Tuesday, February 05, 2013

الدولــة والمجتمع المدني:تكامل أم تنافر


الدولــة والمجتمع المدني:تكامل أم تنافر

الحسين لنصار
 تعتبر الدولة  تنظيما اجتماعيا أفرزه وبدافع الحاجة نتاج العقل البشري إذ تضطلع بادوار أساسية في الحياة العامة للناس/المواطنين ، فلا يتصور أن تعيش اليوم جماعة بشرية منظمة دونما وجود لسلطة سياسية تابعة للدولة  وتتخذها كذراع تنفيذية تحقق من خلالها الغايات السامية التي من أجلها اتفق الناس على أن تحكمهم تلك الدولة ، ومن بين تلك الغايات احتكار المنافع والموارد العامة وتقسيمها على مواطنيها بناء على مبدأ الأحقية والمساواة ، ناهيك عن استخدامها وبصفة حصرية للعنف المشروع الذي يطبق باسم القانون ويعد استثناء من القاعدة العامة التي تقوم على أساس أن اللجوء إلى العنف من قبل الدولة شيء محظور وغير وارد ، لكن لا يتصور كذلك أن تكون ثمة جماعة بشرية يراد لها أن تعيش في أمان وتتعايش بسلام من غير تعارض لمصالح أفرادها  الاقتصادية والاجتماعية ، وتباين في رؤاهم السياسية والدينية والعقدية ، ذلك التعارض الذي يقود غالبا إلى حرب مفتوحة كالتي أسماها " توماس هوبز" حرب الجميع ضد الجميع في كتابه " الليفيتان " أي  الوحش ، وهذا الوحش هو الدولة  والتي تستطيع  فرض هيبتها وسطوتها وقانونها ، وهذا الوضع السامق والمتميز للدولة يدفع بها غالبا  لان تجنح في اتجاه تكريس فلسفة القوة ونزعة التعسف ، وهنا ظهر المجتمع المدني والذي تجهل بوادر ظهوره بالضبط إلا أن ذلك الظهور أتى ليخلق حالة من التوازن تحد من شطط الدولة /السلطة  وهو ما أشار إليه المفكر " آدم فيرجسون " في كتابه " تاريخ المجتمع المدني" الصادر سنة 1767م حيث اعتبر أن الحركة الجمعوية تعتبر النسق الأفضل للدفاع ضد مخاطر الإستبداد السياسي لسلطة الدولة ، في حين أن "هيجل " في مؤلفه " مبادئ فلسفة الحق " 1812م  يجعل من ظهور المجتمع المدني ضرورة يمليها ملء الفراغ الحاصل في عملية التواصل مع الدولة إذ يتموقع هذا المجتمع في نظره  في مكان  وسط  بين الأسرة والدولة وهو بذاك يشركه في أدوار عامة تراجعت عنها الدولة بعد أن كانت نعتبرها من رموز سيادتها . 

إن بروز المجتمع المدني في أوربا والذي غير مسألة احتكار التحدث باسم العامة كان بدافع رفض الوضع القائم الذي يتاسس على مبدأ " الحق الإلهي "  للملوك الإقطاعيين والذي تزكيه الكنيسة من خلال نظامها الكهنوتي بالمعروف بالإكليروس ، وهكذا فقد ظهرت بعض الكتابات تستنهض همم الشعب / المجتمع المدني ، وتحثه على مواجهة الظلم والتحرر من نزعة الخوف ، فكتابات المؤلف الفرنسي المغمور "أتين دي لا بويسيه " الذي ألفه سنة 1548م  والمعنون ب " خطاب في العبودية المختارة "  مثلا والذي كان يتداول سريا ولم ينشر إلا بعد وفاة مؤلفه من طرف زميله " مونتى " بسنوات يصب في هذا الإتجاه ، فقد طرح " لا بويسيه  " سؤالا محوريا تفرعت عنه باقي تحليلات مقالاته وهو : لماذا نجد ملايين البشر يخضعون لحاكم مستبد واحد يستعبدهم ويوجههم كيف شاء ويسحر ألبابهم ولماذا لا يكون العكس ؟  

