Showing posts with label مقالات. Show all posts
Showing posts with label مقالات. Show all posts

Sunday, January 27, 2019

مستجدات تنفيذ أحكام القضاء الإداري ذ. مصطفی سیمو

مستجدات تنفيذ أحكام القضاء الإداري

ذ. مصطفی سیمو

رئيس المحكمة الإدارية بالرباط


السيدات و السادة الأفاضل
أود بداية أن أتوجه بجزيل الشكر للمنظمين على إتاحة الفرصة لي اليوم للحضور و المشاركة في هذه الندوة الهامة والناجحة التي أعتبرها بمثابة امتداد للنقاشات العلمية الرفيعة التي عرفها الحوار الوطني حول الإصلاح العميق و الشامل لمنظومة العدالة، كما أشكرهم أيضا على تخصيص أحد محاور الندوة الثلاثة لهذا الموضوع بالذات الذي يهم تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية، فهو موضوع الساعة بامتياز، و هو أيضا يصب في صميم الانشغالات اليومية للمحكمة الإدارية بالرباط التي أتشرف حاليا برئاستها، باعتبارها محكمة تنفيذ على الصعيد الوطني.....
لن أكرر اليوم نفس الحديث الذي نردده جميعا و دائما حول أهمية تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية أو عن علاقة ذلك بأحكام الدستور أو بتكريس مفهوم دولة الحق و القانون أو مبدأ استقلال القضاء أو ضمان الأمن القضائي أو تحفيز الاستثمار أو غير ذلك ..، فهذا كلام لفرط ما قيل و تكرر من دون أن يفرز نتائج يلمسها المواطن و المتقاضي، أصبح لازمة ثقيلة ومستهلكة لا يمكن الترديدها إلا أن يصيب المستمع بالعزوف و الملل، بل و تحول إلى مجرد شعارات موسمية فضفاضة نسوقها و نتغنى بها من حين لآخر ثم سرعان ما تخفت هذه الشعارات ويلفها النسيان، وقد ساهم في ذلك أن عملنا القضائي - وهذا يمكن اعتباره من باب النقد الذاتي - كان في كثير من الأحيان و ليس في جميعها طبعا، كان ينأى عن ممارسة كامل صلاحياته في هذا الباب، مقدما المسوغات تلو المسوغات التبرير عدم اضطلاعه بكامل مسؤولياته في هذا المجال وفق ما يخوله اله القانون، علما أن هذه المسؤوليات لا تتجسد في أكثر من مجرد الحرص على الإيصال الفعلي للحقوق إلى أصحابها. وبذلك فإنني أستطيع أن أجزم اليوم بأن المسؤولية عن عدم تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية لم تكن ترجع للإدارة فحسب، بل نتحملها نحن القضاة بالدرجة الأولى .
بيد أنني أعتقد جازما أن التوجيهات الملكية السامية الواضحة والمباشرة الواردة في الخطاب التاريخي لعاهل البلاد وقاضيها الأول صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة، لابد أن وقعها سيضع حدا لهذه المقاربة غير الفعالة في تعاطي السلطات المعنية مع مسألة تنفيذ الأحكام القضائية، هذا الخطاب الذي تضمن تشریحا دقيقا الظاهرة التقاعس في تنفيذ الأحكام القضائية، أرى من المفيد جدا تلاوة فقرات منه على أسماع حضراتكم، حيث جاء فيه ما يلي :
" كما أن المواطن يشتكي بكثرة، من طول و تعقيد المساطر القضائية، ومن عدم تنفيذ الأحكام، وخاصة في مواجهة الإدارة.
فمن غير المفهوم أن تسلب الإدارة للمواطن حقوقه، وهي التي يجب أن تصونها وتدافع عنها. وكيف لمسؤول أن يعرقل حصوله عليها وقد صدر بشأنها حكم قضائي نهائي؟
كما أنه من غير المعقول، أن لا تقوم الإدارة حتى بتسديد ما بذمتها من ديون للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بدل دعمها وتشجيعها، اعتبارا لدورها الهام في التنمية والتشغيل."
انتهى النطق الملكي السامي
وهكذا يتبين من القراءة المتأنية للفقرة الأولى أعلاه، أن المأخذ التي تضمنها الخطاب الملكي السامي، ليست موجهة فقط إلى السلطة التنفيذية، بل إنها تعني جميع الجهات المتدخلة في عملية تنفيذ الأحكام الإدارية و على رأسها السلطة القضائية، و ذلك من منطلق أن المشرع، وخلافا لما يمكن أن يعتقده البعض، قد خول فعلا للقضاء جميع الأدوات والصلاحيات اللازمة لتمكينه من تنفيذ أحكامه، وسواء كانت هذه الأحكام صادرة ضد الإدارة أو في مواجهة غيرها، و بما لم يدع أي مبرر بعد ذلك لأن يبقى القضاء في ظل هذه النصوص القانونية المتاحة، مكتوف الأيدي و مستسلما أمام ظاهرة عدم تنفيذ الأحكام القضائية
وقد كان يبدو للبعض أن إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية في المغرب تنطلق من غياب مسطرة خاصة بتنفيذ هذه الأحكام، ما دام أن قانون المحاكم الإدارية الذي اكتفي بوضع مادة فريدة في ميدان التنفيذ، هي المادة 49 التي تنص على أن التنفيذ يتم بواسطة كتابة ضبط المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم، لا يتضمن مسطرة خاصة بالتنفيذ، وأن هذا القانون وإن أحال إلى مقتضيات قانون المسطرة المدنية إلا أن هذا الأخير لم يتضمن مقتضيات خاصة بالتنفيذ في مواجهة أشخاص القانون العام. إلا أن أحكام قانون المسطرة المدنية فيما يتعلق بالتنفيذ تبقى واجبة التطبيق لأنها لم تميز الإدارة عن باقي المنفذ عليهم وبالتالي لا يمكن أن نطبق أحكام قانون المسطرة المدنية في حالات ونعطلها في حالات أخرى فإعمال النص أولى من إهماله كما يقال.
و في الواقع، فإذا كان من الواجب الاعتراف بالدور الإيجابي الذي لعبه مسؤولو بعض الإدارات وأشخاص القانون العام في مجال التنفيذ التلقائي للأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد مؤسساتهم لدرجة أصبحت معها هاته الإدارات نماذج في هذا الباب....، إلا أن مثل هذه الحالات كانت تبقى نسبيا محدودة، وفي الغالب أن التنفيذ لم يكن يتم إلا بعد تحرير محاضر بامتناع الإدارة عن التنفيذ ثم اللجوء في مواجهتها إلى إجراءات التنفيذ الجبري.
وغالبا ما يكون عدم التنفيذ ناتجا عن موقف سلبي من قبل الإدارة لكن غير صريح، بحيث تقوم الإدارة بتفادي التنفيذ عبر التذرع بصعوبات قانونية أو مسطرية أو واقعية واهية وغير جدية أو عبر التراخي في التنفيذ أو من خلال تنفيذ الحكم بشكل معيب أو ناقص، و يتم في هذه الحالات استنتاج امتناعها عن التنفيذ حسب المفهوم الذي أورده المشرع في الفصل 460 من قانون المسطرة المدنية، وأحيانا قد ترفض الإدارة تنفيذ الحكم بشكل صريح، إلا أن هذا النوع من الامتناع نادر الوقوع، ولهذا فإنني لا أتفق مع توجه قضائي يعتبر أن امتناع الإدارة عن التنفيذ ينبغي أن يكون صريحا و صادرا عن رئيس الإدارة بصورة شخصية تحت طائلة عدم الاعتداد بهذا الامتناع وتبعا لذلك عدم المصادقة على الحجز لدى الغير أو عدم الحكم بغرامة تهديدية،
والحال أن الامتناع بهذا المفهوم ليس ضروريا، كما أن التصديق على الحجز لدى الغير لا يتوقف قانونا على تحقق امتناع عن التنفيذ، بل على وجود سند تنفيذي لم يدل المدين بما يثبت براءة ذمته منه...
إذن فما هي إجراءات التنفيذ الجبري التي ينبغي اللجوء إليها في مواجهة الإدارة؟ و ما هي الإجراءات غير الجبرية البديلة التي قد يتم من خلالها التوصل إلى تنفيذ الأحكام؟
 أولا: إجراءات التنفيذ الجبري:
إذن رغم عدم وجود نص خاص بإجراءات التنفيذ في مواجهة أشخاص القانون العام، و في انتظار القانون الجديد المرتقب للمسطرة المدنية، فإنه يمكن أو على الأصح يجب ولا شيء يمنع من اللجوء إلى القواعد العامة الحالية للتنفيذ الجبري، و التي تتيح القيام بما يلي : 
1- الحجز على المنقولات، وقد سارت المحكمة الإدارية بالرباط مؤخرا في اتجاه تلافي إيقاع و اعتماد هذا النوع من الحجوزات لكونها غالبا ما تنصب على أدوات العمل بمفهوم الفصل 458 من قانون المسطرة المدنية والتي يحظر حجزها (سيارات و حافلات نقل الموظفين، تجهیزات المكاتب، شاحنات نقل النفايات أو آلات تنفيذ الأشغال العمومية..)، بل إنه تم اعتبار من خلال أحد الأحكام أن وسائل نقل الموظفين تعتبر من بين مجسدات المزايا المكملة للأجر بالنسبة لهذه الفئة وبالتالي فحجزها فيه مساس بذممهم المالية كأغيار. م
 2- الحجز على العقارات التي تملكها الإدارات أو الجماعات إذا لم تكن قد أقيمت فوقها منشآت للمنفعة العامة، وقد تم لدى المحكمة الإدارية بالرباط حجز عقار يدخل ضمن أملاك الدولة الخاصة تنفيذا لحكم بالأداء في مواجهة الدولة - قطاع التربية الوطنية، و كانت هذه المسطرة مجدية في الإجبار على التنفيذ.
3 - الحجز لدى الغير، الفصول 488 وما يليه من قانون المسطرة المدنية، وقد استقر العمل القضائي على جواز الحجز على اعتمادات الإدارات لدى الخزينة العامة لعدم وجود نص قانوني يمنع ذلك، وفي حال امتناع هذه الأخيرة عن تحويل المبالغ المحجوزة بعد المصادقة على الحجز يتم إيقاع حجز على حسابها لدى مؤسسة بنك المغرب، ويتعين في هذا الباب الإشادة بالموقف الإيجابي لمؤسسة بنك المغرب و بعدها الخزينة العامة، ودور منشور رئيس الحكومة في تيسير تحويل الأموال المحجوزة مباشرة من الخزينة العامة 
4- الغرامة التهديدية الفصل 448 ضد الإدارة أو ضد المسؤول، وقد استقر العمل القضائي للمحكمة الإدارية بالرباط في هذا الباب على إرساء ما يلي: - أن تحديد الغرامة التهديدية على تنفيذ الأحكام القضائية النهائية القاضية بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل، يكون في مواجهة الممتنع عن التنفيذ، الذي أسماه الفصل 448 من قانون المسطرة المدنية "المنفذ عليه" وليس "المحكوم عليه" وهي عبارة يتجاوز معناها شخص هذا الأخير لتتسع لكل من يقوم مقامه في التنفيذ، ويندرج ضمن هذا المفهوم بالطبع، ممثل الشخص المعنوي العام المحكوم عليه، شرط أن يكون امتناعه عن التنفيذ غير مبرر حسبما يستشف من عبارة " إذا رفض المنفذ عليه " التي وردت في هذا المقتضى القانوني، كما أن الاختصاص في تحديد الغرامة يبقى منعقدا أيضا في هذه الحالة لرئيس المحكمة الإدارية طالما أنه هو المشرف على التنفيذ.
- أن موقف المشرع الدستوري ل 29 يوليوز 2011 جاء حاسما بشكل نهائي وواضح عندما أقر هذا التوجه بمقتضى الفصل 126 من دستور المملكة الذي نص على أن الأحكام القضائية النهائية تعتبر ملزمة للجميع، وهو المنحى الذي سارت على هدیه مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية المرتقب في مادته 587 التي أقرت إمكانية إصدار قاضي التنفيذ الغرامة تهديدية في مواجهة شخص القانون العام المنفذ عليه أو المسؤول عن التنفيذ أو هما معا.
هذا الاتجاه تم تأييده من طرف محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بمقتضى قرارها الصادر في قضية محمد العطاوي ضد رئيس جماعة تونفيت تأييدا لحكم صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بمكناس، كما أن محكمة النقض سبق لها تأييد حكم مماثل لرئيس المحكمة الإدارية بالرباط
ضد وزير الصحة من زاوية الاختصاص النوعي بعدما تقدم الوكيل القضائي للمملكة بطعن بالاستئناف بهذا الخصوص. ثانيا: - الإجراءات البديلة: الاجتماعات القطاعية.. وهي اجتماعات تتم برعاية وزارة العدل و الحريات :
فتحت إشراف وزير العدل والحريات، جرت العادة أن يقوم رئيس المحكمة الإدارية بالرباط بالدعوة على امتداد الأشهر الثلاثة الأخيرة من كل سنة، لحضور اجتماعات مع جميع القطاعات الوزارية المعنية بعملية التنفيذ والوكالة القضائية للمملكة، تتم هذه الاجتماعات بمقر الوزارة، و الغاية منها تدليل الصعوبات ورفع العراقيل التي تعترض تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارات العمومية برسم السنة الجارية
لا بد من الإشارة أيضا إلى أن تعيين قاض مكلف بالتنفيذ خلال افتتاح السنة القضائية 2015 مع جعله متفرغا لهذه المهمة أعطى قيمة مضافة للتنفيذ، حيث لا شك أن ذلك ساهم وسيساهم في إعادة هيكلة قسم التنفيذ على أسس تروم تحقيق النجاعة عبر إعادة تنظيم وتغيير أسلوب العمل به، مع إتاحة إمكانية تواصل جميع المتدخلين معه والرجوع إليه من أجل إيجاد حلول لبعض الإشكاليات التي قد تثار على مستوى تنفيذ الأحكام والتي تتطلب في كثير من الأحيان التدخل الفوري.
وفي هذا الإطار، تم إشعار هيئات المحامين وجميع ممثلي القطاعات الوزارية أن باب التواصل مع المحكمة الإدارية بالرباط سيبقى مفتوحا باستمرار وعلى مدار السنة كلما دعت الضرورة إلى ذلك لتدليل الصعاب التي تعترض عملية التنفيذ ولإيجاد الحلول الناجعة بما يتلاءم وصيانة الحقوق في ظل المشروعية - المواكبة المستمرة لوزارة العدل و الحريات سواء على مستوى مؤسسة الوزير.. أو مديرية الشؤون المدنية ولمؤسسة وسيط المملكة
- الاتفاقيات الأخيرة التي تم توقيعها مع بعض أشخاص القانون العام:
لما كان التنفيذ في مواجهة أشخاص القانون العام يستتبع في كثير من الأحيان اللجوء إلى بعض إجراءات التنفيذ الجبري التي تبقى على أهميتها وقانونيتها، ذات تأثير بالغ على المصلحة العامة وخصوصا منها إجراءات الحجز على اعتمادات الإدارة لدى الخزينة العامة للمملكة وغيرها والتي قد تحدث ارتباكا في تسيير المرفق العمومي. فإن عددا مهما من الإدارات و المؤسسات العمومية كجهة منفذ عليها لها ملفات تنفيذ مفتوحة في مواجهتها بالمحكمة الإدارية بالرباط، استجابت بإرادة كبيرة لفكرة توقيع التزامات كتابية بتنفيذ الأحكام القضائية التي لا تزال قید مسطرة التنفيذ في ظل جدولة زمنية واضحة محددة بمقتضى اتفاقيات الغاية منها تحقيق الموازنة بين حقوق طالبي التنفيذ وبين ضرورة تأمين حسن سير المرفق العام الذي تشرف عليه الإدارة
وتجد هذه الاتفاقيات سندها وصفة موقعيها في مقتضيات الفصل 243 من قانون الالتزامات والعقود الذي نص على ما يلي:" إذا لم يكن هناك إلا مدين واحد، لم يجبر الدائن على أن يستوفي الالتزام على أجزاء، ولو كان هذا الالتزام قابلا للتجزئة، وذلك ما لم يتفق على خلافه إلا إذا تعلق الأمر بالكمبيالات.
مع ذلك، يسوغ للقضاة، مراعاة منهم لمركز المدين، ومع استعمال هذه السلطة في نطاق ضيق، أن يمنحوه اجالا معتدلة للوفاء، وأن يوقفوا إجراءات المطالبة، مع إبقاء الأشياء على حالها". وتنص المادة الأولى من هذه الاتفاقيات على أن القضايا المعنية بها هي جميع أحكام دعاوی الموضوع المرتبطة بالأداء والتعويض والإلغاء دون القضايا الإستعجالية أو قضايا إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية والديون العمومية و بمقتضى المادة الثانية، تلتزم الجهة المنفذ عليها، بخصوص ملفات التنفيذ التي تم إرسال إعذار بالتنفيذ بشأنها قبل تاريخ توقيع هذه الاتفاقية، بتنفيذ الأحكام المذيلة بالصيغة التنفيذية المتعلقة بها داخل أجل ستة أشهر بالنسبة للإدارات و ثلاثة أشهر بالنسبة للمؤسسات العمومية و شركات الدولة تبتدئ من تاريخ هذا التوقيع، ويبقى هذا الأجل قابلا للتمديد عند الاقتضاء بطلب من المنفذ عليها وموافقة رئيس المحكمة بعد تأكده من جدية التنفيذ.
أما بالنسبة لملفات التنفيذ الجديدة، فقد جاء في المادة الثالثة أن الجهة المشرفة على التنفيذ تقوم بمراسلة الجهة المنفذ عليها بواسطة مراسلة إدارية عادية مرفقة بنسخة تنفيذية للحكم موضوع طلب التنفيذ تبين فتح ملف تنفيذي جديد بالمحكمة. وتلتزم الجهة المنفذ عليها تبعا لذلك بتنفيذ الأحكام المذيلة بالصيغة التنفيذية المتعلقة بها داخل نفس الأجل المتفق عليه في المادة الثانية تبتدئ من تاريخ توصلها بالمراسلة المذكورة، ويبقى هذا الأجل قابلا للتمديد عند الاقتضاء بطلب من المنفذ عليها وموافقة رئيس المحكمة بعد تأكده من جدية التنفيذ.
وبالطبع، ولتحقيق الغاية من الاتفاقية، نصت المادة الرابعة منها على توقف جميع مساطر التنفيذ غير الرضائية خلال الأجل المشار إليه خاصة ما يتعلق بالحجوزات والغرامات التهديدية و باقي المساطر المختلفة، وسواء كانت المساطر رائجة بين يدي مأموري إجراءات التنفيذ أو المفوضين القضائيين، إلا أن طلبات إيقاف التنفيذ أمام محكمة النقض أو الرامية إلى إثارة صعوبة في التنفيذ أو إلى إيقاف التنفيذ المعجل، لا يمكنها إيقاف الأجل المنصوص عليه في هذه الإتفاقية إلا في حال صدور قرار قضائي يقضي بإيقاف التنفيذ، إلا أنه في حال انصرام الأجل المذكور دون البت في هذه الطلبات من طرف الجهات القضائية المختصة، فإن التنفيذ يبقى متوقفا إلى حين هذا البت، و ذلك حسبما ورد في المادة الخامسة من الاتفاقية.
ولتمكين المحكمة من تتبع حسن تنفيذ الاتفاقية، نصت المادة السادسة منها على إلزام الجهة المنفذ عليها بإخبار الجهة المشرفة على التنفيذ فور كل عملية تصفية لملف تنفيذي من طرفها، سواء تم ذلك عن طريق الصلح أو أي طريقة أخرى.
وكجزاء على إخلال الإدارة بتنفيذ التزاماتها، نصت المادة السابعة على الرجوع إلى إجراءات التنفيذ الجبري في كل حكم تبين أن الجهة المنفذ عليها لم تبادر إلى تنفيذه داخل المدة المتفق عليها والمدد المضافة عند الاقتضاء. وعلى اعتبار الاتفاقية لاغية في حال حصول تراخي الخمس مرات متكررة بقيت كلها بدون تسوية بعد منح أجل ثاني للمنفذ عليها في كل حالة من هذه الحالات لا يتجاوز 15 يوما بمقتضى رسالة تذكيرية ثانية
وحسب المادة الثامنة و الأخيرة من الاتفاقية، فإن دخول الاتفاقية حيز التنفيذ يكون ابتداء من اليوم الموالي لتوقيعها. ولحد الآن، تم توقيع اتفاقيات بهذا الخصوص مع الجهات التالية :
- وزارة التربية الوطنية - الوزارة المنتدبة لدى وزارة الطاقة المكلفة بالماء - صندوق التقاعد و التأمين. - وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق.
النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد. - وزارة التجهيز والنقل. . المكتب الوطني للسكك الحديدية. - جماعة الرباط ۔ جماعة وزان. - مكتب السكني العسكرية.
وخلال الأسبوع المقبل، سيتم بحول الله توقيع اتفاقيات مماثلة مع كل من المديرية العامة للضرائب ومؤسسة العمران والوكالة الخاصة طنجة المتوسط، مع فارق يتمثل بالنسبة لإدارة الضرائب في كون السيد المدير العام لهذه الأخيرة أصر على ألا يتجاوز أجل التنفيذ الممنوح الإدارته بمقتضى الاتفاقية مدة 30 يوما.
وتتجلى أهمية هذه الاتفاقيات في أن جميع أطراف عملية التنفيذ والجهات المتدخلة فيها ستستفيد منها: تخفيف العبء على الإدارة على طالب التنفيذ ودفاعه خصوصا عند بعد المسافة - المحكمة : ضعف وقلة الموارد البشرية - الخزينة العامة و بنك المغرب..
لقد حرصنا على أن تحظى هذه الاتفاقيات بتغطية إعلامية واسعة إيمانا منا بأن التحسيس ودور الإعلام بصفة عامة يبقى من أهم أسباب نجاح مثل هذه المبادرات التي وإن كانت قد لقيت ترحيبا من لدن جميع الجهات المعنية بها فيما يشبه الإجماع، فهناك بالمقابل من عبر عن بعض التخوفات والتحفظات إزاءها، ولذلك فإنني أبقى رهن إشارة السادة الحضور لمناقشة كل الملاحظات التي قد يثيرونها بهذا الصدد أو بخصوص موضوع التنفيذ بصفة عامة
بقي لي أن أجدد مقترحي الذي سبق لي التعبير عنه في عدة مناسبات في مجال التنفيذ والمتمثل في ضرورة أن يصبح الطعن بالنقض موقفا للتنفيذ في المادة الإدارية، مع تحديد سقف زمني للبت في الطعن بالنقض. 
شكرا على تتبعكم

Friday, September 18, 2015

Wednesday, September 16, 2015

موثق للعدول... الجمع بين صفة موثق وعدل هو إنتحال صفة يعاقب عليها القانون.


