دراسة: القضـاة وواجـب التحفـظ (2/2)


واجب التحفظ هو عبارة عن نوع من تصحيح السلوك أو تهذيب التصرف

كان القضاة وعلى مدى العقود الماضية منضوين أحيانا تحت لواء رابطة القضاة وأحيانا تحت لواء الودادية الحسنية للقضاة في إطار جمعية لها خصوصيتها تأويهم وتضمهم وتعبر عن مطالبهم لدى الجهات المسؤولة بصفتها هيأة مدنية تمثيلية للقضاة.

تكفل مختلف الدساتير في العالم حرية الرأي والتفكير للأفراد. وهو ما نص عليه الدستور المغربي في الفصل 25 حين قال: « حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها.»
وقد جاء هذا المقتضى في الباب الثاني المخصص للحريات والحقوق الأساسية.
والواقع أن حرية الرأي والتعبير تتضمن إمكانية النقد والمعارضة للسياسة الحكومية لأن النظام الديمقراطي يتضمن في الأساس حق المعارضة للحكومة التي تقبض زمام السلطة، فهل تتفق هذه الحرية التي يتمتع بها كافة الأفراد مع وضع القضاة.
الواقع أن القاضي بوصفه مواطنا عاديا يملك حق التعبير عن آرائه بكل حرية وفي الحدود التي يسمح بها القانون، ولكن هذا المواطن حينما تكون له صفة قاض فهل تبقى له نفس الحرية الممنوحة لسائر المواطنين، أم أنها تصبح مقيدة بقيود؟
إن عدم اتفاق القاضي مع التوجهات السياسية للحكومة هو أمر من حقه كمواطن ولكن صفته تفرض عليه عدم عرض وجهات نظره الخاصة بالسياسة الحكومية داخل المحاكم التي يعمل فيها وفي القضايا التي ينظر فيها.
وحيث إن أروقة المحاكم يجب أن تتصف بالحياد تجاه المتقاضين فإنه يخشى أن يؤثر سلوك القاضي ووجهات نظره على واجب الحياد والاستقلال الذي يجب أن يلتزم به فحمل الشارة من طرف القضاة داخل المحاكم يمس باستقلال القضاء ويقحمهم في المجال السياسي.
إن واجب التحفظ هو عبارة عن نوع من تصحيح السلوك أو تهذيب التصرف إذ يفترض في القاضي الاعتدال في سلوكه وحسن النية في تصرفاته، فالمجتمع ينظر إلى القضاء والقاضي نظرة خاصة مملوءة بالوقار والاحترام والهيبة. ولا ينبغي أن يصدر عن القاضي أي سلوك أو تصرف يسيء إلى نظرة المواطنين إلى هيبة القضاء.
لقد أشار الفصل 111 من الدستور إلى أنه يتعين على القاضي الملاءمة بين حرية الرأي والتعبير مع واجب التحفظ.
وتحقيق هذه الملاءمة يقتضي أن لا يعرض القاضي مهنة القضاء للإساءة من خلال بعض تصرفاته حتى لا تكون محل انتقاد واتهام.
فإذا كانت مهمة القاضي تتمثل في تطبيق القانون وتحقيق العدالة، وهي الأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها بواسطة جهاز القضاء، فلا ينبغي لأي عضو من أعضاء الهيأة القضائية أن يعاكس هذا الاتجاه بسلوكه أو تعبيره أو تصرفاته.
إن إساءة استعمال الحق لا تكون حقا بذاتها، وكما هو معروف فإن الدولة شأنها في ذلك شأن أي شخص آخر لا يمكن أن تقبل كل شيء أو أن تتسامح في كل شيء سيما إذا كان ذلك يمس مرافقها وأجهزتها. إن القضاة بحاجة حتما إلى الحرية والحق والعدالة وبحاجة إلى تحسين أوضاعهم الاجتماعية، ولكن هذه الحاجة يجب أن لا تتحول لتصبح قوة ضاغطة على الدولة.
فللقضاة الحق في أن يتظلموا ولكن بشكل يتلاءم مع مكانتهم ونظرة المجتمع إليهم، فهم ليسوا موظفين إداريين عاديين، فهم أطر متميزة ترعاهم الدولة وتسعى إلى تحسين أوضاعهم في حدود الإمكانيات المتاحة.
فقد اختاروا مهنة القضاء ولم يلزمهم أحد بذلك، وحينما يقرر الفرد برغبته اختيار الالتحاق بالقضاء فإن عليه أن يلتزم بالاعتبارات الوطنية ويحترمها.
إن الوظيفة القضائية تتطلب من القضاة المنتمين إليها درجة أكبر من الالتزام، ذلك أن القاضي ينظر إليه في المجتمع نظرة خاصة، إذ لا يقبل منه أن يكون طرفا قي منازعات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وهذا يتطلب من أعضاء السلطة القضائية التزام الحياد التام في المسائل العامة.
ولهذا فإنه من غير المقبول أن يصدر عن أعضاء السلطة القضائية أو بعضهم بعض مظاهر العداء للحكومة أو سياستها.
لقد ورد في الفصل 111 من الدستور بأن للقضاة الحق في حرية التعبير بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية.
وإذا كانت وظيفة القضاة تتمثل في تطبيق القانون وتحقيق المشروعية.
إلا أن ذلك لا ينفي حريتهم في التعبير عن آرائهم، إلا أن ممارستهم لهذه الحرية يجب أن تتم بصورة متوازنة مع طبيعة الوظيفة القضائية التي يمارسونها.