حينما حلل  " لا بويسيه " جذور الطغيان السياسي خلص إلى أن الأمر لا يتعلق بحكم فرد وإنما ببنية اجتماعية معقدة تقوم على مبدأ الولاء للمصلحة الذاتية فهكذا نجد مجموعة دوائر تحيط بالحاكم تبدأ من مقربيه ثم الذين يربطون علاقات مع هؤلاء وهكذا كلما ابتعدت الدائرة عن المركز كلما قلت حظوظها في الغنيمة وفي التأثير على مجرى الأحداث في الدولة ،  والحاكم المستبد الذي يبدو في هرم السلطة يظل مقيدا في عمله ،  ومهما حاول أن يعدل عن تصرفاته ويجنح لمصلحة رعيته فإن الدوائر الأقرب إليه لن تتركه وربما تغتاله إذا ما مست مصالحها وهكذا يجد  نفسه في خوف دائم وفي عزلة دائمة أيضا ، لكن أبعد تلك الدوائر والتي لا يصل صوتها إلى أقرب دائرة لها فبالأحرى أن يصل إلى المركز هي التي تستطيع التغيير حينما تتحرر من عقدة الخوف وتتسلح بالتنظيم وهذا ما حدث في أوربا حينما ثارت شعوبها  وأفرزت وضعا جديدا يقوم على احترام المواثيق والسماح بإشراك أطراف أخرى في تسيير مناحي الحياة العامة وأبرز تلك الأطراف هو ما عرف بالمجتمع المدني ، فما هي أوجه العلاقة بين هذا المجتمع والدولة سيما وأنه بات تنظيما يستاثر باهتمام الناس وينافس الدولة ذاتها في أوجه مشروعيتها بل ويمنحها تلك المشروعية سيما وقت الأزمات التي تحتاجه فيها؟

إذا ما أخذنا بالتعريف الذي ينعت المجتمع المدني بأنه " كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل أو توسط من الدولة " فما هي شروط وعوامل نجاح هذا المجتمع وما مدى تأثره بطبيعة نظام الدولة السياسي القائم ؟

 1-   النظام السياسي القائم وتأثيره على علاقة الدولة بالمجتمع المدني :

لا يمكن الحديث بتاتا عن علاقة كيفما كانت  طبيعتها بين الدولة والمجتمع المدني إذا ما كان النظام السياسي القائم ديكتاتوريا وشموليا وأحاديا ، ففي هذا " النظام " يمنع تأسيس التنظيمات القانونية غير الرسمية ، إذ لا يسمح بتأسيس الأحزاب والجمعيات أو غيرها ، فالدولة هي  التي تمثل السيادة ، وحاكمها يمثل الرعايا إما باسم الإله أو باسم القوة والغلبة ، ولا يسمح إلا بالقدر اليسير من المؤسسات التي تؤمن دعائم ملكه وتتبع له مباشرة من غير استقلالية في قراراتها ، أما في ظل النظام الديمقراطي الذي يؤمن بالاختلاف الذي لا يمس الثوابت الأساسية التي يعتقدها غالبية الناس فالدولة تقر بوجود مساحات أكبر لمن يستطيع تعبئة الناس في مجال يخدم مصالحهم العامة ولا يمس بسيادة الدولة على مواطنيها .