محمد لبداوي موثق ببني ملال

أثارت بعض الآراء المنشورة في الصحف الوطنية، وذلك في إطار النقاش القانوني الدائر حول إصلاح منظومة العدالة، مسألة الجمع بين صفة العدل والموثق.  ومن أجل توضيح هذه المقترحات وإزالة اللبس يجب التأكيد على أنه لا يمكن للموثق أن يجمع بين صفة الموثق والعدل،  كما أنه لا  يمكن للعدل أن يجمع بين الصفتين...
بداية إن مسألة التعريف القانوني، كما هو متعارف عليها بصفة عامة في التشريع المغربي والتشريعات الحديثة، هو اختصاص مسند إلى فقهاء القانون. وتجاوزا لهذا النقاش الفقهي، يمكن اعتبار الموثق: «ضابطا عموميا مفوضا له جزء من السلطة العمومية من أجل إضفاء الصبغة الرسمية على الاتفاقات التي يحررها، وهو يؤدي خدمة عامة في إطار حر، ويقوم بجميع الإجراءات القانونية المتعلقة بها.»
  أما العدل: فهو «يتلقى الإشهاد ويحرره طبقا للمواد 12-13-15 من قانون 03-16 المتعلق بخطة العدالة». وبالتالي للمتعاقدين الخيار أن يقوموا بأنفسهم بالإجراءات القانونية، أو يكلفوا أحد العدلين المتلقيين للشهادة بالقيام بالإجراءات، إذ أن المادة 27 من القانون نفسه تنص على ما يلي: «يتلقى الشهادة في آن واحد عدلان منتصبان للإشهاد، غير أنه يسوغ للعدلين عندما يتعذر عليهم تلقي الإشهاد مثنى في آن واحد، أن يتلقياه منفردين بإذن من القاضي ...»
ولا تكون الوثيقة تامة إلا إذا كانت مذيلة بالخطاب، وتعتبر حينه وثيقة رسمية طبقا للفقرة الأخيرة من المادة 35 من القانون نفسه، 
فقاضي التوثيق بصراحة القانون، هو الذي يقوم بدور الموثق ويضفي الصبغة الرسمية على الشهادة العدلية. وأما الشهادة بدون خطاب القاضي فلا يمكن الاحتجاج بها، ولا ترقى إلى حجية الوثيقة الرسمية.

القانون نص  على حالة التنافي
 إن المشرع المغربي جاء واضحا وصريحا بحيث لم يدع مجالا للشك والتغليط، وأمام صراحة النص القانوني ووضوحه فلا اجتهاد ولا تأويل. وطبقا للمادة 4 من قانون 09-32 ، فإنها نصت على أن مهنة التوثيق تتنافى مع مهنة المحامي والعدل... كما أضافت أن كل من يخالف هذه المقتضيات يتعرض للعقوبات التأديبية. ومعنى ذلك أنه يمنع منعا كليا على الموثق أن يتطاول على مهنة العدل. وبمفهوم المخالفة، فان العدل لا يمكن أن يجمع بين الصفتين طبقا للقانون نفسه وإلا سيعتبر منتحلا لصفة موثق. فالعدل يجب أن يظل محتفظا بمركزه القانوني والموثق كذلك. ومن البديهي أن تسمية العدل لا تنقص من قيمته. كما أن إلحاق صفة أخرى إلى كل من العدل والموثق سوف يخلق بلبلة بين المتعاملين. وبالتالي فإن العدل إن اختار أن يصبح موثقا فعليه احترام مقتضيات قانون 09-32 المنظم لمهنة التوثيق، خاصة الشروط والمواصفات المتعلقة بالتكوين والتأهيل والتخصص.
ولهذا علينا تصحيح هذا التغليط القانوني التي تروج له العديد من المنابر الإعلامية، أضف إلى ما سبق أنه من الغريب والعجيب، أن مسودة مقترحات تعديل قانون العدول 03-16، تتبنى هذا الخلط ومن تم يحق لنا القول إن المشرع المغربي لم يبن هذا التنافي على العبث، بل وعيا منه بالاختلاف الجوهري بين المهنتين، من حيث التكوين الأكاديمي ومدة التمرين والتكوين. وأغلبية العدول لهم معرفة وكفاءات في الشريعة الإسلامية واللغة العربية وأصول الدين ( المادة 6 قانون 03-16) أضف إلى ذلك أن مدة التمرين المخصصة لهم لا تفوق سنة.
في حين أن الموثق يشترط فيه الإجازة في الحقوق، وإذا كان قانون 09-32، المنظم لمهنة التوثيق، يحدد بعد اجتياز مباراة الولوج مدة التمرين في أربع سنوات، فان الواقع الفعلي يفرز لنا أن متوسط المدة يتجاوز سبع سنوات من التمرين بل أحيانا تفوق عشر سنوات.
وطول مدة التمرين تفسر بصرامة التكوين حيث إنه يشمل المجال القانوني، بما في ذلك القانون العقاري، القانون التجاري، قانون الشركات، قانون الضرائب، قانون المحاسبة، القانون الدولي الخاص، قانون الأحوال الشخصية، التنظيم القضائي، المساطر القضائية.
والمقصود بذلك جودة التكوين القانوني للموثق حتى يصبح مؤهلا لمواكبة مشاريع استثمارية، ومواجهة تحديات العولمة والانفتاح على التشريعات والقوانين الأجنبية.

عقوبات انتحال صفة موثق
إن المشرع فطن لمسألة انتحال صفة  ونص صراحة في المادة 93 من قانون 09-32 المنظم لمهنة التوثيق العصري، على أن كل من ادعى صفة موثق دون أن يستوفي الشروط اللازمة لحمل هذه الصفة واستعمل أي وسيلة ليوهم الغير أنه يزاول مهنة التوثيق يعتبر منتحلا لمهنة نظمها القانون ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفصل 381 من قانون الجنائي المغربي.
 كما لا يخفى على أحد، أن القانون الجنائي مهمته حماية المجتمع وردع كل من يخرق القانون من أجل استقرار المعاملات واستبعاد الفوضى عن مجتمعنا الذي هو في غنى عنها.
والعقوبة المحددة هي الحبس من 3 أشهر الى سنتين وغرامة مالية من 120 درهما الى 5000 أو إحدى هاتين العقوبتين ما لم يوجد نص خاص يقرر عقوبة أشد. 
  وختــامـا، لا يحق الجمع بين الصفتين صفة موثق- عدل أو عدل- موثق، إذ  يتعين علينا  أن نحترم المركز القانوني المخصص لكل مهنة على حدة طبقا للقانون. وإن نشر هذا التغليط القانوني لن يساهم إلا في خلخلة ثقة المواطنين في مؤسستي العدول والموثقين معا، ما يسفر عنه عدم استقرار المعاملات وعدم الحفاظ على أغراض الناس، وبالتالي ينعكس سلبا على الأمن التعاقدي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلدنا وملكيتنا الشريفة.


Monday, September 14, 2015

ضحايا الجرائم الإرهابية...المسؤولية عن الأضرار وأساس التعويض.


أثار مبدأ تعويض ضحايا الجريمة عموما ،و ضحايا الجريمة الإرهابية خصوصا ،جدلا واسعا في الأوساط الفقهية حول الأساس الذي يستند إليه
فقد ذهب جانب من الفقه إلى إنكار التزام الدولة بتعويض ضحايا الجريمة بوجه عام و برروا ذلك بعدة حجج منها :
- إن نظام المسؤولية الشخصية للجاني يكفي لحماية المتضرر ،بالإضافة إلى ما تقدمه نظم التأمينات من تعويض نقدي .
-،كما أن تقرير مسؤولية الدولة حسب هذا الرأي من شأنه التمييز بين الضحايا ،فهناك ضحايا الكوارث الطبيعية و ضحايا الأمراض الفتاكة،فلا مبرر لتمييز ضحايا الجريمة الإرهابية بأحكام خاصة ،ـفشبكة الحماية الاجتماعية كفيلة بمساعدة هؤلاء المتضررين كغيرهم .
- التزام الدولة التعويض من شأنه أن يؤدي إلى إهدار المسؤولية الفردية و شخصية العقوبة كما يمكن أن يقلل من حرص الضحايا لمنع الجريمة أو التعاون مع أجهزة الدولة في التبليغ عن المجرم .
-إثقال ميزانية الدولة بأعباء أخرى تضاف إلى تلك التي خصصتها للوقاية من الجريمة ذاتها مما قد يجعل الدولة عاجزة عن التعامل مع الجريمة بشكل فعال.
غير أن الرد على هذه الحجج بسيط ،فأصحاب هذا الاتجاه لا يقصرون المبدأ على الجريمة الإرهابية ،بل كما سبق و أن أكدنا ،أن المسألة تتعلق بالمتضرر الذي عجز عن إصلاح الضرر سوا كان ذلك لعدم معرفة الجاني أو عدم مسؤوليته أو كان السبب كوارث طبيعية .ثم أن الدولة تقبض من المواطن ضريبة ،فتدفع له على أساس مبدأ الغنم بالغرم .
أما الرأي المؤيد لالتزام الدولة بالتعويض فقد ساق الجج التالية :
-لا يمكن قياس أضرارا لجريمة الإرهابية على أضرار الجرائم الأخرى نظرا للفارق الكبير في جسامة الضرر ،فلا مانع من وجود نظام تكميلي يتكفل بهذا النوع من الضحايا .
-أما القول بإضعاف الإحساس بالمسؤولية الفردية ،فلا وجه له حيث أن بواعث الجريمة الإرهابية لا علاقة لها بالتعويض أو المقال المادي ،و في كل الأحوال فإن تحمل الدولة للتعويض ذو طبيعية احتياطية حتى في الجريمة الإرهابية ،إذا أمكن استفاء التعويض من الجاني ،و هذا نادر الحصول ،علما أنه يحقق للدولة الرجوع على الجاني بمبلغ التعويض في حالة ما إذا تم التعرف عليه لاحقا .,علما أن الإحصائية في بعض الدول المتطورة أثبتت أن ثلاثة من بين 167 ضحية تم تعويضهم من قبل الجناة أي بنسبة 1.8% فقط.
- أما القول بزيادة أعباء الميزانية العامة ،فها أيضا مردود عليه ،لأن الدولة يمكنها تنويع مصادر تمويل الميزانية بما في ذلك فرض ضرائب جديدة.
- من المسلم به أنه يقع على الدولة توفير الأمن و في حالة الإخلال به عليها أن تتحمل نتائج هذا التقصير بتحمل التعويض عن الضرر الذي تخلفه جرائم الإرهاب .
وإذا أردنا تقييم الاتجاهين ،المؤيد و المعارض ،نجد أنه لا تعارض بين الاتجاهين ،و كلاهما يقر بحق الضحية في التعويض ،فالاتجاه الاول يكتفي بمبدأ المسؤولية الشخصية على الاعتبار أن الحلات التي لا يعرف فيها الجاني حالات استثنائية و حتى الجريمة الارهابية فهي جريمة عابرة أو غير عادية منطلقها قناعات سياسية أو دينية خاطئة. بينما يرى الاتجاه الثاني ،ضرورة ايجاد نظام مكمل لنظام المسؤولية الشخصية و هو نظام احتياطي لا يمكن تحريكه إلا بعد أن يعجز النظام الأول على إصلاح الضرر .
و سنعرض للمحاولات الفقهية التي دعمت فكرة التزام الدولة بالتعويض .

أولا:نظرية الدولة المؤمنة :
.لقد حاول بعض الفقه تجاوز أسس المسؤولية التقليدية و البحث عن أساس جديد يغطي جميع الحالات التي ترى الدولة أنه من واجبها التدخل للمساعدة فقالوا بنظرية الدولة المؤمنة و رائد هذه النظرية هو موريس هوريو،و هي في نظره النظرية الوحيدة التي تبرر مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تصيب الأفراد من جراء أعمال الشغب و الكوارث الطبيعية ،و يمكن أن نظيف لها الجريمة الإرهابية ..و أساس هذه النظرية أن هناك تأمينا متبادلا بين المواطنين و الدولة ،فالدولة هي المؤمن على نشاطها العام من الأضرار التي تصيب الغير و هذا التأمين يغطي جميع مجالات المسؤولية ،و لا علاقة له بالخطأ أو المخاطر ..كما يؤدي هذا التصور إلى تحميل الدولة واجب تعويض الضحايا مثل أي مؤمن ،لأنها قبضت أقساط التأمين من المؤمن لهم في شكل ضرائب مباشرة أو غير مباشرة .
و يضيف أحد أنصار هذه النظرية القول بأنه لا يمكن القول بفكرة الخطأ أو المخاطر أو الخطأ المرفقي ،و الأساس الوحيد التي يبرر مسؤولية الدولة هي فكرة التأمين الاجتماعي الذي يتحمله الصندوق الجماعي لمصلحة الناس الذين تضرروا من جراء النشاط العام الذي يتم لفائدة الجميع .
فالدولة تتصرف كمؤمن لمشروعها الخاص و أيضا كمؤمن للمخاطر التي لا يوجد في النظام الاجتماعي أي ضمان أخر لها سوى السلطة العامة نفسها و خاصة المخاطر غير القابلة للتأمين كما هو الحال في الكوارث الطبيعية .
نقد النظرية :
تقوم هذه النظرية على محض افتراض مؤداه أن الدولة تقيض الأقساط لحسابها كما هو الحال في مفهوم التأمين ،و الحقيقة أن أقساط الضرائب تنفق على النفع العام أي تعود إلى الممول نفسه بطريق أخرى ،في شكل خدامات أو مساعدات في صيغ مختلفة .،فالنظرية لا تفسر كيف يستفيد الفرد من الخدمات و في نفس الوقت يحصل على تعويض عند الضرر مقابل نفس القسط .

ثانيا : نظرية الضمان :
تقوم هذه النظرية على أساس أن حق المواطن في الأمن مقرر في الدساتير و هو يفرض على الدولة التزاما بضمان حمايته من الأضرار التي تنتج عن المساس بهذا الأمن ،فالدولة ضامنة للسلم الاجتماعي و عليها أن تتحمل إصلاح الأضرار التي تصيب أفراد المجتمع و لو كانت غير ذات صلة بالنشاط العام.
تجد هذه النظرية سندها في نظرية العقد الاجتماعي ،فالأفراد قبل وجود الدولة كانوا يعتمدون على أنفسهم في الدفاع عن حقوقهم و مصالحهم و القصاص من المعتدي عليهم ،و بعد ظهور الدولة تنازل الأفراد لممثليهم عن جانب من حقوقهم في مقابل أن توفر الدولة الأمن و الاستقرار و تعمل على منع وقوع الجريمة . و ترتب على ذلك أن حظرت عليهم الثأر و أن يقيموا العدالة لأنفسهم .وينبني على ما تقدم أن وقوع الجريمة و حدوث أضرار يعد إخلالا من جانب الدولة بالتزامها القانوني في توفير الأمن .و من أشهر الذين روجوا لهذا الأساس هو بنتام في مطوله عن التشريع الجنائي .
نقد النظرية .
هذه النظرية تبالغ كثيرا و تجعل من الدولة الشخص القانوني الوحيد الذي يجب أن يتحمل التعويض ،بصرف النظر عن مصدرها .و هو الشيء الذي لا يمكن التسليم به فوجود الدولة لا يلغي مسؤولية الأشخاص القانونية الأخرى التي يمكن أن تسبب في إحداث الضرر.،كما أن الدولة لا تستطيع عمليا أن تأمن المواطن من كل أشكال المخاطر و لا بد من وضع ضوابط ،و مراعاة إمكانيات الدولة المالية .

نظرية التضامن الاجتماعي :

كما ذكرنا أن جبر الضرر في الحالات التي يكون الضرر ناتج عن النشاط العام لمواجهة العمل الإرهابي لا يثر إشكالية ،و لكن في الحالات التي يكون الضرر متولد من الجريمة ذاتها ،فمرتكب الجريمة يكون مجهولا في كثير من الأحيان أو يهلك أثناء العمل الإجرامي بفعله (الانتحاري ) أو بفعل النشاط العام المقاوم ،فمن يساعد الضحية في مصيبته ،هل يمكن أن تكون الدولة مسؤولة ؟ مع العلم أن كثيرا ما يكون ضحايا الأعمال الإرهابية من الأبرياء المدنيين.
لقد جاءت فكرة التضامن الاجتماعي كمحاولة للتأسيس لمبدأ تعويض ضحية الجريمة الإرهابية و تستند هذه النظرية إلى مبدأ الشعور الإنساني الذي يرتكز عليه كل إجراء يهدف إلى مساعدة الأشخاص الذين يوجدون في وضعية صعبة ،و هذا الشعور مبدؤه تضامن أفراد المجتمع فيما بينهم ،حتى في غياب المؤسسة الرسمية فهو نابع من الشعور بالانتماء إلى الجماعة أو الأمة و الإنسانية قبل الدولة (المؤسسة ).و في هذا السياق يجب أن تكون الدولة أول من يبادر بهذا التضامن باعتبارها ممثلة الجماعة ، و هذا لا يمنع أفراد المجتمع من المشاركة في هذا الواجب حتى في غياب الدولة أو مؤسساتها .
و مبدأ التضامن الاجتماعي ،لا يقتصر هذا نوع معين من الضرر و إنما يغطي كل ما يمكن أن يواجها الأفراد من مصاعب لا قبل لهم بدفعها كالأوبئة و الكوارث الطبيعية .
و عندما تتحمل الدولة التعويض فهي تفعل ذلك بموجب التزام اجتماعي و ليس بموجب مسؤولية قانونية .
لقد شكل مبدأ جماعية التعويض منطقا مبدئيا لفكرة تحمل الدولة عبء التعويض في هذا النوع من الجرائم ،و الحقيقة أن مبدأ جماعية التعويض ليس حديثا بل يجد تطبيقاته في مجالات عديدة أولها كان في تقرير مسؤولية الاشخاص الاعتبارية عن أعمال موظفيها ،كما نعكس في نظام التأمين ذلك أن الفكرة الجوهرية
التي يقوم عليها التأمين بوجه عام هي توزيع المخاطر على أكبر عددد من الافراد ،فهو يقو على فكرة التضامن ،فتحمل الكيان الاجتماعي التعويض عن طريق الذمم الجماعية بدلا من المسؤول هو مظهر هام لجماعية التأمين .و على هذا الاساس فالتزام الذمة الجماعية أو النظام الجماعي عبء التعويض ليس هو الخطأ أو اللوم الاخلاقي ،و إنما هو لحماية المضرور استنادا الى فكرة التضامن الاجتماعي
نبني على هذا الأساس ما يلي :
-إن إصلاح الضرر ليس حقا و إنما هو مساعدة من الدولة لمن هو في حاجة إليها و بمفهوم المخالفة لا تمنح لمن تكون ظروفه المادية جيدة و لا تحدث له الجريمة اضطرابا في ظروف المعيشة .
- لا تتقرر المساعدة بمجرد وقع الجريمة أو الضرر كما هو الحال في قواعد المسؤولية التقليدية،و إنما يقرر منحها بناء على ظروف المتضرر
-كون التعويض هنا مجرد مساعدة اجتماعية لا ينعقد الاختصاص بنظر تقريره إلى القضاء ،وإنما إلى اللجان الإدارية الناظرة في طلبات المساعدات الاجتماعية .
-أن هذا النوع من التعويض ذو طبيعة احتياطية .