حريـة الـرأي واتخـاذ المواقـف:
لا يمكن تصور وجود حرية تعبير دون وجود حرية رأي. إن حق التعبير عن الرأي هو في حقيقة الأمر نتيجة طبيعته لممارسة حرية الرأي.
إن المشاركة في المواقف العامة قد يكون لها تأثير في الرأي العام واحتمال تعريض بعض مرافق الدولة إلى بعض المخاطر يمكن أن تعتبر خطأ مرفقيا يتحمل القضاة المسؤولية عنه.
فالتلويح بالإضراب وتقديم الاحتجاجات التي تمس السير العادي للعدالة هو إعلان للمواقف ضد سياسة الدولة بعدم الاستجابة لمطالبهم.
لقد منح الدستور المغربي لجميع المواطنين حرية التعبير وللقضاة أن يمارسوا هذا الحق من خلال التعبير عن مشاغلهم، وكل ما هنالك أن عليهم التحفظ والاحتراس وهم يستخدمون هذا الحق المكفول لهم دستوريا إذ يجب أن يكون التعبير عن الرأي في الحدود التي لا تتعارض مع صفتهم كقضاة. وعليهم أن يستحضروا الجهة التي عينتهم.
وقد لوحظ بأن بعض ممثلي القضاة يدلون بتصريحات شفوية أو كتابية للصحافة ويقدمون استجوابات مع الإذاعة يعبرون من خلالها عن مطالبهم ولهم الحق في ذلك. إلا أنه ينبغي أن يتم التعامل مع الصحافة بحذر شديد إذ مع وجود تصريح منشور في جريدة يكون من الصعب إنكار ما نشر لصاحبه، خاصة في الحالة التي يتم فيها تحريف التصريح الأصلي. فقد يتم نشر كلام لا علاقة له بما تم التصريح به من طرف المعني بالأمر مما يجعل من الصعب على المصرح أو المستجوب بعد ذلك الادعاء بتشويه الصحيفة لمقاصده. إن إنكار ما ورد في الصحف من تصريحات أو معلومات يكفي لاعتباره إخلالا من المعني بالأمر بواجب اتخاذ الحيطة والتحفظ، ولو أنه أنكر كل ما نسب إليه بعد ذلك.
كما أن قيام أحد القضاة بتوزيع منشورات خطية على زملائه أو عبر الأنترنيت تتضمن تحريضا على المس بسمعة القضاء وهيبته يعتبر فعلا مخلا بواجب التحفظ.
فعلى القضاة أن يطالبوا ويلحوا في الطلب إلى أن يصلوا إلى مبتغاهم «إن الله يحب العبد الملحاح.» ولكن يجب أن يتوجهوا الوجهة الصحيحة عند الطلب.

بقلم: الدكتـور محمـد خيـري, أستاذ التعليم العالي (سابقا)
محام بهيأة الدار البيضاء

التعليقات متاحة للجميع :

0 comments : “دراسة: القضـاة وواجـب التحفـظ (2/2)”

Enregistrer un commentaire

الرجاءالتعليق باللغة العربية الفصحى

page