إن النظام السياسي حينما يكون مغلقا تتحول فيه السياسة من مجال للبناء والقيام على شؤون الناس بما ينفعهم إلى تدخل موجه لصرف اهتماماتهم عن أمور تعنيهم وتخدم قضاياهم إلى أخرى لا تفيدهم في شيء ، وهكذا وبدل أن يهيئ ذلك النظام الأرضية لبروز مجتمع مدني مؤمن بنبل وجسامة المسؤوليات الملقاة على عاتقه فإننا نراه يسهم في تجهيل الناس من خلال تشجيع انخراطهم في ساحات عمل لا تفيدهم في شيء كالسهرات الماجنة والألعاب المزجية للوقت والقاتل لملكة الإبداع والفكر ، وهنا أستحضر تأثير الثقافة العامة ولا سيما  السياسية منها  للأفراد المنخرطين في الجمعيات على نوعية أعمالهم ونشاطهم وانعكاسها على علاقتهم بالدولة ، وهنا يحضرني التعريف الذي ساقه إلينا المفكر " غابرييل ألموند " عن الثقافة السياسية للأفراد ، إذ اعتبرها مجموعة مواقف يبديها الفرد حيال الدولة وإداراتها ومؤسساتها التابعة لها ، وقسمها إلى ثلاث ثقافات : هامشية وإذلالية وتشاركيه ، فأفراد المجتمع الذين لهم ثقافة سياسية هامشية  لا يعرفون الدولة حتى وهم بين ظهرانيها ولا يعرفون مؤسساتها وكل ما يعرفونه عنها تشكل في مخيالهم من خلال ما يسمعون عنها من أنها أداة للقمع والبطش ولذلك تركوا مسألة التفكير فيها وعاشوا منعزلين عنها، أما ثقافة الخضوع والخنوع والإذلال فتختلف عن الأولى في أن أصحابها لديهم رصيد معرفي حول ماهية الدولة ولكنها تلتقي مع الأولى في كون أصحاب هذه الثقافة يفضلون النأي عن الدولة وكل ما يرتبط بها بدافع الخوف من ظلمها وتجاوزاتها ، في حين نجد أفرادا لديهم ثقافة مشاركة لا تنتهي مواقفهم عند حدود فهم عمل الدولة بل تتجاوزها إلى مشاركتها في شؤون الحياة العامة ، وإذا ما عممنا مسألة الثقافة السياسية لتسري على باقي ثقافات الفرد ، فإن علاقة المجتمع المدني بالدولة ستتأثر ولا شك بنمطية تلك الثقافات ولهذا نجد بأن الثقافة الهامشية أو حتى ثقافة الخضوع غالبا ما تدفع في اتجاه تهميش المجتمع المدني وإقباره ، بيد أنه ومع متغيرات العصر  واستئناس الناس بجهاز الدولة بدأنا نلحظ بأن الأفراد الذين لهم ثقافات هامشية يبادرون إلى الإنخراط في المجتمع المدني لكن ليس لغرض خدمة مبدأ التطوعية وإنما لتحقيق مآرب وأغراض ذاتية لكن ضعف تكوينهم الثقافي والإدراكي يحدث خللا في تركيبة ونوعية علاقتهم بالدولة فتتحول تلك العلاقة من تكامل وتعاون إلى تهميش وتجاهل يدفعهم إلى موت بطيء محقق.

2-تأثير عمل النخب على علاقة الدولة بالمجتمع المدني:

 يعتبر المجتمع المدني إحدى الساحات التي تنتج نخبا جديدة لكنه ليس إلا جزءا من النخبة الكلية التي تمثل المجتمع وتتحدث باسمه بحكم الواقع نظرا لما حازت من أسباب القوة والتفوق الذاتي  أو الحظوة والتقرب من طرف الهيئات الحاكمة في الدولة  فحينما تكون النخبة معبرة  وبمصداقية عن  واقع عموم الشعب وتطلعاته وآماله فإن ذلك يسهم في تقوية شكيمة المجتمع المدني ويشجعه على الإنصهار وبشكل إرادي في خدمة الأهداف العامة التي رسمها والتي ترمي إلى إرساء وتثبيت دعائم الديمقراطية والتربية على المواطنة الحقة عبر الإنخراط في التنظيم المؤسساتي وبعيدا عن تدخل أو ضغط أفراد بأنفسهم وإلى الإسهام كذلك وإلى جانب الدولة في تجنب حالات الإحتقان السياسي والاجتماعي من خلال دفع الأفراد إلى الخروج عن حالات "الكبت" والتزمت لتفجير مواهبهم و طاقاتهم الخلاقة سيما إذا كان هؤلاء يشعرون بحالات غبن في نظراتهم لتعاطي الدولة مع قضاياهم وانشغالاتهم ، لكن في غياب نخب حقيقية أفرزها عاملا الكفاءة والأمانة أو بوجود" نخب" جامدة وصورية  صنعتها الدولة للمحافظة والإبقاء على شرعيتها السياسية فإن علاقة هذه الدولة بمجتمعها المدني  تنحو في اتجاه تكريس الأمر الواقع ، إذ يغدو المجتمع المدني مجرد تجميع لكيانات وهمية وهياكل فارقتها الأرواح تمارس عليها الدولة عنفها الرمزي والدعائي وتستغلها كصمام أمان وقت تصريفها لأزماتها أو تلميعها لأوجه سياساتها لا سيما إذا كانت تلك السياسات موجهة خارج النطاق الجغرافي التي تمارس عليه الدولة سيادتها ، وهكذا يفقد المجتمع المدني مغازي تأسيسه القائمة على أسس التطوع والتنظيم المحكم وخدمة المنفعة العامة وعدم استغلال بنياته القانونية كمطية للوصول إلى السلطة وأخيرا نبذ العنف كيفما كانت مسبباته وأهدافه ،