نقد النظرية .
إن مبدأ التضامن الاجتماعي يبقى واجبا أخلاقيا أكثر منه قانونيا فهو لا يصلح أن يكون أساس لإلزام الدولة بالتعويض عن الجريمة الإرهابية إلا إذا تحول إلى التزام قانوني .و هذا ما حدث بالفعل في كثير من الدول .
و في الأخير يمكنا القول أن النظر إلى الضرر على أنه مشكلة اجتماعية ،قبل أن يكون حق خاص للمتضرر ،غير اتجاه البحث إلى إصلاح الضرر بدل من إنصاف المتضرر من المتسبب في الضرر ،و السبب في ذلك أن المتسبب في الضرر كثيرا ما يكون مجهولا أو معسرا و أحيانا أخرى ليس بفعل شخص قانوني و في كل هذه الحالات ينبغي أن تتدخل الجماعة لمساعدة المتضرر،و أقصر الطرق هو إصدار تشريعات يتقرر بموجبها مساعدة المتضررين في مجالات محددة بشروط خاصة من ذاك المتضررين من جرائم الأشخاص في حالة عدم إمكانية حصول المتضرر على تعويض من المجرم .و لذلك وصف هذا التعويض الذي تدفعه الدولة بأنه احتياطي كما انه يتوقف على سلوك المتضرر .
و بدون مبالغة يمكن القول أن الجريمة الارهابية من أخطر الجرائم التي تستوجب مساعدة المتضررين منها لما تخلفه من أضرار جسدية في غالب الأحيان كالقتل و كذا جرائم الأموال و نظرا لجسامة الأضرار و محدودية إمكانية الدولة لجأت الدول إلى إنشاء مؤسسات بتمويل خاص تتكفل بتعويض ضحايا الجريمة الإرهابية و هو ما عرف في النظام الفرنسي بصناديق الضمان (Fonds de garantie) يتم تمويله من بواسطة الاشتراكات الخاصة بعقود التأمين على الأموال و يتمتع هذا الصندوق بالشخصية الاعتبارية و ينص القانون على تشكلة إدارة الصندوق (الرئيس و الأعضاء ).

Saturday, September 12, 2015

قراءة نقدية في التجربة الدستورية المغربية

قراءة نقدية في التجربة الدستورية المغربية
إدريس الشامخ

تمهيد:

شكل مشروع دستور 8 أكتوبر 1908 الذي قدمه علماء وأعيان مدينة فاس للمولى عبد الحفيظ أثناء بيعتهم المشروطة له، والذي نشرته جريدة لسان المغرب، التي كان ينشطها سوريون ولبنانيون بمدينة طنجة، أول محاولة حقيقية لإقامة نظام دستوري ديمقراطي في المغرب، تفوض فيه السلطة التقريرية إلى مجلس منتخب، ويحتفظ السلطان من خلاله بصلاحية التصديق على القرارات.

كما كان هذا المشروع الدستوري سباقا إلى طرح جملة من القضايا الأساسية التي أصبحنا نتبناها اليوم داخل ترسانتنا الدستورية، كتبني نظام المجلسين والأخذ بمسألة الجهة والدعوة إلى احترام حقوق الإنسان. لكن هذا المشروع أقبر وأزيح من التداول بعد تنازل المولى عبد الحفيظ عن الحكم لفائدة أخيه المولى يوسف إثر ثورة الجنود الشهيرة بفاس ضد نظام حكمه. لكن أهميتة هذا المشروع برزت في كونه سلم فكرة الدستور إلى رواد الحركة الوطنية من أجل تبنيها والدفاع عنها، بل وجعلها مدخلا للإستقلال عن فرنسا، وهو ما تبلور فعليا في ورقتي " مطالب الشعب المغربي " المؤرخة بتاريخ 1 دسمبر 1934 ، و " المطالب المستعجلة للشعب المغربي " في 25 أكتوبر 1936، اللتين تقدم بهما قادة الحركة الوطنية برئاسة علال الفاسي و محمد بلحسن الوزاني و أحمد بلافريج لسلطات الحماية الفرنسية.

لكن بعد فشل المحاولتين السابقتين في إقناع سلطات الحماية بدسترة البلاد، اعتبرت الحركة الوطنية أن الذي يمنع وضع دستور للبلاد ليس هو السلطان وإنما المستعمر الفرنسي، فغيرت أولويات نضالها من أجل الإستقلال، من المطالبة بالدستوركمدخل للإستقلال إلى المطالبة بالإستقلال كمدخل للدستور، خصوصا وأن السلطان كان قد انضم إلى الحركة الوطنية، لذلك تم التركيز على مسألة الاستقلال وتركت مسألة الدستور جانبا إلى ما بعد الاستقلال، ومعلوم أن هذا التغيير في الأولويات كان سببا في ظهور أول انشقاق حزبي، حيث خرج محمد بلحسن الوزاني المعارض لخطوة تأجيل المسألة الدستورية من "كتلة العمل الوطني " التي أسسها رفقة علال الفاسي وأحمد بلافريج، وأسس " الحركة القومية" التي تحولت فيما بعد إلى "حزب الشورى والاستقلال".

العهد الملكي

وبعدما أحرز المغرب على استقلاله النسبي، ظهرت إلى العلن التناقضات الداخلية التي كانت كامنة بين مكونات الحركة الوطنية في مرحلة ما قبل الاستقلال، وظهر توجه قوي لدى حزب الإستقلال نحو إقامة نظام الحزب الوحيد بالمغرب، وسط معارضة شديدة من أحزاب: الشورى والإستقلال الخصم اللذوذ لحزب الإستقلال، والحركة الشعبية التي كان وزير الداخلية في الحكومة الإئتلافية الثانية الإستقلالي إدريس المحمدي يضايقها، والأحرار المستقلين المتهم من طرف حزب الإستقلال على أنه صنيعة القصر، وأخيرا حزب الوحدة المغربية. ولكون الملك الراحل محمد الخامس، لم يكن هو الآخر، راضيا عن محاولة الإستقلاليين الهيمنة على المشهد السياسي المغربي، فقد قام بإفشال مسعاهم عبر خطوتين: أولا إصداره لأول وثيقة دستورية تحت اسم " العهد الملكي " في 8 ماي من سنة 1958، والتي حدد فيها طبيعة نظام الحكم على أنه ملكية دستورية، ذات نظام سياسي تعددي، وثانيا عبر إصداره لقانون الحريات العامة في 15 نوفمبر 1958 الذي وضع الإطار القانوني لتأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية.

إذن خطوة العهد الملكي لم تكن تشكل استجابة طبيعية لتطلع الشعب نحو نظام ديمقراطي، بقدر ما شكلت إجابة على واقع سياسي معين، غلب عليه منطق الصراع على السلطة بين الفرقاء السياسيين (( القصر، أحزاب الحركة الوطنية، جيش التحرير والمقاومة))، والذي نجد إحدى تجلياته واضحة في الخطاب التاريخي الذي ألقاه زعيم حزب الإستقلال علال الفاسي بطنجة سنة 1956 ، ومما جاء فيه (( ليس في المغرب من قوة إلا قوات ثلاث: أولا قوة حزب الإستقلال، وقوة جيش التحرير وثالثها قوة القصر، وإذا اعتبرنا جيش التحرير قوة من الحزب وإليه، كانت في المغرب قوتان لا ثالث لهما: قوة حزب الإستقلال وقوة القصر أو العرش)) " الأحزاب السياسية المغربية لمؤلفه الدكتور محمد ضريف ص 85 "

دستور ديسمبر 1962

وفي عام 1960 عين الملك محمد الخامس مجلسا دستوريا مكونا من جل ألوان الطيف السياسي المغربي، باستثناء حزبين رفضا الدخول فيه مطالبين بانتخاب مجلس تأسيسي للدستور عن طريق الإقتراع العام وهما: الحزب الشيوعي المغربي المحظور آنذاك منذ 1959 والإتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان قد انفصل لتوه عن حزب الإستقلال، وأوكل لمجلس الدستور المُعين مهمة وضع دستور دائم للبلاد، وتقديمه للملك قصد المصادقة عليه قبل شهر دجنبر 1962، لكن المجلس فشل في مهامه بعد انسحاب الكثير من أعضائه المحسوبين على أحزاب الحركة الشعبية بقيادة المحجوبي أحرضان، والدستور الديمقراطي بقيادة محمد حسن الوزاني، والأحرار المستقلين بقيادة أحمد رضى اكديرة، وذلك احتجاجا على تعيين علال الفاسي زعيم حزب الإستقلال رئيسا عليه، ليتم إقبار فكرة " مجلس الدستور " إلى الأبد.

وفي 7 ديسمبر سنة 1962 أوفى الملك الحسن الثاني بوعد أبيه الذي كان قد وعد بوضع دستور للبلاد قبل انتهاء 1962، ولم يمنعه من ذلك سوى موته المفاجئ إثر عملية جراحية بسيطة على الحنجرة في 27 فبراير 1961، وطرح مشروع دستور ممنوح على الاستفتاء الشعبي، دون أخذ رأي المعارضة فيه أو العودة إلى إحياء فكرة مجلس الدستور، لتُحسم بذلك معركة الدستور والسلطة التأسيسية لفائدة الملك. وتم الاستفتاء على الدستور، رغم دعوة أحزاب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والدستور الديمقراطي والحزب الشيوعي المغربي إلى مقاطعته واستبداله بانتخاب مجلس تأسيسي للدستور. لكن أحزاب الإستقلال والحركة الشعبية والأحرار المستقلين صوتوا لصالح الدستور، والنتيجة الرسمية للإستفتاء كانت بالإيجاب بنسبة 84 في المائة.

هذا " الاصلاح السياسي " الذي تمثل في وضع دستور ممنوح للبلاد، حسم الصراع وإلى اليوم حول مجموعة من القضايا الخلافية لصالح الملك: كاختصاصات الملك الواسعة، وطبيعة النظام السياسي، ودور البرلمان، ودور الأحزاب، وكيفية تشكيل الحكومة وصلاحياتها، وهو ما جعل آمال المعارضة وبخاصة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية في إقامة ملكية برلمانية عصرية يسود فيها الملك ولايحكم تتبخر، كما أن حزب الإستقلال الذي حاول من خلال تصويته الإيجابي على الدستور مغازلة القصر للحصول على وزارات هامة في الحكومة التي أعقبت انتخابات 17 ماي 1963، خرج هو الآخر خاوي الوفاض حينما استأثر صنيع القصر الجديد، حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، المعروف اختصارا باسم " الفديك" بأغلب الوزارات، ضمن تكتيك السلطة الجديد، ما جعل الحزب ينتقل للمعارضة ولأول مرة منذ الإستقلال.

ومن حيث المضمون، حدد هذا الدستور في فصله الأول طبيعة النظام السياسي المغربي بكونه نظام ملكية دستورية ديموقراطية واجتماعية، وفي فصله الثالث منع نظام الحزب الوحيد، وجعل دور الأحزاب مختزلا فقط في تنظيم المواطنين وتمثيلهم دون أي أمل في الوصول إلى السلطة، كما هو متعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية، لأنه وببساطة، من يمتلك السلطة بحسب الدستور هو الملك، كما هو منطوق الفصل 19 " الملك أمير المؤمنين، ورمز وحدة الأمة ، وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين، والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات، وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة." و في فصله 14 أقر حق الإضراب، لكنه أفرغه من أي معنى حينما أضاف إليه عبارة" وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات اللازمة لممارسة هذا الحق"، وأما الفصل 24 فقد أعطى للملك وحده الحق في تعيين أو إعفاء الوزير الأول وباقي الوزراء، دون تمتيع الوزير الأول بأي سلطة تقريرية كيفما كان نوعها، واكتفى الفصل 62 بتمتيع الوزير الأول فقط بسلطة تنظيمية مرتبطة بعمل مختلف الوزارات. وجعل الفصل 36 البرلمان مكونا من مجلسين: مجلس للنواب ينتخ جميع أعضائه بالإقتراع المباشر وآخر للمستشارين وينتخب أعضاؤه بصفة غير مباشرة عن طريق مستشاري الجماعات المحلية والهيئات المهنية وممثلي المأجورين، وحدد الفصل 44 مدة مجلس النواب في أربع سنوات.

دستور يوليوز 1970

في 23 مارس 1965 عرفت مدينة الدار البيضاء المغربية وبعض المدن الأخرى أحداثا دامية بسبب مذكرة تقدم بها وزير التعليم آنذاك يوسف بلعباس، ولم تقبلها الأوساط التعليمية من أساتذة وتلاميذ وطلبة. وبعدها بحوالي شهرين، انهارت الأغلبية الحكومية، ولجأ الملك إلى الفصل 35 من دستور 1962 لاعلان حالة الاستثناء، فتم حل البرلمان الذي كان يرأسه الدكتور عبد الكريم الخطيب، ودامت مدة الحل خمس سنوات بقي فيها المغرب بدون برلمان، حاول خلالها النظام جاهدا ترتيب أوضاعه الداخلية، عبر استئنافه للحوار من جديد مع قيادة الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، وخاصة مع "دينامو" الحزب المهدي بن بركة، الذي دفع أخيرا حياته ثمنا لفشل هذا الحوار.

وفي العام 1969 تم اكتشاف تنظيم سري مسلح بقيادة الفقيه البصري، وهو أحد أحد مؤسسي جيش التحرير المغربي، وقائد" التيار البلانكي" داخل الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومحكوم عليه سابقا بالإعدام في ما عرف بـ " مؤامرة يوليوز 1963" التي استهدفت حياة الملك، وقد قيل حينها أن هذا التنظيم كان يسعى للإطاحة بالنظام احتجاجا على فرضه دستور ديسمبر 1962، وسده لكل منافذ النشاط السياسي.

في ظل هذه الأجواء، ومن أجل العمل على تنفيس الجو السياسي الداخلي لتلميع صورة المغرب في الخارج، وتجنيب البلاد آثار انقلاب يونيو 1965 العسكري الذي أوصل الهواري بومدين للسلطة في الجارة الجزائر، أصدر الملك الحسن الثاني عفوا ملكيا على مجموعة من المعتقلين السياسيين، وأرفقه بخطاب إذاعي يوم 8 يوليوز 1970 أعلن فيه عن نهاية حالة الإستثناء، وعن نيته تعديل دستور 1962.

فجاء دستور 24 يوليوز 1970، ليحافظ بدوره على الطابع العتيق للملكية المغربية، وليقنن ويُدستر حالة الاستثناء، ويركز أكثر السلطات في يد الملك، ما شكل تراجعا كبيرا عن دستور 62 على علته، وهذه بعض الإشارات الدالة على هذا التراجع:

* تم الاحتفاظ بمتن الفصل 19 الذي يشكل وحده دستورا آخرا، وأضيفت له بجانب عبارة " الملك أمير المؤمنين" عبارة "والممثل الأسمى للأمة" في إشارة إلى سمو التمثيل الملكي عن جميع مؤسسات التمثيل الأخرى التي أقرها الدستور، وكفايته عنها في حال غيابها أو انعدامها، بغية سد أي فراغ سياسي قد ينجم عن أي حل محتمل للبرلمان، كما تم تأكيده بصريح العبارة من خلال الفصلين 69 و 70، حيث ورد في الفصل 69 " للملك، بعد استشارته رئيس الغرفة الدستورية وتوجيه خطاب للأمة، أن يحل مجلس النواب بظهير شريف." وفي الفصل 70 " يقع انتخاب مجلس النواب الجديد في ظرف ثلاثة أشهر على الأكثر بعد تاريخ الحل، وفي أثناء ذلك يمارس الملك تلافيا للفراغ بالإضافة إلى السلط المخولة له بمقتضى هذا الدستور السلط التي يختص بها مجلس النواب."

* وجاء الفصل 21 بصيغة جديدة أعيد من خلالها النظر في تركيبة مجلس الوصاية، واختصاصاته التي استثني منها مراجعة الدستور، وصفته الجديدة كهيئة استشارية تعمل إلى جانب الملك غير البالغ لسن الرشد، إلى حين بلوغه ذلك. بخلاف دستور 62 الذي أعطى سلطة التسيير إلى مجلس الوصاية دون تقييدها بموانع أخرى كضرورة الإستشارة مع الملك اليافع، أوالإمتناع عن مراجعة الدستور. والهدف من وراء ذلك، هو سد كل المنافذ التي قدد تتسرب من خلالها بعض صلاحيات الملك إلى جهات أخرى.

* وعلى عكس دستور 1962 ، قيد الفصل 37 من الدستور الجديد حصانة النواب البرلمانين في حال إبدائهم رأيا يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك، ولوح بإمكانية متابعتهم أو إلقاء القبض عليهم في حال وقوعهم في مخالفة من هذا النوع.

* كما جرى اعتماد نظام الغرفة الواحدة مع تقليص نسبة الأعضاء المنتخبين مباشرة من الشعب ( المجلس مكون من 240 عضواً، ينتخب تسعون منهم بواسطة الاقتراع العام المباشر، فيما ينتخب الباقون، وعددهم مائة وخمسون، بالاقتراع غير المباشر) وحددت مدة العضوية في ست سنوات.

وكرد فعل مباشر على هذا الدستور المخيب للآمال، تشكلت بتاريخ 22 يوليوز " الكتلة الوطنية" من حزبي الاستقلال بقيادة علال الفاسي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية بقيادة عبد الرحيم بوعبيد، وصدر عنها ميثاق سلا التأسيسي الذي دعى إلى إقامة ديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية، كما دعت الكتلة للتصويت بـ "لا" ضد مشروع دستور 70، كما أصدرت لجنتها المركزية بيانا في 4 غشت من نفس السنة تعلن فيه قرارها مقاطعة الإنتخابات التشريعية المزمع إجراؤها بتاريخ 21 و28 غشت من نفس السنة، ما جعل برلمان 1970 "المنتخب" برلمانا غير ذي معنى، ما دام لا يستطيع ضم قوى المعارضة لتحييدها وإدماجها في اللعبة، وقد ترأسه السيد عبد الهادي بوطالب بأمر ملكي.

وقد وضعت المحاولة الانقلابية لسنة 1971 حدا لحياة دستور 1970.

دستور مارس 1972

بعد فشل انقلاب 71 دخل القصر في مفاوضات مع الكتلة الوطنية، للإتفاق على إصلاحات سياسية ودستورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وبينما كان الطرفان على وشك الوصول إلى إتفاق حول كيفية تداول الحكم، وطبيعة الدستور، انفرد الملك مرة أخرى بعرض مشروع دستور على الاستفتاء في 10 مارس 1972، فدعت الكتلة إلى مقاطعته، احتجاجا على عدم الأخذ برأيها في التعديل الدستوري الجديد، لكنه كان كسابقيه استفتاء " إجماعيا ".

وأهم تعديل جاء به دستور 72 تمثل في:

* تخفيض مدة انتخاب أعضاء مجلس النواب إلى أربع سنوات بدلا من ست التي جاء بها دستور 70، مع رفع نسبة المنتخبين منهم بالإقتراع العام المباشر إلى الثلثين، وتخصيص الثلث الباقي لنواب هيئة ناخبة تتألف من أعضاء المجالس الحضرية والقروية وأعضاء الغرف المهنية وممثلي المأجورين.

* كما حدد الفصل 65 من التعديل الجديد اختصاصات المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك في المسائل الآتية: القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة، الإعلان عن حالة الحصار، إشهار الحرب، طلب الثقة من مجلس النواب قصد مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، مشاريع القوانين قبل إيداعها بمكتب مجلس النواب، المراسيم التنظيمية، مشروع المخطط ومشروع تعديل الدستور

وهكذا أمر الملك بحل مجلس النواب المنبثق عن دستور 1970، وكلف التكنوقراطي " كريم العمراني " بتشكيل حكومة جديدة في 3 أبريل 1972، ودعى الكتلة إلى المشاركة فيها، لكنها رفضت، فأعلن الملك في خطاب له بتاريخ 30 أبريل 1972 عن تأجيل الإنتخابات المنبثقة عن الدستور الجديد إلى تاريخ غير محدد، وربط إمكانية إجراءها بتوفر جملة من الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما نجح فيه النظام بامتياز مع بداية 1974، حيث بدأ بتعبئة الجميع خلفه حول معركة استرجاع الصحراء من المستعمر الإسباني، وبناء الوحدة الترابية للمغرب، وهذه معركة وطنية كبرى أرغمت جميع الفاعلين السياسيين قصرا ومعارضة على التوحد خلفها. وقد ظهر ذلك جليا من خلال مساهمة الجميع في المسيرة الخضراء التي نظمت بتاريخ 6 نوفمبر 1975، وأدت إلى تحرير الصحراء، وطبعا سياق " الإجماع الوطني" هذا، تطلب سياقا آخرا موازيا جسده شعار" السلم الإجتماعي"، وهذه هي الشروط التي تحدث عنها النظام وعمل على تحقيقيها قبل الدخول في أي أفق سياسي جديد، وهكذا عرفت البلاد تدشين "المسلسل الديمقراطي" سنتي 1976 و 1977 عبر إجراء ثالث انتخابات محلية وتشريعية في المغرب، وعودة بعض القوى السياسية التي كانت تعاني من الحظر كالتقدم والإشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي إلى الشرعية، فيما تم تأجبل مسألة الإصلاح الدستوري والسياسي بدعوى تصليب الجبهة الداخلية.

لكن، ومع انتخاب برلمان 1977، ودخول بنود دستور 1972 حيز التطبيق، تبين بالملموس أن السلطة الحقيقية تمارس في مكان آخر غير البرلمان، وأن هذه المؤسسة التي يفترض فيها أن تكون منبع القوانين والقرارات أصبحت مجرد مكتب " ضبط " أو " تسجيل" تمر عبره الحكومة لتسجيل قوانينها حتى تضفي عليها طابع المشروعية القانونية والدستورية.

دستور سبتمبر 1992

مع بداية التسعينات، طرأت على العالم تغيرات سياسية واقتصادية جوهرية، أهمها نهاية فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم، وقد رافق هذه التحولات انتشار قوي لدعوات الإصلاح الديمقراطي، ولم يكن المغرب طبعا في منئً عن كل ذلك كما قال الملك الراحل الحسن الثاني في إحدى تصريحاته "سيكون من مجافاة الصواب القول إننا غير معنيين بالأحداث التي شهدها العالم أو إدعاء ألا تأثير لها علينا".

