينفذ إلى صميم هياكل الدولة بأسرها، وبالإضافة إلى محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، هناك لجنة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان والتي تعني كذلك باحترام حقوق الإنسان والدفاع عنها بما في ذلك المحاكمة العادلة، وبذلك فهي تساهم من خلال توصياتها إلى إشاعة الوعي بحقوق الإنسان داخل الأقاليم الأمريكية التي تنشط فيها.
ونؤكد في الأخير، أن محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان تتألف من 7 قضاة ينتخبون بصفتهم الشخصية، والأحكام الصادرة عن المحكمة نهائية بحيث تتعهد الدول الأطراف بالامتثال لتلك الأحكام في أي قضية تكون تلك الدول طرفا فيها.
وقد تناولت اللجنة والمحكمة عددا لابأس به من القضايا التي يمكن الوقوف عليها في التقارير السنوية المقدمة من  قبل كل منهما. 
لقد كانت هذه محاولة تأصيلية لضمانات المحاكمة العادلة سواء على مستوى الاتفاقيات الدولية أو على مستوى أحكام القضاء الدولي، علما أن الشريعة الإسلامية كانت سباقة إلى هذا التأصيل بإقرارها ومند 14 قرنا مضت لضمانات المحاكمة العادلة سواء في الكتاب أو السنة أو عمل الصحابة رضي الله عنهم؛ قال تعالى في سورة الإسراء : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " والذي يمثل بحق مضمون مبدأ الشرعية الجنائية " لا جريمة و لا عقاب إلا بنص "، وكذا من خلال قوله تعالى: " وإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين "، والذي يشكل دلالة على ضرورة التحري والبحث والإتيان بالحجة الدامغة للتصريح بالإدانة أو البراءة في إطار القناعة الوجدانية للقاضي الجنائي،  على اعتبار أن تبرئة مائة متهم خير من إدانة بريء.
وتكريسا لمبدأ المساواة أمام القضاء كإحدى ضمانات المحاكمة العادلة قال رسول الله عليه وسلم: " من ولي القضاء فليعدل في المجلس والكلام واللحظ ".
وقال عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: " آسي بين الناس في مجلسك وعدلك ووجهك حتى لا يطمع الشريف في حيفك ولا يتأثر الضعيف من عدلك. 
وثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان أمير المؤمنين وقع في خصام مع أبي بن كعب الذي ادعى نخلا في يد عمر فقال بن كعب: هو لي وقال عمر : هو لي ، فاختصما إلى زيد بن ثابت، فلما انتهيا إليه قال عمر بن الخطاب السلام عليكم، فرد زيد وعليكم السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله فقال عمر: بدأت بجور قبل أن أدخل الباب، فلما دخل قال هاهنا يا أمير المؤمنين فقال: وهذه مع هذه ولكن مع خصمي فقال عمر: هو نخلي في يدي، فقال زيد لابن كعب : هل لك بينة قال لا، قال: فاعف إذا أمير المؤمنين من اليمين فقال عمر : ما زلت جائرا منذ دخلنا عليك وعليك يا أمير المؤمنين ، وها هنا يا أمير المؤمنين، واعف أمير المؤمنين من اليمين ولم يعفيني منها إن عرفت شيئا أخذته بيميني قال ثم أخذته بيميني قال تم حلف عمر أن النخل نخله وما لابن كعب فيه حق فقال ابن كعب: والله إنك لصادق وما كنت تحلف إلا على حق تم قال عمر : هو لك بعدما حلف.

بقلم: يونس العياشي, قاض ملحق بوزارة العدل والحريات 
دكتور في الحقوق



No comments :

اضافة تعليق

الرجاءالتعليق باللغة العربية الفصحى

page

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مدونة القانون المغربي
تصميم : يعقوب رضا