إن النخب الحية والفاعلة تغذي المجتمع المدني وتقوي دوره في الشأن العام وتمده بمسببات القوة وتجعله مجتمعا يساهم بدوره في بروز وصناعة  نخب جديدة في إطار عملية إنتاج أو إعادة إنتاج لجزء من  منظومة  القيم المؤسساتية بالمجتمع وحينما يتعطل مسار ذلك الإنتاج نصبح أمام دولة مستفردة تحرك لوحدها ولو بشكل غير معلن دواليب العمل السياسي والإقتصادي والإجتماعي بشكل لا تحاسبها فيها أية هيئة محايدة وغير رسمية .

أؤكد في الختام بأن الأعمال التي يزاولها المجتمع المدني بمعزل عن الدولة لا تدل على أنه قد فك ارتباطه بها وأنه يعيش حالة قطيعة قانونية أو واقعية أو ابستمولوجية ، فعمليا لا يتصور هذا النوع من الاستقلالية إلا إذا تحول المجتمع المدني إلى هيئة سياسية لها السيادة المطلقة على التراب الذي تزاول عليه عمله ، فالمجتمع المدني يطبق قوانين الدولة وتطبق عليه ويخضع للتدابير الإجرائية التي تؤطر عمل الشخصيات الاعتبارية في الدولة وهذا يجعله جزء من نظامها السياسي الكلي ، فالاستقلالية هنا تؤشر لمساحات عمل لاتملك عليها الدولة إلا " سلطة " وصاية تمارس وفق القوانين ، وهذا ما يجعل العلاقة بين الطرفين يجب أن تقوم على احترام الوظائف النبيلة والسامية لكليهما وخلق حالة من التكامل في عمليهما ، فالدولة التي لم تعد اليوم بقادرة على تلبية جميع حاجات وغايات مواطنيها ترى في المجتمع المدني صمام أمان وإكسير حياة  يمنحها الشرعية ويخفف من وطأة أعبائها ، كما أن المجتمع المدني يرى في الدولة الساهر على إرشاده وتتبع وتقييم أعماله ، فالدولة القوية لم تعد كما كانت من قبل تراقب  سكنات المواطن قبل حركاته وتقتفي آثار خطواته وتحصي عليه أنفاسه ، وإنما قوتها تكمن في انفتاحها على محيطها وفي تقويتها لشوكة المجتمع المدني الذي يعمل فوق ترابها الوطني ، كما أن قوة المجتمع المدني تكمن في بعده واستقلالية قراره عن الدولة وعدم الإعتماد على ما تقدمه من منافع إلا بالقدر المستحق حتى لا يكون ذلك مدعاة للتأثير عليه ومطية لتدجينه ، وما دام الأمر في النهاية يتعلق بمصلحة عموم المواطنين/المجتمع  فالتكامل يظل أمرا مطلوبا وغاية ملحة ولن يتحقق ذلك إلا إذا ذابت فردانية المواطن سواء أكانت صفته رسمية أم مدنية  في حمإ المؤسسات والتنظيمات وتعالت عن الإفراط في الذاتية.

No comments :

اضافة تعليق

الرجاءالتعليق باللغة العربية الفصحى

page

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مدونة القانون المغربي
تصميم : يعقوب رضا