وقد دفع عجز الدساتير الثلاث السابقة والإصلاحات السياسية الشكلية التي رافقتها قوى المعارضة اليسارية إلى المطالبة بتغييرها، أو تعديلها كحد أدنى، عبر رفع مذكرتين حول الإصلاح الدستوري إلى القصر : الأولى بتاريخ 3 أكتوبر 1991 من طرف كل من حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بدعم من منظمة العمل الديمقراطي الشعبي( قبل تأسيس الكتلة الديمقراطية)، والثانية بتاريخ 19 يونيو 1992 من طرف الكتلة الديمقراطية التي كانت قد تأسست بتاريخ 17 ماي 1992 من أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي.

بدوره النظام، وبهدف تلميع صورته على المستوى الدولي، واحتواء المد النضالي الذي عرفه المغرب مع بداية التسعينات فيما يخص المطالبة بالاصلاحات السياسية والدستورية، بادر إلى الإعلان عن نيته إطلاق مشروع دستوري جديد، ووعد بالنظر في مطالب الكتلة الديمقراطية مع احترام قاعدة " الملك يسود ويحكم "، كما جاء في حديث الملك لصحيفة " لوموند" الفرنسية في شتنبر 1992 والذي قال فيه "الإسلام يمنع إقامة ملكية دستورية يفوض فيها الملك جميع سلطه ويصبح يملك دون أن يحكم" ، وتم إلغاء ظهير "المقيم العام الفرنسي هانري بانصو" لسنة 1935 سيء الصيت، والمعروف اختصارا بظهير "كل ما من شأنه".

لكن الدستور الجديد الذي أقر في استفتاء 14 سبتمبر 1992 لم يحمل في طياته أي تغيير جدي يذكر، بسبب تجاهله لمطالب الكتلة المتعلقة بمجلس النواب كتخفيض سن التصويت إلى 18 سنة وسن الترشيح إلى 21 سنة، وانتخاب كافة أعضاء المجلس بالاقتراع العام المباشر، وتخفيض الولاية البرلمانية إلى 5 سنوات، وتمديد دورتي مجلس النواب العادية إلى 3 أشهر، وتوسيع مجال القانون ليشمل العفو العام، والأنظمة الانتخابية لمجلس النواب، والمصادقة على جميع المعاهدات الدولية، وتقوية دور مجلس النواب في مراقبة الحكومة عن طريق الاستجواب، وإحداث لجان المراقبة وضمان حقوق الأقلية البرلمانية بإقرار نصاب العشر للتقدم بملتمس رقابة والتوجه إلى المجلس الدستوري، والربع لعقد دورة استثنائية لمجلس النواب.

وعلى مستوى الحكومة لم يستجب الدستور المعدل لمطالب الكتلة الديمقراطية حول حكومة مسؤولة، منبثقة من الأغلبية البرلمانية، تحدد وتدبر سياسة الدولة بموجب نص الدستور، الذي ينبغي أن ينص كذلك على ترحيل بعض اختصاصات المجلس الوزاري إلى المجلس الحكومي، والإقرار بإمكانية ترؤس الوزير الأول للمجلس الوزاري عوض الملك عن طريق التفويض.

بل تم الإكتفاء فقط بتعديل بسيط للفصل 24 الذي أصبحت صيغته كالتالي " يعين الملك الوزير الأول. ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول. وله أن يعفيهم من مهامهم. ويعفي الحكومة بمبادرة منه أوبناء على استقالتها" بدلا من صيغة " يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا" الواردة في دستور 72.

أما على مستوى القضاء فلم تتم الاستجابة لمطالب الكتلة الديمقراطية، بضمان فعلي لاستقلال القضاء وصيانة حرمته.

وأما النزر القليل من مطالب الكتلة التي أُخذ بها، فتم تقنينها بشكل أفرغها من محتواها: كالتصويت السلبي على برنامج الحكومة، بدل التصويت الايجابي، وربط طرح ملتمس الرقابة للتصويت داخل المجلس بتوقيع ربع أعضائه، وقبوله بالأغلبية المطلقة، والربع بالنسبة لعرض القوانين على المجلس الدستوري للنظر في مدى دستوريتهما، والثلثين لتعديل الدستور...

وتم التنصيص في الفصل 35، على أن حالة الاستثناء لا يترتب عنها حل البرلمان. وحدد أجل 30 يوما لإصدار الأمر الملكي بتنفيذ أي قانون عرض على الحكومة من طرف مجلس النواب.

رفضت أحزاب الكتلة دستور 92 ودعت إلى مقاطعته باستثناء حزب التقدم والإشتراكية الذي صوت لصالحه ودعا الناخبين للتصويت الإيجابي عليه.

دستور سبتمبر 1996

في ظل تزايد الحديث عن رغبة ملكية في إطلاق تعديل دستوري غير مسبوق في تاريخ المغرب، ومع ورود إشارات أو لنقل ضمانات، من الجهات العليا، حول إحداث نقلة نوعية في الحياة السياسية المغربية، عاد الزعيم الإتحادي عبد الرحمن اليوسفي من منفاه الإختياري بمدينة كان الفرنسية إلى المغرب، ليمهد الطريق أمام قيام أول حكومة تناوب توافقي، لكن قبل هذه الخطوة، جاءت المراجعة الدستورية للعام 1996، التي حملت في طياتها بعض التغييرات الجديدة مقارنة مع مراجعات الدساتير السابقة، إذ نص الدستور الجديد على اعتراف المغرب بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا،كما وأصبح البرلمان المغربي يتشكل من جديد من غرفتين: مجلس للنواب ومجلس للمستشارين (الفصل 36 من الدستور): مجلس المستشارين الذي أضحت مدة النيابة فيه تسع سنوات مع تجديد الثلث منهم كل ثلاث سنوات ومجلس النواب الذي أصبحت مدة النيابة فيه خمس سنوات بدل ست سنوات بحسب دستور 92، وينتخب جميع أعضاءه بالاقتراع الشعبي المباشر، خلافا لما كان عليه الأمر سابقا، حيث يتم انتخاب ثلث مجلس النواب بطريقة غير مباشرة، وهو ما كان يشكل البوابة الخلفية للإدارة للعبث بنتائج الإنتخابات، وتصويبها بما يخدم التوازنات السياسية الضرورية للنظام. إلا أن الكثير من المحللين، نظروا إلى العودة إلى نظام الغرفتين من جديد، في ظل ضائقة مالية، على أنه محاولة من طرف النظام للإلتفاف على مطلب المعارضة بخصوص إلغاء الثلث الذي كان يتم انتخابه بشكل غير مباشر في نظام الغرفة الواحدة، ولإحداث صمام آمان تنظيمي يحمي من كل المخاطر التي قد تنجم عن فوز الكتلة بأغلبية ساحقة في مجلس النواب.

وعموما جاء التعديل الدستوري لسنة 1996 مستجيباً فقط لبعض مطالب المعارضة الثانوية التي وردت في مذكرتها التي وجهتها للملك الراحل الحسن الثاني بتاريخ 23 أبريل 1996، ودارت إجمالاً حول قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة، وحول العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وإصلاح الإدارة والقضاء وضمان نزاهة الانتخابات..في حين تجاهل مطالب أساسية أخرى متعلقة بصلاحيات الملك، والحكومة، والوزير الأول، ورغم ذلك صوتت أحزاب الكتلة الديمقراطية، باستثناء منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بنعم على دستور عام 1996، ووصفت تصويتها الإيجابي هذا بالتصويت السياسي الذي هدفت من وراءه إرسال رسالة ثقة وتشجيع إلى النظام لتهيئة الأجواء قبل الدخول في تجربة التناوب التوافقي.

ومن ناحية أولى، أدت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ثمنا باهضا من تماسكها التنظيمي بسبب موقفها الرافض للتعديل الجديد، إذ رحل عنها تيار واسع من أطرها المؤيدين للدستور، وشكلوا حزبا سياسيا جديدا تحت اسم " الحزب الإشتراكي الديمقراطي " بقيادة عيسى الورديغي وذلك في الفاتح من سبتمبر 1996 أي قبل 13 يوما فقط من الإستفتاء على الدستور( في ديسمبر سنة 2005 اندمج هذا الحزب بصفة كلية في صفوف الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية)، ومن ناحية ثانية وقع تقارب بين النظام السياسي وأحزاب الكتلة الأخرى المساندة، تطور فيما بعد إلى إشراك هذه الأحزاب في أول حكومة تناوب توافقي يعرفها المغرب منذ الإستقلال، وألقي على عاتقها مسؤولية إنقاذ البلاد من " السكتة القلبية" التي حذر منها الملك الراحل في قبة البرلمان في دورة مايو التشريعية سنة 1995 على خلفية تقرير قاتم لمدير البنك الدولي حول الوضعية الإقتصادية والإجتماعية للمغرب، أو لنقل طُلب من هذه الحكومة منها توفير الحد الأقصى من السلم الإجتماعي لتمرير مخططات الدولة في الإجهاز على الحقوق الإجتماعية للمواطنين لفائدة التوازنات المالية الكفيلة بإخراج البلاد من أزمتها، وتعبيد الطريق أمام انتقال سلس للسلطة لولي العهد آنذاك الأمير محمد السادس.

خاتمة

من خلال هذا المسار التاريخي، يمكن القول أن الدساتير الخمسة التي تعاقبت على تأطير الحياة السياسية المغربية، منذ الإستقلال وإلى اليوم، وهي دساتير 1962 - 1970 -1972-19921996-، ظلت عاجزة عن إقامة ديمقراطية حقيقية، وستبقى كذلك، مالم تقر نصوصها إصلاحات جوهرية من قبيل:

* الحسم في المعنى الهلامي للفصل 19 الذي جعل أحد الباحثين الفرنسيين المختصين في المغرب وهو الفرنسي ريمي لوفو يقول "في قلب النظام السياسي المغربي يوجد رجل واحد هو الملك"،

* تخفيض نسبة أعضاء البرلمان الكافية لتعديل الدستور من الثلثين المستحيلة في ظل واقع البلقنة إلى الأغلبية البسيطة

* التنصيص بصريح العبارة على تعيين الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية حتى لاتتكرر تجربة الوزير الأول التقتوقراطي إدريس جطو، وتفويت سلطة تشكيل الحكومة ومحاسبتها وإقالة الوزراء له، وترأس اجتماع المجلس الوزاري بتفويض ملكي أثناء غياب الملك أو انشغاله بأجندة أخرى، لضمان انتظامية انعقاد المجلس وفعاليته، وتمتيع مجلس الحكومة بسلطات متوازنة مع صلاحيات مجلس الوزراء، أي أن تكون لدينا حكومة ذات سيادة سياسية حقيقية، يرأسها الوزير الأول فعليا وليس شرفيا.

* إقرار التصويت الإيجابي على الحكومة بدلا من التصويت السلبي المعمول به الآن، إذ يشير الفصل 60 من الدستور الحالي صراحة على أن الوزير الأول يتقدم أمام كل من مجلسي البرلمان بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة ليعرض البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه، وهذا يعني أن الحكومة تكون قائمة وممارسة لاختصاصاتها بالمفهوم القانوني بمجرد تعيين الملك لها ولا تحتاج إلى تصويت البرلمان عليها، فالتصويت يخص البرنامج وليس الحكومة.

* تحويل الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى سلط حقيقية منفصلة عن بعضها ومتوازنة فيما بينها،

إن أي تعديل دستوري جديد إما أن يكون متجاوبا مع المقترحات السابقة، ومواكبا لما راكمه المغرب من تطورات وقوانين وقرارت منذ جلوس الملك محمد السادس على العرش ( قرارات هيئة الإنصاف والمصالحة، مدونة الأسرة، قانون الأحزاب، مدونة الشغل، توصيات المعهد الملكي الأمازيغي، مسودة الحكم الذاتي لأقاليمنا الجنوبية)، وإما ألا يكون

Friday, September 04, 2015

أزمـة تعريـف فكـرة حقــوق الإنسـان فـي ظـل العولـمـة الراهنة: بعض شـواهـد علـى الأزمـة المعاصرة للعالـمـيـة الغـربيـة

أزمـة تعريف فكـرة حقــوق الإنسـان فـي ظـل العولـمـة الراهنة: بعض شـواهـد علـى الأزمـة المعاصرة للعالـمـيـة الغـربيـة
قاســم حجـاج جامعة قاصدي مرباح ورقلة

مقـدمـة:

تدخل البشرية ديناميكية متسارعة من الاندماج والاعتماد المتبادل القسري والإرادي بين الثقافات والاقتصادات والدول الأمم بقيادة قوى غربية وأسيوية. وتزداد وتيرة تلك الديناميكية منذ نهاية الحرب الباردة حيث يجري تسريع خطى العولمة من طرف القوى المعولمة الكبرى تحسبا لظهور قوى غير غربية جديدة تسعى لتساهم إلى جانب بعض القوى الغربية في صناعة حضارة القرن الواحد والعشرين.
ومن بين ما تجري عولمته قيم وقوانين وقواعد ومعايير ومثل ومبادئ وأفكار ومعارف منها فكرتا حقوق الإنسان والديمقراطية الليبيرالية. ولما كانت فكرة حقوق الإنسان مثلا من بين القيم  الموروثة عن التفاعلات الفكرية- المعرفي- السياسية- الاقتصادية لعصر الأنوار والحداثة والتحديث الأوروبي، فإن ميراث ثقافة حقوق الإنسان المعاصر قد طبع بطابعها وانعكست خصائص عالمها ومستوى تطور الإنسانية وطبيعة المسلمة المعرفية التجزيئية السائدة آنذاك على معظم الأدبيات المتداولة عنها.
ومن تفاعلات العلاقات الدولية المعاصرة أن القيم "العالمية" - أي عالمية القيم الخصوصية الحضارية الغربية ومنها عالمية حقوق الإنسان كما ورثتها البشرية من التجربة الحضارية الغربية- تمر اليوم في ظل العولمة الجارية بأزمة في التصور والممارسة، حيث تتعرض للنقد المزدوج من داخل المنظومة الحضارية الغربية ومن داخل المنظومات الحضارية غير الغربية:

1)- من المنظومة الحضارية / الخصوصية الغربية: نقد فكري، فلسفي آت من جهة القوى المناهضة للعولمة ومن تيار ما بعد الحداثة الناقد لموروثات الحداثة الغربية، مستندين إلى ما يكتنف عقلانية عصر الأنوار من قصور وما تتعرض لـه  تلك المبادئ من انتهاكات بسبب وقوع ذلك المنظور في فخ المركزية والرؤية الثنائية الصراعية الغربية للإنسانية ( الغرب ضد بقية العالم / المتحضرون ضد البرابرة ) ويظهر ذلك من خلال حصيلة ممارسات قوى العولمة النيوليبرالية التي تريد تحويل جل ما في الطبيعة إلى سلعة، بينما يجري تسليع كل ما يتعلق بالإنسان من الجينوم البشري إلى الثقافة...

2)- من المنظومات الحضارية / الخصوصيات غير الغربية: حيث تساهم العولمة في إبراز التعددية الثقافية للكوكب- الوطن وتبرز الأصوات الناقدة والمثرية لثقافة حقوق الإنسان منذ بدايات استقلالات بلدان العالم المستعمَر. ومن ثمة تتعرض عالمية فكرة حقوق الإنسان لأزمة عميقة تظهر من خلال الحروب الباردة التي اشتعلت هنا وهناك بعد انهيار العالمية الشيوعية وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالقيادة العالمية وأزمة منظومة الأمم المتحدة وظهور قوى اقتصادية جديدة غير غربية كائنة وصاعدة.

هي إذا حروب باردة بين الغرب والخصوصيات الثقافية غير الغربية ( مثل الأزمة الغربية – الصينية حول حقوق الإنسان)، وبين الغرب والإسلام وخاصة مع تداعيات تفجيرات 11 سبتمبر 2001م، مع تزايد مظاهر عولمة الوجود والحركية الإسلامية عبر القارات الخمس سلميا وبشكل غير مسبوق.

 إن الواقع، يشهد أن العولمة بقدر ما قربت وسائلها - عبر ديناميكية السوق الكوكبية والتكنولوجيات الاتصالية – بين أركان هذا الكوكب- الوطن في الزمن العالمي الحقيقي، بقدر ما باعدت بين الشعوب والأمم حقائق العولمة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية  والخصوصيات الثقافية التي طالما أقصتها الخصوصية الحضارية الغربية عن المساهمة في صناعة مستقبل البشرية باسم المركزية العرقية والتفوق الحضاري.

خصوصيات تسعى للمشاركة في صياغة منظومة حقوق الإنسان الجديـدة بعيدا عن المركزيات العرقية والحضارية والتمركز حـول الإنسان بمعـزل عـن الطبيعة التي تتعرض لاعتداءات واختلالات إيكولوجية تهدد الوجود البشري فوق الكوكب، إضافة إلى ضرورة الكـف عـن اجترار منظوماتنا الثقافية والتربوية  للأنماط التمييزيـة/ les stéréotypes discriminatoiresوتكريس العولمة الاقتصادية لأشكال من اللاتفاوتات الاجتماعية-الاقتصادية  التي تبررها الداروينيات الاجتماعية والشموليات والأصوليات المتطرفة والتعصبات الشوفينية للوطنيات والقوميات المختلفة وثقافة شعب الله المختار ومقولات الصراع بين الحضارات أو داخل الحضارات، بل على أساس القيم العالمية التي تحدد ميثاقا لـ" واجبات الإنسان" لإضفاء المزيد من الأنسنة والأخلاقية على الحضارة المادية المعاصرة، بحيث تعكس العالمية الجديدة القيم الإنسانية المشتركة لسائر البشرية المنخرطة في ديناميكية التحديث الكوكبية.

إشكالية الموضوع:

سنحاول التعرض لمظاهر أزمة تعريف فكرة حقوق الإنسان التي تعبر جزئيا عن أزمة شاملة قيم "العالمية" الغربية في ظل العولمة رغم الانتشار والتداول الذي تعرفه في الأوساط السياسية والعلمية والإعلامية والحقوقية. فنظرا لتلك الأزمة، فإن العولمة تبدو برغم سلبياتها، فرصة لجميع الخصوصيات – بما فيها الخصوصية الحضارية الغربية- لتجسيد عالمية جديدة بإعادة التفاوض والتحاور الحضاري السلمي حول ثقافة حقوق الإنسان بصياغة تعريف أعمق وأشمل لمفهوم حقوق الإنسان (الإنسان- الفرد والإنسان- الأسرة والإنسان- الجماعة والإنسان- الطبيعة).

ومن هنا تساؤلات هذا الموضوع:

- أي تعريف عام للعولمة عامة وللعولمة الراهنة تحديدا ؟

- أي تعريف للعولمة السياسية والحقوقية الراهنة؟

- أي فرص ومخاطر سياسية وحقوقية للعولمة الراهنة؟

- كيف تطور مسار تعريف فكرة حقوق الإنسان؟

- أي أثر للعولمة الراهنة على فكرة حقوق الإنسان؟

- أخيرا، أي مخرج ممكن من أزمة فكرة حقوق الإنسان في ظل العولمة الراهنة؟

أولا: تعريف عام للعولمة الراهنة

إنالعولمة – حسب عدد من الباحثين –مسار وسيرورة تاريخية مركبة ومتعددة الأبعاد والأقطاب. أو هي اتجاه مستقبلي ثقيل وقوي يؤثر في كافة الأنساق في المنظومة الكوكبية.  كما أنها أيضا ديناميكية موضوعية تدفع جميع المجتمعات المعاصرة - بما فيها القوى المعولمة الكبرى الرئيسية كالولايات المتحدة الأمريكية(1)– على ظهر هذا الكوكب – الوطن – على حد تعبير إدغار موران – تدفعها إلى إعادة هيكلة متعددة الأبعاد والمستويات والوتائر لقيمها وهياكلها ونظمها وقوانينها ومؤسساتها، حيث غيرت ديناميكيتها مضامين مفاهيم ومسلمات كثيرة موروثة عن قرون النهضة الصناعية وعملية التحديث الموروثة عن عهد الأنوار الأوروبية ومسلمات الدولة القومية الحديثة لما بعد معاهدة ويستفاليا لعام 1648م، مثل مفاهيم الزمان والمكان والدولة والهوية والمواطنة والديموقراطية والحدود والسيادة والاقتصاد والعمل والقيمة...الخ. حتى أضحى كثيرون يتحدثون عن أن ما يشهده العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة خاصة، عبارة عن مرحلة انتقالية تاريخية ومنعطف تاريخي غير مسبوق تمر به البشرية، معبرين عن ذلك ببادئات مثــل: نهاية، ما بعد، بلا، عابر، متعدي، متعدد(2).

كما تؤدي ديناميكية العولمة إلى حدوث ردود فعل متباينة إزاءها قبولا ورفضا وانتقاء أي تأرجحا بين الرفض والقبول، بحسب الموقف والمصلحة والفهم وتفاوت القدرة على التمييز بين حقائقها وأوهامها، بين جوانبها الدعائية الأيديولوجية وجوانبها الموضوعية، فانقسم المختصون بين قائل بأنها جزء من استراتيجيات كوكبية لقوى سياسية وعسكرية دولية كبرى، وبين قائل بأنها تطور انتقالي نحو موجة حضارية ثالثة على حد أطروحة ألفن طوفلر ودانيال بيل وغيرهما.

ولعل سبب الجدل حولها أنها تحمل في طياتها عدة مفارقات منها أن العولمة الراهنة تحمل في طياتها اتجاهات متناقضة: اتجاهات توحيدية تنميطية تدفعها مثلا قوى السوق الكوكبية والقوى المؤمنة بعالمية القيم الغربية وصلاحيتها لكافة الأنساق الحضارية واتجاهات تفتيتية خصوصياتية يسعى بعضها لتأكيد الذات والآخر لاستعادة الأمجاد الوطنية المفقودة والآخر يعبر عن وجوده بمواجهة قوى السوق الساحقة للثقافات الناهبة للثروات الوطنية باسم مناطق التبادل الحر، بحيث يتجاور الفقر المدقع مع الثراء الفاحش والخطاب الديمقراطي مع ممارسات ديكتاتورية شمولية.

 إذا هي مسار مفارقي الطبيعة، يفرض علينا التعامل معه وفق منطقها المفارقي المزدوج: فوسائلها تتيح – كإمكانية - فرصا متساوية – بفضل خصائص الثورة الرقمية والتكنولوجيات الجديدة- لبلدان ومجتمعات الشمال والجنوب على السواء. بينما حقائقها تكشف عن منطق الإقصاء والتهميش والمزيد من استفحال قوى السوق الكبرى التي تعتبر أولوية الربح على سائر الأولويات بما فيها الإنسان.

فالعولمة عولمات: عولمة الاتصالات والمعلومات والإعلام، وعولمة المبادلات الاقتصادية، التجارية، المالية، وعولمة الثقافات والأديان والأفكار، وعولمة السياسات والنظم والقوانين، وعولمة المعايير والمقاييس العلمية والتقنية، وعولمة التفاعلات الإيكولوجيا، وعولمة الاستراتيجيات الأمنية والعسكري...

لذلك استباحت الخصوصيات القوية خصوصيات ضعيفة باسم نشر قيم ولغات ومثل و نماذج عالمية (أطروحة  نهاية التاريخ لفوكويامـا..)وانهارت النظم الشمولية وتداعت أركان الديكتاتوريات واستفاقت النزعات الخصوصية القومية وما قبل القومية من النزعات القبلية، العروشية، الطائفية، اللغوية، الجهوية من قمقمها بعد طول اختفاء وكمون وكبت خلف أسوار الخطاب الأيديولوجي الدعائي التسطيحي التنميطي ( القومية، الشيوعية، الرأسمالية، الإسلامية، العلمانية..) لحقبة الحرب الباردة، لتظهر نزعات ما بعد القومية من قبلية إلكترونية وأحزاب إلكترونية وانتخابات إلكترونية وجمهوريات إلكترونية... وتزداد بذلك الاختراقات للمجالات الوطنية وللحياة الخاصة بل وللحياة الطبيعية (الهندسة الوراثية واكتشاف خصائص الجينوم الوراثي والاستنساخ..) والمحلية والأسرية والشخصية(3). مما زاد من احتمالات طمس الثقافة والدين والإنسان والبيئة والصحة...

حيث يبدو أن الشمولية – في ظل العولمة الراهنة - قد لبست حلة جديدة مع محاولات الأمركة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، ومن خلال تنامي ظاهرة التركز المالي والمعرفي والإعلامي والثقافي والغذائي والدوائي، من خلال أمثلة استحواذ واحتكار وهيمنة شركات متعدية الجنسيات وبعض الميريارديرات (حوالي 360 ميليارديرا) على مقدرات شعوب بملاييرها مثل: الإمبراطوريات الخاصة لـ: بيل غيتس وروبيرت ميردوخ وبيرليسكوني وماكدونالد وسي.أن.أن وشركة أول- تيم ورنر ومونسونتو ولاقاردير وداسو…وخطورة تلك التركزات على مستقبل الحرية والتربيةوالقانون والعدالة.(4) خاصة وأن العديد من تلك الشركات متخصصة أصلا في قطاعات الكهرباء والإعلام الآلي وصناعة السلاح والمياه والهاتف والبناء، محولة الإعلام والتربية والتعليم إلى مجرد بضاعة وميدانا للتنافس الرأسمالي ومنه اختراق ووضع اليد على المنظومات الثقافية الأخرى.

فإذا اعتبرنا العولمة تغيرا اجتماعيا كوكبيا واتجاها ثقيلا، فإن موقف أي نظام أو فاعل اجتماعي إزاء هذه الظاهرة لا يمكن أن يشذ عن تبني إحدى الاستراتيجيات التكيفية الثلاث التالية:

1- الاضمحلال مثل الديناصورات مع أو بدون كرامة، في صمت أو في صخب.

2- تكييف متدرج وذكي -ضمن الخصوصية الحضارية والوطنية- للقيم والسلوكيات والأهداف والمنظومات الكلية للمجتمع.

3- صناعة وإبداع مستقبلات بديلة عبر القدرة على التأثير على البيئة المحيطة.

وحيث أن العولمة في أحد تعريفاتها المتكاثرة والمضاربة تعبر عن:"تقاطع/convergence عالمي للمواقف والقيم التي تساهم في إقامة أجواء نفسية، روحية، وجدانية متداخلة للمجموعة البشرية العالمية بشكل غير مسبوق فيما مضى".(5)... فما هي أهم مضامين العولمة السياسية والقانونية بالذات؟

ثانيا : تعريف العولمة السياسية والقانونية الجارية

يمكن أن نقتصر على تعريف للعولمة السياسية والقانونية من وضع أستاذ العلوم السياسية بيرترون بادي فحواه أن مصطلح العولمة " يصف عملية تشكل نظام دولي يتجه نحو التوحد في قواعده القانونية، وقيمه، وأهدافه، مع زعمه العمل على إدماج مجموع البشرية ضمن إطاره."(6)

إذا، العولمة  السياسية- القانونية تمثل من الزاويتين السياسية والقانونية، نهاية  الدولة التدخليـة، الدائمـة والشديـدة الحضـور /L’état omniprésent والتحويل للمزيد من السلطات نحو السفل أي اللامركزية مع الانخراط نحو الأعلى ضمن مؤسسات متعددة الأطراف جهويا أو دوليا والشركات والمؤسسات العابرة للقوميات الاقتصادية والاجتماعية.

إنها تجسد لسعي بعض القوى المعولمة لإضفاء العالمية والتعميم والانتشار والتبشير علـى بعض القيم السياسية والقانونية والاقتصادية المرتبطة بقيم الخصوصية الحضارية الغربية، مما يثير ردود فعل الخصوصيات الأخرى غير الغربية مطالبة بالمساهمة في إعادة تعريف محتوى القيم العالمية السياسية التي يمكن قبولها إراديا مثل قيم الديمقراطية والحريات الفردية والجماعية وحقوق الإنسان والشعوب...الخ

 ثالثا:بعض مضامين وفرص العولمتين السياسية والقانونية الراهنتين

   يمكنني أن أوجز أهم محتويات ديناميكية العولمة السياسية والقانونية الجارية في مجموعة من الخصائص والظواهر والفرص التالية:

- استمرار الدولة- الأمة رغم العولمة كقوة ووحدة رئيسية في العلاقات الدولية بحيث تعززت الدول الأمم بأساليب تكيف جديدة مع تغير – لا نهاية – الحدود الوطنية.

- التحول من الديموقراطية النيابية والمركزية إلى ديمقراطية المشاركة واللامركزية. إذ  إما أن تكون الديمقراطية محلية أو لا تكون. كما أنه لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين وبلا ثقافة وتنشئة ديمقراطية.

وتتيح آليات الديمقراطية الإلكترونية التفاعلية عدة فرص جديدة لتعزيز ديمقراطية المشاركة. التحول من ديمقراطية المجتمع الصناعي على ديمقراطية المجتمع ما بعد الصناعي من الديمقراطية غير المباشرة على الديمقراطية المباشرة الإلكترونية من الديمقراطية المركزية إلى المحلية.

- تحول أساليب إدارة الإقليم الوطني من الأساليب المركزية إلى الأساليب اللامركزية. من الهرمية على الشبكية من الإنسانية- الإنسانية إلى الإنسانية - الآلية الرقمية.

- انتشار ثقافة حقوق الإنسان ومفاهيم المواطنـة والديمقراطية السياسية والتعددية السياسية، وتزايد المطالبة المجتمعية بالمزيـد مـن الشفافية والشرعية والإدارة الديمقراطية للحكـم والشؤون العامة بحيث تطالب بجهاز دولتي فعال اقتصاديا وبأداء متميز للمؤسسات القضائية ومؤسسات الخدمات العامة.

- الانتقال من العلاقات الثنائية دوليا إلى بناء علاقات متعددة الأطراف وعقد تحالفات وتجمعات إقليمية وكوكبية عبر الاتحاد الأوروبي، مناطق التبادل الحر العربية الأورومتوسطية، الكوميسا، الإيغاد، الأزيان ، النافتا، منظمة التجارة العالمية الناتو والشراكة من أجل السلام، منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، الآبيك، الأوبيك، منظمـة التجـارة والتعـاون الاقتصـادي (OCDE) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية(UNCTAD) برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية/UNDP...الخ

- الأخذ بمبدأ النسبية الثقافية والتعددية الثقافية في بناء الجماعات الوطنية لتلافي  انفراط رابطة العقد الوطني ولتعبئة جميع الموارد البشرية الوطنية المتاحة بكافة ألوان طيفها بعيدا عن السياسات والنماذج المفرطة في التجانسية التنميطية للهوية الوطنية.

- إعادة تعريف مفاهيم سياسية كلاسيكية(7)مرتبطة بالظروف التاريخية الحضارية لظهور الدولة الوطنية الحديثة مثل: السيادة الوطنية، الهوية الوطنية، الحدود الوطني، الاقتصاد الوطني، السوق الوطنية، الهوية الوطنية، اللغة الوطنية... بحيث تنسجم مع التحولات التي تدفع إليها ديناميكية العولمة الاتصالية والاقتصادية...

- تنامي أدوار ووظائف المجتمع المدني وطنيا وعبر الأوطان وتزايد الوعي المواطني بأهمية المشاركة السياسية محليا ووطنيا وكوكبيا للحيلولة دون تداعي عدوى الأزمات والأمراض العابرة للحدود الوطنية وحلها ضمن شروط ممارسة الديمقراطية المحلية والوطنية عن طريق الحركة الجمعوية .

- الأخذ بمبدأ الحكم الصالح والشفافية ودولة القانون والإلحاح على المزيد من الشفافية والنظافة السياسية والإدارية والمحاسبية في إدارة المال العام وفي إدارة الشأن العام وتنمية الموارد الاقتصادية بعيدا عن المحسوبية والرشوة والمحاباة والغموض واللصوصية وإهدار الموارد في مشاريع ترفيه بذخية ترهن مستقبل الأجيال القادمة وتحول دون تحقيق تنمية مستديمة..

- زيادة درجة التسييس لأوساط واسعة من البشر بعد طول احتكار للمجال السياسي من طرف السياسيين وأساليبهم السرية في إدارة الشأن العام وانكشاف الكثير من ممارساتهم عبر السلطة الرابعة ومواقع الإنترنت والقنوات الفضائية والمعارضات السياسية وهذا أتاح فسحة من الإعلامية أكبر وقلص من حدة تهميش أو هامشية الدور السياسي لقطاعات سكانية كبيرة.

- تزايد وتيرة الحراك الجيلي وسرعة تنضيج وعي الصغار والشباب من الأجيال الجديدة التي عاصرت ثورة المعلومات والاتصالات وموجة الدمقراطيات الصاعدة، مما يضغط في اتجاه التجديد للقيادة والتداول الجيلي على السلطة – على أساس الإدارة عبر الفريق واللجوء إلى الذكاء الجماعي على المستويات المحلية والمركزية للتغلب على حدة المنافسة وتعقدية النظم والحركيات، خاصة لما أضحى يتطلبه الفعل السياسي من مهارات لا تكفي فيه القدرة الخطابية وكاريزما الشخصية والإنجازات البطولية قيادات الجيل المخضرم من الأجيال الشبانية السابقة.

- تعقد العمل السياسي وتزايد تكاليفه المعنوية والمادية على المستوى الفردي والمحلي والوطني والدولي مما يتطلب تكوينا مستمرا للنخب السياسية وتعبئة للذكاء الجماعي الوطني والتقليل من نموذج الدولة الشديدة التدخل في التفاصيل والمشكلات الصغيرة لمواجهة تعقدية وتسارع وتيرة الأنشطة الإنسانية المتدفقة عبر الحدود الهلامية.

رابعا: بعض مخاطر العولمتين السياسية والقانونية الراهنتين

  يمكن أن نوجز مجموعة من المخاطر والتغيرات السلبية التي تصاحب العولمة السياسية والقانونية  فيمايلي:

1- انهيار دولة الرفاهية الاجتماعية في ظل سيطرة أيديولوجيا الليبرالية الجديدة، وغياب طريق ثالث أو حلول بديلة مستقلة عن الفكر الأحادي السائد، ما عدا محاولات محتشمة لما يسمى باقتصاد السوق التضامني / الإنساني وتجارب أخرى تعيش الحصار تستند إلى الأطروحة الإسلامية.

2- أزمة تماسك الدولة الوطنية(الدولة الأمة) وابتذال سيادتها بسلطة التكنولوجيات القديمة والجديدة خاصة، وانكشافها الأمني ( الاستخباراتي )، وانطماس الحدود بين الداخل والخارج (كثافة التفاعلات العابرة للأنساق الوطنية و تزايد الاعتماد المتبادل وتلاعب الأقوياء بالتبعية المتبادلة وتسارع عمليات التدويل)، اختراق القيم الأخلاقية والدينية والثقافية والتلاعب بها باستغلال التناقضات الداخلية وإعادة تكييف المنظومات والمؤسسات الاجتماعية والدينية والقانونية الوطنية تحت مسميات الإصلاح والشراكة والتعاون.

3- التوظيف الذرائعي المصلحي التبريري والكيل بعدة مكاييل إزاء قضايا انتهاكات حقوق الإنسان والتحول الديموقراطي ومواجهة الأنظمة القمعية.

4- تفكيك البنى الوطنية والتقليدية لحساب القوى الكوكبية بتأليب إحداها على الأخرى وضرب الاقتصاديات الوطنية عبر ضرب منظومة القيم.

5-تنامي نفوذ قوى العولمة من شركات كوكبية ولوبيات ضاغطة وحكومات ومنظمات نافذةوإمبراطوريات كوكبية (شموليات جديدة) اقتصادية، إعلامية علمية، خاصة تستخدم تكنولوجيات الفضاء والإنترنت- التي تتجه إلى التصغير والإتاحة والشبكية والرخص – للتلاعب بالبنيات العقلية والإدراكية والسيكولوجية وتعلب وتسوق قيم السوق الاستهلاكية عن بعد وتضبط الأجندات السياسية لشعوب بأكملها – بحكوماتها- وفق مشيئتها.

6- انتشار الجريمة المنظمة والفساد الاقتصادي والسياسي والرشوة الدولية والوطنية مما يضفي على النشاط السياسي في أي بلد حالة من الشك وعدم الثقة.

7- استحواذ البيروقراطية والتكنوقراط على القرار السياسي الوطني وتوظيف المعرفة والخبرة التقنية والفنية في إدارة الأزمات والملفات بالتنسيق مع مثيلاتها دوليا بعيدا عن الرقابة الشعبية الوطنية والمحلية ديمقراطيا على قراراتها المصيرية.

كما أن هذا الوضع النخبوي المتأزم يدل على اختراق واستتباع أجزاء هامة من النخب الاقتصادية والإعلامية والسياسية والعلمية الوطنية فأصبحت تشكل- شعوريا أو لاشعوريا- تلك الفروع والامتدادات للنخبة البورجوازية الكوكبية التي تتلاقى مصالحها العابرة للقوميات (منتديات كرون مونتانا، ودافوس ومنظومة الأمم المتحدة ومنظومات الشركات المتعددة الجنسيات) بحيث تنقطع عن الهموم الوطنية وتنغلق في عالمها الخاص الوظيفي.

8- تزايد مخاطر خوصصة الدولة – كمجال عام – إلى جانب خوصصة الشركات العامة، على يد بعض النخب المتنفذة من مافيات المال والسياسة وتحويل قوى العولمة الاقتصادية للحكومات الوطنية إلى مجرد حكومات محلية تقوم بإدارة ملفات محلية عن طريق المناولة والشراكة والدبلوماسية الاقتصادية بحيث تحول الوطن إلى"مشروع شركة" على حد تعبير ضياء رشوان(8). وتحولت الحكومات إلى شبه إدارات أعمال محلية للشركات الكبرى الدولية.

9- تزايد عمليات عولمة وتوحيد وتنميط المقاييس والمعايير والقوانين عبر العديد من المنظمات والتكتلات العابرة للقوميات التي تعد مجالا حيويا للتأثير والنفوذ الحضاري للخصوصية الغربية واتساع تلك العملية من المجال التكنولوجي، البيئي، العلمي، الاقتصادي إلى المجال السياسي والتربوي - التعليمي، الإعلامي والديني مما يهدد الخصوصيات الوطنية والحضارات غير الغربية بالسحق الحضاري. ومن أمثلة ذلك الاتجاه دفع الولايات المتحدة الأمريكية بمشاريع " إصلاحية" للمنظومات التعليمية والدينية والثقافية إلى البلدان العربية تحت ستار مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه(خطة ابنة ديك تشيني – باول لدمقرطة مجتمعات الشرق الوسط ).

10- سهولة استثارة النزعات الأقلياتية وصناعة الهويات الانفصالية عبر التوظيف الذرائعي المصلحي لثقافة حقوق الإنسان لتهيئة الأجواء للمزيد من النهب والاستحواذ على الثروات الوطنية التي أساءت بعض النخب المحلية إدارتها لصالح تنمية وطنية متوازنة ودائمة ناجحة لصالح الأجيال الصاعدة الجديدة.

11- ترهل الرابطة الوطنية وامتهان رموزها وتحول الخطاب الوطني إلى نوع من الضحك على الأذقان وممارسة التضليل السياسي على الممارسات اللاوطنية واللاديموقراطية عبر انتشار لغة الخشب والرقابة على الفكر الحر والتضييق على الحريات الفردية والجماعية وتنامي القيتو الجهوي والطائفي وألوان من التعصب القبلي والعروشي واللغوي والمذهبي والأيديولوجي والحزبي الضيق كتعويض عن فشل الانتماء الوطني التنميطي الذي ساد خلال تطبيق نظم الحزب الواحد، وخاصة فشله في تحقيق المساواة والحريات والإشباع الكافي للحاجات الإنسانية الأساسية في الغذاء والصحة والتعليم والسكن... بما يحفظ الكرامة الإنسانية.

ذلك أن الانتماء مطامنة للقلق الأساسي، ومعزز للأمن مع الذات ومع الآخرين، ولا يترسخ الأمن إلا بالمقدار الذي تتكامل فيه حلقات الانتماء ويتسع مداها، لكن الأمن يضيق عندما تتأخر  وتتصارع حلقات الانتماء وتبرز التناقضات بينها، تناقضات تغذيها قوى ذات طموحات ضيقة ومصالح ومآرب معينة في الداخل والخارج. فيصبح الانتماء في حلقاته الأضيق – خلال الأزمات- ملاذا للكثيرين ومنطلقا لتشكيل قوى المعارضة السياسية التي يمكن في أن لحظة أن توظف من قوى العولمة.

حيث أن مشكلة أزمة الانتماء الوطني ليس في الواقع ناتجة عن التمايزات الطبيعية المتأتية من السن والكفاءة والجنس ومكان الميلاد، لأن التعددية والتنوع ثراء للذات الفردية والجماعية وليست تهديدا لها، إذ التمايز ضروري لإغناء الذات، ويمكن من التكامل والتفاعل طالما أنه لا يشكل وسيلة لزيادة الامتيازات ومن ثمة الإخلال بالعدل والمساواة مما يؤدي إلى تزايد الخلل والمظالم الاجتماعية ومنه إلى التباعد والتفكك فالانفجار إذ لم تتحرك قوى الاندماج السياسي- الاجتماعي الإيجابي والوفاق الديموقراطي مع النفس ومع الآخرين ضمن الوطن الواحد.(9)

12- صعود نفوذ وسلطة التكنوقراط والأدوكراسي /L’ah-docratie على حساب السياسة والسياسيين في تقرير مصير الحياة العامة للدولة- الأمة. ومن هنا أطروحة نهاية السياسة وأزمة السياسة التي تتغذى - من وجهة نظر الفلسفة السياسية - من فرضية نهاية الحداثة وبداية ما بعد الحداثة. إذ الأمر يتعلق بخفوت وهج السياسة وهامشيتها خاصة مع انتعاش الخطاب النيوليبيرالي مع العولمة الجارية منذ الثمانينيات الأخيرة وصعود التقنوقراطية الوطنية والدولية التي تدافع عن ضرورة استقلال المؤسسات الدولية عن السياسة لضمان فاعليتها في أداء وظائفها على أكمل وجه بعيد عن النزعة التمركز حول الذات التي تميز السياسة والسياسيين.. علما أن الخطاب التقنوقراطي يستند إلى مطلبين أساسيين:

أ)- إزالة الهالة على السياسة وعن قدرتها الأسطورية الحالمة وتحويل وظيفته على مجرد وظيفة تسييرية لأمور المدينة(الدولة)

ب)- التخفيف الأقصى من تأثير السياسة على المؤسسات المتعددة الأطراف. فالخبير كفيل بإيجاد الحلول والإجابة اللائقة تقنيا على المشكلات القائمة.

كما يرى الوظيفيون والبنيويون أن السياسة فقدت من جوهر وظيفتها بسبب تحكم الاحتكارات في الزمن العالمي، فالخيارات السياسية الوطنية تجد نفسها محكومة بمنطق الأسواق المالية المعولمة. وحتى من جهة السياسات الاجتماعية الوطنية نجد النخب الوطنية تتبنى استراتيجياتتضفي مرونة على قوانين سوق العمل والتأمينات الاجتماعية الموروثة عن الثورة الكينيزية ودولة الرفاهية الاجتماعية بهدف حفز الاستثمارات الأجنبية المباشرة/IDE، للدخول إلى الأسواق الوطنية.

كما أن نهاية وأزمة السياسة يرتبط بنهاية الإقليم الوطني ونهاية الدولة الأمة ونهاية الحدود بمفهومها التقليدي الذي طالما كان فضاء تنمو وتنتعش فيه الرابطة الاجتماعية الوطنية الواحدة، ذلك أن الإقليم طالما شكل المخيال السياسي للإنسان خلال القرون الثلاثة الأخيرة. لكن التبادلات والتدفقات والاتصالات المادية واللامادية العابرة للقوميات والحدود قد فجرت الهوية المتماسكة للإقليم الوطني ومن ثمة للوحدة الوطنية بمفهومها التنميطي الموروث عن التجربة الحداثية التنموية الأوروبية منذ عصر الأنوار. 

مما سبق نفهم كيف يحدث ابتعاد السياسة والسياسيين عن المواطن العادي بحيث تصبح السياسة مجالا وامتيازا تحتكره اللوبيات الوطنية المتحالفة مع اللوبيات والطبقات والهيئات الدولية الكبرى التي لا تعبأ بآراء ومواقف ومصالح المواطن المحلي والوطني كثيرا (10)، والتي باتت تشكل طبقة كوسموبوليتية كوكبية لها تقاطعاتها الأيديولوجية والمصلحية.

ومن هنا نفهم أيضا – حسب نظرية يورغن هابرماس حول السيطرة-كيف تحدث أزمة الدافعية وهي أزمة تكامل اجتماعي، تضاف إلى أزمة العقلانية التنويرية في المجتمعات الغربية الرأسمالية بالذات. وهي إحدى أزمات التكامل في النسق الاجتماعي عامة ومصدر أزمة الشرعية، حيث أن الدولة لا تصبح في هذا الوضع أداة للتوفيق بين المصالح المتضاربة لمواطنيها الذين تحكمهم، بل يصبح مبرر وجودها محل تساؤل وجدل.

وإذ يؤثر طغيان الدولة وزيادة سيطرة الطبقة التكنوقراطية على وظائف الدولة وعلى فعالية الفعل السياسي - سيطرة لازمة ويا للمفارقة، لإدارة الأزمات - فإنه يؤثر على إضعاف دافعية الناس للمشاركة السياسية مشاركة فعالة في النظام على أي وجه من الوجوه. بل إن الملاحظ هو تراجع الدافعية عن المشاركة في الحياة العامة في معظم الديمقراطيات الكلاسيكية.(11)

إذا كانت أزمة الدولة – الأمة في المراكز الغربية حقيقة تشهد بها القوى المناهضة للعولمة داخل الغرب نفسه، وتشهد بها الدراسات الأكاديمية – مثلا دراسات يوغان هابرماس الاجتماعية النقدية وأعمال السوسيولوجي الفرنسي إغار موران- التي ما تنفك تنبه إلى وقوع الدول الوطنية المعاصرة رهينة قوى إنتاجية متطورة متمركزة بيد أقلياتية ذات روابط شبكية كوكبية تتذرع بسلطة بيروقراطية وإيديولوجيا تنموية رأسمالية تقنوية علموية شمولية ذات أقنعة قمعية تتمثل في بنياتها المعرفية التفكيكية المتأزمة، التي باتت تعمل مستقلة عن الأهداف والغايات العليا التي رسمت لها ابتداء، فأضحت بلا  مبرر أخلاقي إذ هي بعد أن سيطرت على الطبيعة تسعى إلى بسط سلطتها على الإنسان كنوع، من خلال مشاريع التلاعب الجيني والانتشار النووي والاختلالات المناخية والأزمات المالية المتتكررة...

خامسا: حقوق الإنسان: أزمة في المرجعية وفي السيرورة التاريخية لانتشار الفكرة

تبلور مفهوم حقوق الإنسان في عصر النهضة، من أصول يونانية-رومانية، في ظروف أوروبية، وأمريكية محددة في التاريخ بمميزاتها الاجتماعية والسياسية. "فالإعلان العالمي عن حقوق الإنسان -حسب الباحث السياسي السوري جوزيف يعقوب(12)-يحمل لون الحقبة الزمنية التي ولد فيها وفيه مذاق الفضاء الذي ولد فيه أيضا وهو الفضاء الغربي"(13)

وقد أسس للفكرة فلاسفة عصر النهضة العقلانيين على أساس فكرة "حالة قانون الطبيعة". وهناك من يعيد أساسه إلى فكر العقد الاجتماعي لـ جون جاك روسو.

"إنَّ البحث عن أصل المثلث الفرنسي: الحرية والمساواة والإخاء؛ الذي جاء على رأس الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن (الثورة الفرنسية 1789م)، يؤدي بنا إلى الإعلان الأمريكي للاستقلال سنة 1776م.

وقد أكد "جلينك" أنَّ إعلان حقوق الإنسان كان نتيجة حركة الإصلاح الديني وليس للثورة الفرنسية"(14). "وقد جاء الإعلان لينهي السلطة المطلقة للمَلِك والكنيسة والإقطاعيين وينهي الامتيازات"(15)

وهنا يتساءل الدكتور محمَّد عابد الجابري عمَّا إذا كان "فلاسفة أوروبا في القرن الثامن عشر قد لجؤوا إلى الدين في محاولتهم تأسيس "عالمية حقوق الإنسان؟""(16). فيجيب قائلا: "إنَّ نص إعلان الاستقلال الأمريكي قد وظف في تقريره لـ "حقوق الإنسان" مفاهيم دينية صريحة مثل "الخالق" و"الحاكم الأعلى للكون" و"العناية الإلاهية"، وبالرغم كذلك من أنَّ "إعلان حقوق الإنسان"، الذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية قد أشار في ديباجته إلى "رعاية الكائن الأسمى" [أي: الله] إنـَّه بالرغم من هذا وذاك فإنَّ الدين لم يكن بصورة من الصور، المرجعية التي تؤسس "حقوق الإنسان تلك"، بل (..) قد نُودِيَ بها أصلا من طرف الفلاسفة ضدَّ أعلى جميع السلطات التي كانت تتحكم في الإنسان الأوروبي في ذلك الوقت، وعلى رأسها سلطة التقاليد وسلطة الكنيسة (..).بل لقد عمدوا إلى بناء مرجعية عقلية مستقلة تتجاوز سلطة الكنيسة وتعلو عليها، تتألف من ثلاث فرضيات رئيسية هي:

- القول بالتطابق بين نظام الطبيعة ونظام العقل.

افتراض ما أسموه بـ"حالة الطبيعة"(17)

- ثمَّ فكرة "العقد الاجتماعي" فالانتقال من "حالة الطبيعة" إلى "حالة المدنية" كما قرر جون جاك روسو (1712-1778م).

ويرى الجابري أنَّ الصفة العالمية المؤسسة لمفهوم حقوق الإنسان مستمدة من تجاوزها للخصوصيات الثقافية ورجوعها إلى "البداية" أو إلى "ما قبل" كلّ ثقافة وحضارة إلى "حالة الطبيعة" "(18)

وتتضمن فكرة حقوق الإنسان: حقَّ حرية التفكير والملكية والصحافة والاعتقاد والتعبير والتنظيم وغيرها من الحقوق والحريات الفردية والجماعية.

كما عُرفت الحرية بأنَّها حقّ القيام بكلِّ ما لا يسئ إلى الآخرين. وبما أنَّ الناس أحرار عالميا، فلا بدَّ من ضمان احترام حقوقهم عالميا، بالبرهنة على وجود "قانون طبيعي" أي وجود حقوق ملازمة للطبيعة البشرية سابقة لأي انتماء إلى أي مجتمع، أي حق مستقل عن أي تميز ثقافي؛ حق أعلى من القانون الوضعي الذي هو القانون الوطني لأي دولة. هذه الفكرة يفترض أن تساعد على ترقية حق عالمي يجمع بين مبادئ مشتركة للأمم المتحضرة.(20)

إنَّ "الحقوق مظهر لكرامة الإنسان، فهي تتجاوز الزمن والظروف والتاريخ وتسمو إلى فعل الخلق... وهي [لذلك] غير قابلة للتلاعب بها إذا كانت أصيلة وليست معلقة بإرادة ملك أو برلمان أو طبقة اجتماعية، أي إذا كانت هبة من الطبيعة أو بالأحرى من إله، وأن تكون قد بدأت مع خلق الإنسان"(21)

وهذا يطرح مرَّة أخرى إشكالية قانون الطبيعة الذي تستند كل من فكرة العالمية وأحد أهم الأفكار المتفرعة عنها: وهي هنا فكرة حقوق الإنسان(22) بما  أنَّ إعلانات حقوق الإنسان مرتبطة بحيثيات محددة وتاريخ خاص بالمجتمعات الأوروبية التي كانت تعيش تحت سطوة مؤسسة الكنيسة وهو واقع ليس عالمي آنذاك. كما أنَّ مفهوم الدين والتجربة الدينية التاريخية ليسا واحدا لدى المجتمعات قديما وحديثا.

لذلك يمكن التساؤل: لماذا الاعتراض على عالمية حقوق الإنسان؟

أوَّلاً: هناك من لا يؤمن بعالمية قيم "العالمية" وبالتالي لا يؤمن أنَّ قانون الطبيعة عالمي يعلو على القانون الوطني.

ثانيا: هناك من يشعر بالحرج من عبارة "قانون" الطبيعة خاصة إزاء القانون الوضعي فكلمة "قانون"(23) حسب تعريف نوبيرتو بوبيو/Noberto Bobbio تعني: "واجب العمل بمقتضى قاعدة تسبب مسبقا آثارا تعويضية في حالة خرقها".

إذا، فالحق الطبيعي - مع الأسف- لا تسنده الوسائل الإكراهية التي يتمتع بها القانون الوضعي.

ثالثا: القانون الطبيعي ليس قانونا ولكن تعبير عن نوايا حسنة، مرتبط بالفلسفة الأخلاقية.

رابعا: حقوق الإنسان حقوق لائكية، مستقاة من قانون الطبيعة وصاغها العقل المجرد [أي دين عقلي وطبيعي] بينما أتباع ديانات عالمية كالمسيحية والإسلام والهندوسية والكونفوشيوسية والثقافات الأخرى يستندون على غير هذه المرجعية. وحقوق الإنسان علمانية تجعل الدين وحرية التدين مسألة شخصية، فليس لها دور سياسي اجتماعي كبير.

خامسا: حقوق الإنسان تستند على قيمة عليا هي الحرية وأولوية الحرية الفردية(24) وبما أنَّ قانون الطبيعةيقضي أنَّ الأقوى والأصلح والمتقدم والأفضل والأرقى هو الذي من حقِّه النصيب الأكبر من الحقوق؛ أي أنَّ التنافس مفتوح وفق قانون الطبيعة، مما يثير صراعات للتوفيق بين المصالح والحقوق الشخصية والمصالح والحقوق الاجتماعية [وطنية أو عالمية…] وبين حقوق الفرد وحقوق الدولة ومصلحتها. فإذا تعارضت إحداهما فكيف يتمُّ الترجيح؟ وقد كان هذا التناقض والإشكال مطروحا منذ الإعلان الفرنسي.(25)

كما أنَّ الدول الاشتراكية كانت تُقيم نظمها الاجتماعية على قيمة المساواة وصراع الطبقات فهناك صعوبة التسليم بحقوق إنسان تقوم على أساس الحريات البورجوازية والليبيرالية. فمثلا: "حاول أرنست بلوك أنَّ يُوَفِّق بين الماركسية والحقوق الطبيعية للإنسان ولكنه اضطر في النهاية إلى أنَّ يقول: "لا يمكن القبول بأنَّ الإنسان حر ومساو للآخرين بالميلاد، فلا يوجد حقوق إنسانية فطرية، ولكن الحقوق يتم الحصول عليها، أو يجب الحصول عليها من خلال الصراع".(26)

وِفقا لهذه النظرة: ليس التاريخ صراعا بين حقوق متعارضة ولكنه صراع بين مصالح متعارضة. وهذا معنى "الصراع الطبقي"؛ فالطبقة التي تخرج منتصرة في هذا الصراع تعلن مصالحها، أو إرادتها، قانونا. لذلك يقول الماركسيون: "القانون هو إرادة الطبقة الحاكمة تحولت إلى إجراءات قانونية" "(27)

لذلك عند التصديق على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس 10ديسمبر 1948م الدورة 183 للأمم المتحدة) صوتت (48 دولة) بـ "نعم"، و(00 دولة) بـ "لا"، و(08 دول) امتنعت؛ وهي: الاتحاد السوفياتي،(28) بيلوروسيا، أوكرانيا، بولونيا، تشيكوسلوفاكيا، بلغاريا، العربية السعودية، أفريقيا الجنوبية، في غياب ثلثي البشرية التي كانت مستعمرة.(29)

وقد دلَّت مثلا مناقشات مؤتمر حقوق الإنسان بفيينا سنة 1993م، والجدالات الحادة في مؤتمر بيكن العالمي للمرأة (15-14 سبتمبر 1995م)، وفي مؤتمر دربان بجنوب إفريقيا بداية سبتمبر 2001 حول مكافحة العنصرية واللاتسامح…) عن الاختلافات الكبيرة والحادَّة بين الخصوصيات الثقافية والدينية حول فكرة حقوق الإنسان. كما دلَّت على تحالف غير مسبوق بين الفاتيكان وبلدان ومنظمات بلدان إسلامية ومنظمات غير حكومية من مختلف الجنسيات والأديان حول مسائل محددة عن حقوق الأسرة والمرأة.

"إنَّ الروح الليبيرالية لسياسة حقوق الإنسان والديمقراطية وسياسة السوق الحر هي بعض الأفكار التي تثير أحيانا ردود فعل ناقدة من قبل الحضارات الإسلامية والكونفوشيوسية والإفريقية(30)(...) وهذه الليبيرالية هي جماع للفردانية والعلمانية اللتين خرجتا من رحم الفكر الأوروبي على عهد حقبة التنوير. إنَّ هذه الأفكار الليبيرالية من شأنها أن تثير حفيظة الثقافات الأخرى غير الأوروبية مثل الثقافة الإسلامية والآسيوية؛ إنَّ الحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية كلتيهما تنزعان نحو الجماعية وتعبران عن وعي بقيمة الدين.(31) كما أنَّ الحضارة الأولى توازن بين مكانة وحقوق الفرد والمجتمع، بينما تقدم الثانية المجتمع على الفرد، وبينما تُعلي الأخيرة من الشأن الأخلاقي والروحي، تسعى وتؤكد الأولى على التوازن بينها بشكل لا تكاد تعقله النظرة الغربية وبالذات التجربة العلمانية في المجتمعات الكاثوليكية حيث أن الصراع بين الكنيسة والمفكرين الأحرار البورجوازيين كان داميا على عكس تجارب المجتمعات البروتيستانتية المذهب الديني.

وتَصلح قضية حقوق الإنسان أن تكون مثالا تصويريا يبين تناقض الرؤى حيالها بين الموقف الليبيرالي والمواقف الأخرى. إنَّ السياسة الأمريكية -مثلا- لا تبدي اهتماما (مبدئيا) بقضية حقوق الإنسان فيما يتصل بالقتل والتعذيب وكفالة الإجراءات القانونية الصحيحة فحسب ولكنها تضيف إليها قضايا أخرى مثل الجنس -بمعنى النوع- والديمقراطية، وقد استمدت هذه الحقوق "عالميتها" من الثورتين الأمريكية والفرنسية.

وفي هذا المضمار يقول إدوارد سعيد: "إنَّ هناك مدرسة المؤمنين بسياسة خارجية تقوم على مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية. لكن هذا لا يحظى باقتناع كثيرين داخل الولايات المتحدة أو خارجها، باستثناء منظمات غير حكومية في العالم الثالث تسعى إلى الحصول على تمويل من الصندوق الوطني للديمقراطية (وهو جهاز للسياسة الخارجية الأمريكية غير جدير بالثقة إطلاقا ومثير للسخرية). وهذا مثال عن التناقضات والتقلبات الخرقاء والانتهاكات الصارخة..."(32)

ويعلق نعوم تشومسكي على استراتيجية أمريكا لـما بعد الحرب العالمية الثانية فيما سُمِّي بـ "فريق دراسات الحرب والسلم" عن سياسة حقوق الإنسان الأمريكية كما يلي:

1-"إنَّ الحديث عن الحرية والديمقراطية لا معنى له لأنّ الحرية هي حرية أنَّ تنهب، هي وحدها الحرية التي تعني شيئا، وما عداها فإنَّها في الغالب للعرض، وعلينا لكي نحتفظ بحرية النهب والاستغلال أن نعارض بانتظام تحقيق الديمقراطية ورفع مستوى المعيشة وحقوق الإنسان".

2- "إنَّ هناك معادلة تتعلق بحقوق الإنسان تقوم على ما يلي: كلَّما ساء مناخ حقوق الإنسان(33) كلما ازدادت المساعدات الأمريكية" لأنظمة مُعيَّنة، ولذلك فإنَّ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية مبينة في الحقيقة على مبدأ أنَّ حقوق الإنسان غير واردة، ولكن تحسين مناخ العمليات الاقتصادية الخارجية واردة إلى أقصى الحدود.

وبعد نهاية الحرب الباردة "استُخدم -حسب بيلار إشوفيريا /Pilar Echeverrea- خطاب حقوق الإنسان، وسيلة إيديولوجية لتدخل القوى الكبرى"(35)، تحت غطاء حق التدخل الإنساني.

واحتجاجا على ربط عالمية حقوق الإنسان بالمرجعية الغربية (المركزية العرقية)؛ في حوار نشرته جريدة لوموند الفرنسية(36) مع المفكر الجزائري محمَّد أركون(37)،يرى هذا الأخير" أنَّ الغرب يقوم على مركزية عرقية، ويرفض سماع وجهة نظر الخصوصية الإسلامية"(38) قائلا. "لا تستطيعون أنَّ تطلبوا من كلّ الثقافات أنَّ تتبع نفس المسار الذي اتبعتموه منذ قرنين في فرنسا وأوروبا! إذا تمسكتم بهذا الخطاب فإنَّـَّكم تطلبون من الثقافات الأخرى أن تنغلق في النموذج الغربي للتطور التاريخي فقط، والذي أعطى الشرعية للهيمنة على الشعوب والثقافات الأخرى بتصدير الحضارة المنجزة في أوروبا (..) يبدو أنَّ الفكر الغربي غير قادر على التطور خارج النماذج التاريخية التي وضعت في أوروبا، مؤيدة بالغرب التكنولوجي".(39)

"إنَّ العالمي هو أحيانا مركزي عرقي؛ يجهل نفسه"؛ يقول أنيس لوبيون(40). "إذا، فكيف تكسب حقوق الإنسان شرعيتها العالمية،  إذا لم تصدر عن الثقافات كلها ولم تحترم من الجميع؟"(41)

وبالإضافة إلى صعوبة القبول بعالمية حقوق الإنسان بالمفهوم الموروث عن عصر النهضة الأوروبية؛ لأنها "عالمية" تفتقر إلى الشمولية والتكامل ومتأثرة بالمنظور التجزيئي للمعرفة الإنسانية وفق المنهج الديكارتي: فمنذ قرنين لا تزال تصدر تصاريح وإعلانات ومواثيق مختلفة أممية أو جهوية وقارية، لتغطية مجالات حقوقية منسية (!?) مثل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واللغوية و...كما أنَّ المنهج التجزيئي لعملية تحرير الوثائق الأولى لحقوق الإنسان أدى إلى الحاجة لصدور ميثاق عالمي لحقوق الطفل سنة 1989م، وحقوق المرأة وحقوق الأسرة و... لأنَّ قانون الطبيعة انطلق من الإنسان - الفرد وتجاهل بُعد الإنسان - الأسرة وبُعد الإنسان - المجتمع والإنسان - الإنسان.(42) وكذلك الإنسان – الطبيعة.

وقد اقترح الدكتور عبد الوهاب المسيري –مثلا- تصورا: "لإعلان حقوق الأسرة" كوحدة اجتماعية أساسية مركبة؛ مستندا إلى الحقائق الخاصة بالأطفال غير الشرعيين بعد الثورة الفرنسية (وفي كلّ أوروبا منذ ذلك التاريخ وفي كلّ العالم عما قريب) قد تعطي شيئا من الترجيح للمفهوم الذين يطرحه لأنَّه من الواضح –حسب المسيري- أنَّ البداية مع العلمانية الشاملة وعقلانية عصر الأنوار وعقلانيتها كانت إنتاج إعلان لحقوق الإنسان والمواطن لكنها لقصور فكر واضعيها لم تتضمن حقوق الأطفال الذين لم يولدوا بعدُ. مع العلم أن الأطفال غير الشرعيين هم نتاج ذكر وأنثى (راشدين) استمتعوا بحقوق الإنسان.

ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين تحاول المخابر الفكرية لفكرة حقوق الإنسان إصدار إعلان تكميلي بحقوق المرأة ثمَّ ثالث لحقوق الأطفال وهكذا. فهذه العملية غير علمية بالمرَّة لأنـَّها أهملت في البداية الوحدة التحليلية الحقيقية الواحدة، وهي الإنسان ككائن اجتماعي لا الإنسان كذرة منعزلة، لا وجود لها إلاَّ في ذهن جون جاك روسو وهولمباخ وفولتير وغيرهم من مفكري عصر العقل البورجوازي.(43)

لذا، يدعو المفكر جوزيف يعقوب إلى إعادة النظر في مفهوم حقوق الإنسان عن طريق "علاج شامل غير قابل للتجزئة؛ مع إقحام البعد الثقافي والهوية؛ وكذا البعد التنموي والبيئي في إطار النقاش العام حول المجتمعات البشرية ومصيرها. وربط كلّ ذلك مع نظرة عالمية تأخذ بعين الاعتبار كلّ الخصوصيات التي يمليها القرن الواحد والعشرون"(44)

وإزاء أزمة تصور وتحقيق فكرة حقوق الإنسان بعد قرنين من إعـلانها –بالشكل المتداول حاليا- منذ عصر التنوير الأوروبي؛ فإنَّ التجربة أكدت أنَّ تلك الحقوق لم تكن تعني في الغالب سوى حقوق الإنسان الغربي المسيحي واليهودي أي حقوق عنصرية، مادية(45) بدلا من حقوق عالمية للإنسان.

على حين أن الحضارة العالمية - يقول كلود ليفي- ستروس (Claude Lévi-Strauss) عـالم الأنتروبولوجيا(46) -: « لا يمكن أن تكون شيئا آخر غير تعايش الثقافات التي تعرف كيف تحافظ على خصوصياتها»(47) ؛ أي أنَّ العالمية هي مشترك الخصوصيات وبذلك تتخلص من النزوع نحو المركزية وهيمنة خصوصية حضارية أو قومية على أخرى بتحقيق التوازن بين الخصوصية والعالمية. ومن هنا دعوته إلى حصول نوع من التآلف بين الثقافات العالمية يضعها جميعا على قدم المساواة(48) ومن ثمَّ «معاودة النظر بالتصنيف المألوف للمجتمعات إلى متوحشة ومتحضرة، قديمة وحديثة، راكدة ومتحركة، تاريخية ولا تاريخية..»(49). بغير ذلك لا تتصور إمكانية لإعادة صياغة معرفية جديدة لفكرة حقوق الإنسان.

ولكن يبدو أنَّ الفكر الغربي - الذي أنتج فكرة العالمية الحديثة - يبدو أنـَّه يجد صعوبة في عقل ديناميكية ”وحدة الأضداد“ أي ”الاثنان المتراكبان في الواحد“ ومن ثمَّ عدم قدرته على تجاوز الصراع بين الخصوصية والعالمية والمحلية والعولمة. إذ العالمي نفسه خصوصي والـمُعَولَم محلِّي.

وحتى لو سلمنا -حضاريا ودوليا- بوجود مركز وأطراف فمن الخطأ تهميش دور الأطراف وتعظيم دور المركز أو العكس. وهنا يتساءل وليد عبد الحي: «لو لم يقدر للمركز الفيضان عبر حدود نقطة الانطلاق، هل أصبح مركزا؟ بمعنى أنَّ مركز الدائرة يفقد خاصيته هذه لو لم ترسم محيطا من حوله، فخاصية المركز هذه ساهم في وجودها الأطراف والمحيط. ثمَّ هل يكن للمركز أن يتحرك دون حيوية جادة ومبدعة في الأطراف. ومن زاوية مقابلة نتساءل: ألا يمكن إرباك المساهمة الحضارية بتهويل دور الأطراف فيها؟ إنَّ المسألة في تقديري لا تعدو كونها توزيعا وظيفيا في إطار مساهمة حضارية واحدة»(50).

لكن «النسق الحضاري الغربي، منذ استمداده التاريخي للمرحلتين الهيلينية والرومانية، كوَّن ذاته على أساس الصراع والاستعلاء على الآخرين. فالنسق الحضاري الغربي تنابذي، يعتمد على سيطرة الأقوى والتحكم في كلّ شيء بمنطق القوة (..) ومن هنا استهدف النظام العالمي القديم ثمَّ الجديد تذويب خصوصيات الأمم والشعوب الأخرى»(51). لذلك فهو يعمد في ظل العولـمة إلى تشجيع الانقسام الاجتماعي لإيجاد أسواق و”مناطق نفوذ محررة“ - على حد تعبير أستاذنا المرحوم جيلالي اليابس - على حساب الدول الوطنية والاقتصاديات الوطنية التي نمت بعد الحرب العالمية الثانية خاصة جنوب الكرة الأرضية.

ويضيف إدغار موران «.. إنـَّنا نعيش في مرحلة ما قبل العقل البشري، فقدرتنا الذهنية ما زالت غير مستغلة بما فيه الكفاية. ففيما يتعلق بعلاقاتنا بالآخر، إنـَّنا برابرة في علاقاتنا بالآخر، ليس فقط في العلاقات بين الأديان والشعوب المختلفة ولكن حتَّى بين الأسرة الواحدة (..) إنـَّه يعوزنا التفاهم»(52).

ويرجع المفكر روجي غارودي أسباب هذه النزعة المركزية الصراعية في الفكر الغربي والعلاقات الدولية في ظلِّ سيطرة النموذج الغربي للتنمية إلى «نمو حضارة الكم والتفكير الذرائعي، والديكارتية(53) وديانة الثروة، والإيغال والتمركز حول الفردية، وفقدان التأمل في الغايات النهائية في الحياة ومعناها»(54). كما أنَّ «عدم مراقبة العولـمة الجارية قد جعلها مصحوبة بتراجعات عديدة، وبجوانب مدمِّرة جدًا، وتفتيتية، وساحقة للثقافات، ومنمطة للهويات..»(55).

ومن بين الأسباب في كلِّ ذلك - كما يـرى أو ثانـت (U. Thant)(56) - أنَّ الإطار المعرفي المفاهيمي الغربي ومنه المرجعية المعرفية لمفهوم حقوق الإنسان المهيمنة على دراسات القانون الإنساني الدولي والعلاقات الدولية(57) وظواهر التناقض فيها، عاجز عن الإحاطة بـ ”وحدة الأضداد“ أو بـ ”هوية المتناقضات“ (L’identité des Opposés) التي يتميز بها الفكر الفلسفي الكونفوشيوسي(58) كما أنـَّه عاجز عن عقل ”وحدة ثنائية القطب“ في منظور الفكر الإسلامي للكون، والحياة، والوجود، والإنسان. ومن ثمَّ الإقرار بمبدأ التنوع في الثقافات والحضارات والمنظورات المعرفية والفكرية التي تصاغ على ضوئها فكرة العالمية ومنها فكرة حقوق الإنسان.

خلاصة وتساؤلات مفتوحة:

لقد تبيَّن لنا مما سبق ضرورة عدم الاطمئنان المطلق بانتصار فكرة ومشروع ”العالمية“ كما صيغ منذ عصر النهضة الأوروبية، وأنَّ محاولة فرض نموذج معرفي موحَّد وعالمي للإنسانية - إذا استثنينا عالمية العلوم الدقيقة المكتسبة إلى حدٍّ بعيد - هو إمعان في محو تضاريس البشرية الواقعية لصالح نسق معرفي عقيدي، ثقافي، حضاري عام بعينه، وهو ما يفتأ يُثير اعتراضات ونقاشات بين مختلف الدول والقوى والثقافات والأطراف في بلدان آسيا المتطورة وفي بلدان الجنوب، بل وحتى داخل الغرب؛ داعية إلى مزيد من التقييم لمنجزات العالمية الغربية، وعدم الاستسلام لوهم الانتصار الذي عبَّرت عنه مقولات ”نهاية التاريخ“ ومقولة ”نهاية الأيديولوجيات“.

فبينما نجد فيما يتعلَّق بالحالتين الآسيوية والعربية الإسلامية أنَّ نسقمها المعرفي، العقيدي، الثقافي، الحضاري العام يقوم على ركائز مختلفة، بل حتى داخل النسق الغربي فإنَّ المسيحية تشترك مع الإسلام - المرتكز على مفهوم الإنسان المستخلَف - في ركيزة النصِّ المقدس؛ بينما يقوم النسق المعرفي الغربي الحديث على الإنسان كامل الحرية، ثمَّ العقل المطلق.

إننا في هذه اللحظات التاريخية - مع احتفال منظمة الأمم المتحدة - ومن خلالها الإنسانية المعاصرة - خلال في ديسمبر من هذا العام بمرور ستين (60) سنة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948- 2008م) - إننا مدعوون لنساهم في مواجهة فوضى المفاهيم وتضاربها والاختلاف حول تحديد مضامينها ومدلولاتها وخلفيات نشأتها ومسار تطوُّرها ويكشف الغطاء عن الحقائق التي تعبِّر عنها، وعن الأوهام التي تروِّجها، وبالتالي يحدد مدى التحيُّز المعرفي لدى صائغيها، حتى لا نقع في فخِّ المفاهيم المتداولة بدون تمحيص أو تدقيق علمي موضوعي لمدلولاتها.

وحتى يتم لنا - تدريجيا - التحرُّر من ”التبعية المفهومية“، نرجو أن تساهم الجامعة الجزائرية بدورها في صياغة حقوق إنسان تتسم بخاصية العالمية التعددية معرفيًّا كما يدعو إلى ذلك المفكر الفرنسي ”فليب كيو“ (Philippe Quéau) من خلال دعوته إلى إنشاء (جامعة العالمية / L’université de L’universel) من خلال اعتماد فكر جديد عابر للتخصصات والثقافات متخلِّص من نزعته التفكيكية المفرطة لمواجهة التعقيدات التي تشهدها المعرفة والوقائع الإنسانية المعاصرة.

وما يمكن الخلوص إليه بعد هذا التحليل للمفهوم حقوق الإنسان كما هو متداول، نتاج نسق معرفي حضاري محدَّد ومعطيات محدَّدة في الزمان والمكان والأحوال؛ مع تنوُّع تلك المعطيات من تاريخية إلى جغرافيَّة إلى اجتماعية وقيمية إلى دينية وسياسية ودولية.. إذ أنَّ الكلمات ليس لها نفس المعنى في كلِّ مكان.. وأنَّه لأمرٌ أساسي أن نحدد العلاقة بين محتوى فكرة حقوق الإنسان والظروف التي قيلت فيها، لكن لا تعرف تلك الظروف التي يمكن القول عنها بأنَّها ”لكلِّ الناس“.

أي أنَّ فكرة حقوق الإنسان تفتقر إلى الصفة العالمية إذ هي في حقيقة الأمر نتاج الخصوصية الثقافية والتاريخية الغربية، ورؤيتها المعرفي للإنسان والمجتمع والعالم والحياة والوجود والتاريخ الحضاري، إذ لا عالمية بلا خصوصية وبلا أرض وتقاليد وثقافة نسبية. فكما أنَّ الخصوصية لا تكسب معناها إلاَّ من خلال العالمية فإنَّ العالمية لا تتجسَّد إلاَّ في نهاية خاصَّة.

واليوم في نهاية القرن العشرين، وفي أفق الألفية الثالثة تجري عملية نقد وتقييم وتمحيص لنتاج الألفية الثانية المحتضرة؛ وإعادة النظر في ”العالميات“ المزيفة التي ملأت فضاءات هذا القرن من ليبيرالية أو اشتراكية، لتلافي الردَّة العكسية للإنسانية المعاصرة والمستقبلية إلى حمأة التعصب القبلي والعروشي والقومي والمناطقي والديني والطبقي.. أو إعادة إنتاج أشكال من ”العالميات“ الأحادية الماحقة لإنسانية الإنسان...

واليوم أيضًا تجري عملية استشراف واكتشاف لحركية القيم الكبرى في الواقع الدولي للتعرُّف على المركزية القادمة؛ هل ستزحزح مكانها من المراكز الحالية إلى مراكز أخرى في ظل منطق التداول الحضاري؟ أم أنَّ العولمة الجارية التي أدخلت الإنسانية - اتصاليًّا واقتصاديًّا وتكنولوجيا على الأقل - في العصر الكوكبي ستجعل من ”الكوكب - الوطن“ مركزًا جديدًا لإنسانية متضامنة متشابكة مترابطة منفتحة على تنوُّعاتها وعلى الكون الخارجي ومتحمِّلة مسؤولياتها تجاه الأجيال اللاحقة.

وهل ستتخلَّص فكرة ”العالمية“ من ”عقدة المركزية“ خاصَّة إذا علمنا أنَّ كلَّ ثقافة وحضارة ودين وأيديولوجيا تتَّسم بمستوى معيَّن من ”مركَّب التفوُّق“ ومن ”النزعة المركزية“ عرقيًّا أو قوميًّا أو دينيًّا أو حضاريًّا.. إذ من الصعب كما لاحظنا في التجربة الحضارية الغربية الحديثة التخلُّص من ذلك الشعور الذي يحمل على التحيز إلى الذات الحضارية وعلى الانسياق وراء الأحكام المسبقة والأنماط التمييزية (Les stéréotypes discriminatoires) واجترار الأفكار المعلَّبة عن الآخرين، وتصنيف البشر إلى أجناس عُليا ودُنيا، مـمَّا يبرِّر ممارسة الأحادية والإقصاء، والهيمنة والاستعمار، والإبقاء على حالات اللاتكافؤ، وممارسة التنميط والعدوان والاستبداد الدولي، وفرض سلام عالمي على حساب الضعفاء.

حتى أنَّ المؤرخ البريطاني الموسوعي أرنولد توينبي يصف عصرنا بـ”العصر البربري الجديد“... كما أنَّ تعبير ”المجتمع العالمي“ نفسه - يقول صامويل هانتينغتون في دراسته عن ”صدام الحضارات“ - أصبح اسمًا جماعيًّا ملطَّفًا (يحلُّ محلَّ ”العالم الحر“) لإضفاء مشروعية عالمية على الأعمال التي تعكس مصالح الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى.

أي أنَّ العالمية الحديثة والتحديثية التي يبشِّر بها ويقودها الغرب المسيحي اليهودي لا تفكِّر سوى في غربنة أو تغريب أو ربَّما أمركة العالم بشتى الوسائل الإغرائية والإجرائية والقهرية.

لذلك، فإنَّ التحدي المعرفي والمنهجي والعلمي أمام صياغة تعريف وتجسيد جديد لفكرة حقوق إنسان عالمية تعدُّدية تشاركية (عالمية كلِّ الخصوصيات) كبير وصعب.. خاصَّة وأنَّ الذاكرات الجماعية للشعوب والثقافات المختلفة ما تزال تخزن في وعيها وفي لاوعيها عن بعضها البعض صورًا عن قرون من الإذلال والاستيطان والتجهيل وجروح غائرة من الجرائم الفظيعة ضدَّ البشرية والتراث الإنساني والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان باسم نشر قيم الحرية والدمقرطة وحقوق الإنسان. وما فضائع العراق (سجن أبو غريب)وفلسطين وأفغانستان (غوانتانامو) والشيشان ببعيدة.

وما نشهده خلال العولمة الجارية - خاصَّة بعد نهاية الحرب الباردة التي استعرت بين الأممية الشيوعية والعالمية الرأسمالية - هو صعوبة محو الآثار التي خلَّفتها ”العالمية“ الغربية بجميع أيديولوجياتها المثالية القسرية من بصمات لا تنمحي بسهولة من الذاكرة الإنسانية الحديثة والمعاصرة؛ خاصَّة وأنَّ العولمة الجديدة تكشف عن وجه ليبيرالي سافر يعيد إنتاج نمط الهيمنة القديمة، ولكن هذه المرَّة على مستوى كوكبي، ويذهب به بعيدًا ليمسَّ كل المجالات والمناطق. وهو ما يشهد به مفكِّرو المجتمعات الغربية نفسها؛ برغم التطور الكمي الذي أحدثته الحضارة الغربية المعاصرة والذي يشهد بمداه العام والخاص.

وهكذا تبقى إشكالية كيف تتوصَّل الإنسانية إلى تحقيق التوازن والتوسُّط الحرج بين مختلف دوائر الانتماء من الخصوصي إلى العالمي، وبين مختلف مسارات العولمة من المحلي إلى الكوكبي، وكيف تُعاد صياغة الـ”نحن“ العالمي فكريًّا ومعرفيًّا ومؤسَّسيًا وسياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وتربويًّا واجتماعيًّا وإعلاميًّا ونفسيًّا..

بقى هذه الإشكالية مفتوحة عسى أن يتوصَّل يومًا ما إلى الإجابة عن أسئلتها المفتوحة التي لن تنتهي ربَّما إلاَّ بنهاية ما اصطلح عليه المفكر الجزائري مالك بن نبي بـ”مركَّبات النقص الموروثة عن الاستعمار“ لدى ”محور القوَّة“ من جهة، وعن ”القابلية للاستعمار“ لدى ”محور الروح“ من جهة أخرى.

ومن غير أن ننفي أبدًا إيجابيات العالمية الغربية وبالذات الأهمية الحضارية لفكرة حقوق الإنسان، وبدون أن نمارس سياسة تجريم الآخر وتبرئة الذات الحضارية لأمَّتنا؛ فإنَّه من الصعب مطالبة الخصوصيات غير الغربية بالقبول الكلِّي بالمقولات والمنطقيات فضلاً عن المسالك التي أنتجها الغرب خلال تجربته الحضارية منذ حوالي خمسة قرون، دون أن يلوح في الأفق المنظور بديل عالمي متكامل شامل وواضح، تعدُّدي لحقوق الإنسان، لأنَّ تلك التجربة قد بلغت اليوم في زمن العولمة الجديدة حدودًا قصوى في عملية إعادة إنتاج الأزمة التي لا تطال خصوصية بعينها، وإنَّما تنـزاح اليوم تداعياتها وآثارها على
 الهوامش و المراجع:

(1)- يذكر أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون صرح بشأن العولمة قائلا:" إننا قمنا بتحليل الأوضاع في الولايات المتحدة ولما شعرنا أن لدينا اقتصادا قويا قررنا  تسريع خطوات العولمة." مما يعني أن العولمة فعل إرادي.

(2)- مثل مقولات: نهاية التاريخ ونهاية السياسة ونهاية الخصوصية ونهاية النيوليبيرالية (بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية) ونهاية الأيديولوجيا ونهاية الفلسفة ونهاية الدولة الوطنية ونهاية المكان ونهاية الجغرافيا ونهاية المدرسة ونهاية المدرس ونهاية الكتاب نهاية الورق ونهاية الفيزياء ونهاية المكتبة ونهاية العمل نهاية الخطية ونهاية الوسطاء ونهاية الذاكرة نهاية المونولوج وبداية الديالوج... التي هي في الواقع بدايات لتحولات جديدة غير مسبوقة تاريخيا.

ومقولات: ما بعد الحداثة وما بعد الصناعة وما بعد القومية وما بعد التايلورية وما بعد الكينيزية وما بعد الكتابة وما بعد البترول وما بعد عصر المعلومات ما بعد الإنترنت وما بعد الفوردية...الخ

ومقولات مصانع بلا عمال وتعليم بلا معلمين وبرمجة بلا مبرمجين ومركبات بلا سائقين وطيارات بلا طيارين ومدرسة بلا أسوار واتصالات بلا خيوط وموظفون بلا مكاتب وسياسة بلا نواب وترحال بلا انتقال وجيرة بلا قرب..الخ من المقولات التي تبدأ ببادئة مثل متعدد اللغات متعدد الجنسيات ومتعدد الاختصاصات وعابر للحدود وعابر للقوميات وعابر للاختصاصات وعابر للقارات وعابر للأقاليم...الخ

للمزيد أنظر: نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، العدد 265 من سلسلة عالم المعرفة، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.يناير 2001م.ص 14- 19 .

(3)- أنظر مقالة لـ: شوقي رافع، "الخصوصية انتهت ... والفرد أصبح مكشوفا". مجلة العربي، عدد 491. أكتوبر 1999م. ص158-162.

(4) - Voir : Day-Robert Dufour, « La fabrique de l’enfant « post- moderne » ,Malaise dans l’éducation », in : Le Monde Diplomatique. N°572-48é année. Novembre 2001. p10-11.

(5)–تعريف العولمة من صياغة الأمين العام للأمم المتحدة الحالي كوفي عنان ورد في  دراسة  فرنسية ينظر :

William D. Angel, »Les Jeunes et la Mondialisation : Acteurs  et     Victimes »,in :Agora.. N° 19. 1er trimestre 2000.pp17-29.  p18. 

(6)- in : CD - ROM , L’état du Monde, 1981-1997, éd. La Découverte. Paris.

 - راجع التقرير العربي حول التنمية الإنسانية، لسنة 2001م الصادر عن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية تحت إشراف الدكتور نادر الفرجاني. أنظر التقرير المنشور كاملا – بفصوله الثمانية وملاحقه الثرية- على موقع الإنترنت التالي:

http://www.undp.org/ rbas/ahdr/abychapter. htm

(7)-Voir  :Ignacio  Ramonet, ” La  mutation du monde”, in: Le monde diplomatique, n°d’octobre1997.p01

(8)- أنظر: ضياء رشوان، " الخطاب العربي الكوكبي الجديد وممارساته (3من3)، تحويل الوطن إلى " مشروع شركة" يدمر معنى الوطنية"، جريدة الحياة اليومية اللندنية. العدد 12585. 14 أوت 1997م.ص 07.

(9)- أنظر: د. نزار الزين،" إنماؤنا النفسي الوفاقي" محاضرة ضمن ندوة الدراسات الإنمائية بعنوان الإنماء والوفاق الوطني المؤتمر الوطني التاسع في 28-29/03/1980 ببيروت لبنان تحت إشراف د. رياض الصمد ط1. 1401هـ-1981م نشر المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت.ص 59-76. أنظر الصفحات 72-75.

(10)-  Hakim Ben Hammouda, « Perspectives structurelles sur la Mondialisation »,in : Bulletin du Cordesria. Dakar-Sénégal.N°01.2000.p30-39. surtout p31. Voir aussi : http://www.sas.upenn/african-studies/cordesria/codes-menu.html.

(11)- إيان كريب، تر: محمد حسين غلوم، النظرية الاجتماعية من بارسونز على هابرماس، العدد 244 من سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. ذو الحجة 1419هـ/ أفريل 1999م. ص357-359.             

(12) - جوزيف يعقوب مسيحي من مواليد سوريا سنة 1944م، خبير دولي في شؤون الأقليات، دكتوراه في التاريخ والآداب. ويدرس العلوم السياسية في الجامعة الكاثوليكية لمدينة "ليون" الفرنسية منذ عام 1975م.

(13) - أنظر جريدة " الخبر" الجزائرية. العدد 23 شعبان 1419هـ - 12/12/1998م. ص 21. مقال لـ: ع. قسطل. "الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان فكرة غربية".

 (14) - علي عزت بيغوفيتش، تر: محمد يوسف عدس، «الإسلام بين الشرق والغرب». نشر مؤسسة بافاريا ومجلَّة النور الكويتية. ط 1. رجب 1414هـ / يناير 1994م.. ص 330-329.

(16) -  Agnès Le Béon, "Les Droits de L’Homme, Un Concept Occidental". in:http//www.alphacom.net/- fraqb/vigib/idees/philo/lebeonDH.html

(15)- محمَّد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. ط1. نوفمبر 1994م.ص 146-169.

(18)  -  حسب الجابري فإنَّ مفهوم "حالة الطبيعة" متطابق مع مفهوم "حالة الفطرة" ونظام ودين الفطرة" [لا دين سلطة الكنيسة]. فنظام الطبيعة = نظام العقل = حالة الحرية والمساواة قبل وجود سلطة تحُدُّ منها. ويعتبر الجابري "الدين الطبيعي" هو نفسه "الدين الإلهي" فلم يكن معناه إحلال "الطبيعي" محل "الإلهي" ولا "العقل" محل "الدين". أنظر: محمَّد عابد الجابري. مرجع سابق. ص 146-169.

(19) -  محمَّد عابد الجابري. مرجع سابق. ص 146-169.

(20) - Agnés Le Béon..OP.CIT.

(21)- علي عزت بيغوفيتش. مرجع سابق. ص 329.

(22)- كتب ماركس عن "المسألة اليهودية" /"La Question Juive "سنة 1844م قائلا: "إنَّ ما يسمى بحقوق الإنسان تمييزا لها عن حقوق المواطنة، ليست سوى حقوق عضو في الطبقة الوسطى. أعني حقوق الرجل [البورجوازي] الأناني منفصلا عن غيره من الناس والمجتمع"، ويأتي مفكر آخر من المدرسة النفعية المادية هو "جيرمي بنتام" فيكتب قائلا: إنَّ "حقوق الإنسان هراء والحقوق الطبيعية للإنسان أكثر هراء" واعتبر الإعلان الفرنسي "عمل ميتافيزيقي". علي عزت بيغوفيتش، المرجع السابق. ص 329.

(23)- وتعرّف كلمة: "قانون"، تعريفا ماركسيا كما يلي: "هو مجموعة القواعد التي تعبر عن إرادة الطبقة الحاكمة... ويتم تطبيق هذه القواعد بقوَّة الدولة بغرض تعزيز وتقوية وتطوير العلاقات والظروف الاجتماعية لتتواءم مع إرادة ومصلحة الطبقة الحاكمة". وصاحب هذا التعريف هو المدعي العام الرئيسي للدولة أثناء حركة التطهير (1936-1939م) في الاتحاد السوفياتي. أنظر: علي عزت بيغوفيتش، المرجع السابق. ص 330.

(24)- يبقى النقد النيوليبيرالي للحقوق الاجتماعية التي أخذت بها دولة الرفاهية (L’état Providence) كما نراه لدى "ف. ف. هايك" (التعارض بين الحقوق الفردية والاجتماعية) فحواه أنَّ تزايد تدخل الدولة يتضمن ظهور وتطور الحقوق الاجتماعية، التي لا تكون إلاَّ على حساب الحريات العامَّة، وبالتالي على حساب الحقوق الشكلية التي تشكل أساس الليبيرالية، لذلك فلا فرق عند "هايك" أساسي بين دولة الرفاهية والدولة الشيوعية الشمولية، فكل محاولة لتطبيق الحقوق الاجتماعية يؤدي -حسب الموضوع الشديد الحضور لدى الليبيرالية الجديدة- وينتج "نظاما شموليا يستبعد الحريات الفردية". أنظر:

- Luc Ferry, Critique de La Critique Néo- Libérale Des "Droits Sociaux" ,in: Marrio Bittati, Bernard Couchner, Le Devoir D’ingérence, éd. Denoêl. Paris. 1987. P 67-72.
الكتاب الذين يضم هذه المحاضرة يضم مجموعة أخرى من المحاضرات حول حقوق الإنسان وحق وواجب التدخل عددها 52 مداخلة. ألقيت ونوقشت في: "المؤتمر الدولي للقانون والأخلاق الإنسانية." من تنظيم منظمة أطباء العالم المنظمة غير الحكومية الفرنسية.

(25)- يقول المفكر الفرنسي جون-ماري دوميناش: "منذ قرنين نعيش هذا الغموض، (..) إنـَّنا لم ننعتق أبدا من هذا التناقض، حقوق إنسان ممزقة بين اتجاهين: الفردية الأنانية المدمرة للحياة المدنية من جهة، ومن جهة أخرى اللجوء إلى الدولة التي أدرجت ضمن أهدافها، حقوق الإنسان نفسها… إنَّ حقوق الإنسان في الديمقراطيات قد أصبحت امتيازات مكتسبة ونوعا من الميراث، بدل أنَّ تكون وعيا وكفاحا يندرج ضمن التاريخ. (للمزيد أنظر: محاضرته المنشورة ضمن أعمال مهمة حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لها (1789-1989) في كتاب صادر عن:

La Commission Nationale Des Droits De L’homme 1989, "Les Droits De L’homme En Question", éd. La Documentation Française. Paris. 1989. Voir: "Interrogations" P 21-24.

الإصدار يحتوي على 42 موضوعا ودراسة مع النصوص العالمية لحقوق الإنسان الصادرة سنوات 1789 إلى 1948م.

(26)- علي عزت بيفوفيتش. مرجع سابق. ص 330.

(27)- آنذاك طالب الاتحاد السوفياتي أن يتضمن الإعلان موادا عن واجبات الفرد.

(28)-  Agnès Le Béon, op.cit. /in : http//www.alphacom.net

(29)- إلى حين تحقيق تلك العالمية: يمكن الإشارة إلى دراسة مهمة للمفكر الصيني لاوتسي بعنوان: "نعم للعولمة.. لا للغربنة" يتحدث فيها عن انتفاء كلمة "الحقوق" في القاموس الصيني. إذ الفرد جزء من المجموع لدى الكونفوشيوسية، وكلمة "الحقوق" لها تاريخ غربي علماني.. إنَّ الصين يجب أن تحكم بالبشر، لا بالقوانين، ولا شيء عندنا أبعد عن أذهاننا ممَّا تدعونه "قاعدة القانون". ويرى فرونسوا جوليان المتخصص في الثقافات الشرقية، أنَّه لا يوجد في الفكر الصيني التقليدي، لشيء مكافئ لما يسميه الغربيون (حقوق الإنسان) "لسبب بسيط -يقول فرونسوا جوليان- لأنَّ كلمة "حق" نفسها لا وجود لمكافئ لها عند الصينيين. فالحق يترجم بـ"Quan" الذي يعني "السلطة" وبالتالي "حقوق الإنسان" تساوي بالصينية "سلطات الإنسان"." ويقول "إنَّ ممَّا يلفت الإنتباه أنَّ ترجمة أعمال روسو "العقد الاجتماعي" مثلا إلى الصينية كان له عدَّة معان معاكسة" (أنظر:

"La Culture Est La Partie Prenante Dans L’art De Négocier", Entretien Avec François Jullien, Propos Recueillis Par: Roger-pol Droit./in: site web: Institut de Management d’EDF et de GDF. France. 1997. in: http:// www.im.edfgdf.fr/im/html/

(30)- البروفيسور لويس ج. كانتوري، " أنماط التفكير المحافظ والليبيرالي حول قضية حوار الثقافات". مجلة الديبلوماسي. العدد الأوَّل. 26 رمضان 1416هـ/ 15 فبراير 1996م. ص 08.

(31) – إدوارد سعيد، " مادلين أولبرايت، وليام كوهن: خل قديم في زجاجات جديدة" جريدة الخليج. عدد 6423. 08 شعبان 1417هـ/ 18 ديسمبر 1996م. ص 13.

(32)- يورد  الدكتور وليد عبد الحي مجموعة من الإحصائيات عن الأمين العام للأمم المتحدة السابق: بطرس بطرس غالي فيما يتعلق بخروقات حقوق الإنسان فيقول: "إنَّ 108 دولة ترفض التوقيع على اتفاق يمنع التعذيب، وأنَّ 165 دولة ترفض التوقيع على وقف عمليات الإعدام، وأنَّ 182 دولة ترفض التوقيع على اتفاق يحمي حقوق العمال المهاجرين". أنظر: د. وليد عبد الحي، "بطرس غالي: والديبلوماسية الوقائية". الشروق الثقافي. العدد 20. من 9 إلى 16/12/1993م. ص 10.

ملاحظة: عرفت أوروبا سنة 1992م وصول حوالي 15 مليون عامل مهاجر ولا يزال تدفقهم مستمرا مع مآسي فضاء شينغن.

(33)- يراجع: ناجي علوش. "احتفالات الذكرى الخمسين لانتهاء الحرب العالمية الثانية والقضايا الغائبة". قضايا دولية. العدد 283. السنة السادسة. 6 محرم 1416هـ/ 5 يونيو 1995م. ص 22-23.

(35)-  أنظر: محاضرة. ج.م. برايس قيريرو (J.M. Brice Guerrero) بعنوان:

- Le Discours Des Droits Universels et Les Pratiques De Domination " In: Rencontres Philosophiques De L’UNESCO. 1996. in: htpp://www.unesco.org/

(36)-  Le Monde N° du 15 Mars 1989.

(37)- هو مفكر جزائري الأصل، يدرِّس تاريخ الفكر الإسلامي بجامعة السربون الجديدة (باريس الثالثة) وهو أستاذ زائر في جامعات أوروبية مثل أمستردام.. وله مؤلفات نقدية عديدة مثيرة للجدل في العالم الإسلامي والعربي مثل:

            - L’humanisme Arabe au 4éme /10éme Siècle, 1982.

            - Pour Une Critique de La Raison Islamique, 1984.

            - La Pensée Arabe, 1996.

(38)- يتميز التصور الإسلامي لحقوق الإنسان بالرجوع إلى مرجعية الشريعة الإسلامية وإلى الكليات الخمس: حفظ الدين، النفس، العقل، المال، العرض (النسل). على التوالي. ويمكن الإشارة إلى كتاب د. علي جريشة، بعنوان: حرمات لا حقوق، حقوق الإنسان في ظلِّ الإسلام - دراسة مقارنة. دار الاعتصام. القاهرة. 1987م. وإلى كتاب د. فهمي هويدي، مواطنون لا ذميون، موقع غير المسلمين في مجتمع المسلمين. دار الشروق. بيروت. القاهرة. ط 1. 1405هـ/1985م. وإلى رسالة دكتوراه للأستاذ حمود حمبلي، حقوق الإنسان بين النظم الوضعية والشريعة الإسلامية. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1995م.

(39)- in : Agnés Le Béon, op. cit. in : http//www. Alphacom..net

(40) - in :Agnés Le Béon, op. cit. in : http//www. Alphacom..net

(41)-in : Agnés Le Béon, op. cit. in : http//www. Alphacom..net

(42)- وهذه قائمة نموذجية للصيغ المختلفة لحقوق الإنسان والتي يقال أنـَّها تزيد عن الخمسين وثيقة إلى حد اليوم:

- " العهد الأعظم" البريطاني المعروف بـ: Magna Carta صدر في 15/6/1215م.

- " وثيقة الحقوق" Bill of Rights البريطانية سنة 1628م.

- الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن (26 أوت 1789م) والإعلانات التكميلية لسنوات 1791م، و1793م، و1814م، و1830م، و1852م، ودساتير فرنسا إلى دستور 1958م.

- الإعلان الأمريكي للاستقلال سنة 1776م. "تضمَّن مادة تصف الهنود الحمر السكان الأصليون الذين تعرضوا للإبادة الجماعية من طرف المستوطنين البيض تصفهم بـ "المتوحشين الذين لا يعرفون الرحمة، والمعروفين بحبهم لإشعال الحروب وارتكاب المجازر"! وهو إعلان مرتبط باسم طوماس جيفرسون".

- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن منظمة الأمم المتحدة 10 ديسمبر 1948م.

- الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان سنة 1950م.

- الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان سنة 1969م.

- إعلان حقوق الإنسان وواجباته في الإسلام الصادر عن رابطة العالم الإسلامي سنة 1979م.

- البيان الإسلامي العالمي الصادر عن المجلس الإسلامي الأوروبي في لندن عام 1980 و1981م.

- الميثاق الكندي للحقوق والحريات سنة 1982م.

- مشروع وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام: قدم إلى مؤتمر القمة لمنظمة المؤتمر الإسلامي. الطائف: جانفي 1989م.

- الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان 1981م. دخل حيز التطبيق في 21/10/1986م.

- الإعلان الدولي الأوَّل عن التسامح. الصادر عن اليونيسكو في 16/11/1995م.

وهناك مبادرات عربية وإفريقية وآسيوية: أخرى كثيرة.

(43)- عبد الوهاب المسيري، "الفكر الغربي: نظرة تقدمية مختلفة، اليهود: "مسلمون" في أفران الغاز". جريدة القبس الدولي الكويتية. العدد 1301. 22-23/4/1989م. ص 15.

(44) - وفي محاورة عنونتها صحيفة (واشنطـن بوسـط/Washington post : 30/10/97) بـ: "حوار الطرشان" بين الرئيسين الأمريكي السابق كلينتون والصيني السابق زهاوزيانغ. قال الأوَّل : "حرية التعبير ليست حقا طبيعيا للأمريكيين أو الغربيين فقط، بل حقا طبيعيا لكلِّ كائن بشري أينما وجد". وأجاب الثاني: "الصين والولايات المتحدة لهما تقاليد ثقافية وتاريخية مختلفة، ومفاهيم الديمقراطية والحقوق الأساسية والحرية نسبية" أنظر:

            - "Universalité Des Droits Humains Fondamentaux" in: http://www. Washington post.com

(45)- تجدر الإشارة إلى "إعلان عالمي للواجبات" صاغه العالم الفرنسي روجي غارودي لوضع حد لاستبداد "وحدانية السوق" باسم حقوق الإنسان التي تمنح السيطرة لأصحاب الامتيازات المالية. داعيا من خلاله إلى إيجاد تيار رئيسي عالمي لأنسنة الإنسان. منطلقا من التفريق بين الإنسان والكائنات الأخرى ومن خلال ثقافات كلّ عائلات الأرض، خدمة لعالمية جديدة، وإلغاء لمقولة "الشعب المختار" لدى أي أمة، لأنـَّها تتضمن رفضا قبليا للوحدة الإنسانية.

ويتضمن الإعلان مجموعة من الواجبات حول الملكية، الطبيعة، الحرية الفردية والأمن الجماعي. قائلا: في ديباجته:" إن واجبنا الفرد الذي تتولد منه كل الواجبات، يأخذ صيغته الأساسية الواعية والإنسانية أبدا من مبدأ أن أكون " واحدا" مع " الكل"" انظر : روجي غارودي، تر: مروان حموي، «الولايات المتحدة طليعة الانحطاط، كيف نُحضِّر للقرن الواحد والعشرين». دار الكاتب. دمشق. ط 1. 1418هـ/1998م. ص 215-219. خاصة ص 219.

(46)- عالم فرنسي من مواليد 1908م مختص بارز في دراسة الأجناس البشرية، أدخل التحليل البنيوي في الدراسة الأنثروبولوجية، له كتب منها: «الفكر الهمجي» و«الإنسان العادي».

(47)- راجع، مارسيل غوشيه، وبيار كلاستر، تر: علي حرب، «أصل العنف والدولة». دار الحداثة. بيروت. 1985م. 

(48)- انظر في: مارسيل غوشيه وبيار كلاستر، تر: علي حرب. مرجع سابق. ص17.

(49)- مارسيل غوشيه، وبيار كلاستر، تر: علي حرب. مرجع سابق. ص 17.

(50)- د. وليد عبد الحي، «الحضارة بين السياسة والتاريخ». جريدة" الشعب" الجزائرية. العدد 7179. 12-13 ربيع الثاني 1407هـ/14-15 نوفمبر 1986م. ص 12.

(51)- د. طه جابر العلواني، «أبعاد غائبة عن فكر وممارسات الحركات الإسلامية المعاصرة». المعهد العالمي للفكر الإسلامي. فرجينيا. و.م.أ. ط 1. 1417هـ/1996م. ص 78.

(52)-Edgar Morin, interview, accordé à Label France par Anne Rapin.

 In: http: //www.france-diplomatie.fr/label.france/france/idees/morin/.

(53)- ينتقد المفكر الفرنسي إدغار موران الاتجاه التفكيكي والتجزيئي في التفكير العلمي والمناهج الدراسية الغربية منذ عصر النهضة. فيقول: «إنَّ نظامنا التعليمي من الابتدائي إلى الجامعة، يفتت الواقع ويجعل العقول غير قادرة على الجمع بين المعارف المجزأة إلى مواد. هذه التخصصية الفائقة للمعارف، تؤدي إلى تفكيك الحقائق حتَّى انعكس ذلك على سلوكنا. فوجدنا سياسات إقامة الهياكل القاعدية للمدن مثلا تهمل غالبا البيئة الاجتماعية والإنسانية. وتصادر القرار السياسي من المواطن لصالح الخبراء. لذلك لا بدَّ من إصلاح معرفي بيداغوجي لنظام التعليم والتربية ليواجه التعقد بواسطة مفاهيم قادرة على الربط بين مختلف المعارف المتوفرة لدينا في نهاية القرن العشرين. إنـَّه من الحيوي جدا في زمن العصر الكوكبي، حيث من غير الممكن، ومن المصطنع عزل مشكلة هامة على مستوى وطني.

ففي القرن السابع عشر الميلادي فهم باسكال (1623-1662م) أنَّ كلّ شيء مترابط إذ اعترف أنَّ (كلَّ شيء مساعَد ومساعِد، سبب ومسبِّب). وكما قال: (كيف أعرف الكل إذا لم أعرف الجزء)، ولكن مع الأسف -يقول موران- اتبعنا نموذج التفكير الديكارتي معاصره الذي يدعو إلى تقطيع الواقع والمشاكل. بينما الحقيقة أنَّ الكل ينتج كمية لا توجد في الأجزاء المجزأة، إنَّ الكل ليس أبدا هو عملية جمع للأجزاء فقط، إنَّـَّه شيء أكبر منها». انظر:

- Edgar Morin. op. cit.

(54)- رجيه غارودي. مرجع سابق. ص 27. (بتصرف).

(55)- Edgar Morin. op. cit.

(56)- هو ديبلوماسي برماني (1909-1974م) كان أمينا عاما للأمم المتحدة بين 1961-1971م.

(57)- النظريات الدولية تشهد منذ ظهور نموذج التحليل الوظيفي لدافيد إيستون، وكذلك نظريات الكوارث والكوانتا والمنظور الكلاني مراجعة لمسلماتها السكونية التجزيئية المسرفة في الوضعية والعلمنة والحتمية والديكارتية، والاختزالية.

(58)- يرى بيدرو هونريكيز (Pedro Henriquez) أنَّ تناقضات النظام السياسي الدولي تعكس المصالح المتعارضة للأمم والطبقات المسيطرة داخل الدول وبين الدول المشاركة في النظام. هذه التناقضات ليس لها نفس الشدة في مختلف مراحل المسار السياسي. إنـَّها تأخذ في الاعتبار ميزان القوى داخل الدولة. وكذلك تناقضات النظام السياسي الدولي. وقد اقترح صنفين من التناقضات: تناقضات صراعية وغير صراعية. وتتغير تلك الصفة حسب الزمان والسياق التاريخي للقوى الاجتماعية الموجودة. انظر:

Pedro Henriquez, «La Crise Mondiale et Le Système des Nations Unies» in: L’avenir des Organisations Internationales. Institut International D’études Diplomatiques à Paris. éd. Economica. Paris. 1984. P 96.

page

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مدونة القانون المغربي
تصميم : يعقوب رضا